«سيرة ج. غ. ب. الذاتية» – ج. غ. بالارد

jgb_typing376

«سيرة ج. غ. ب. الذاتية» – قصة قصيرة

جيمس غراهَم بالارد (1930-2009)، روائي وقاص بريطاني

ترجمة: راضي النماصي

    أثناء مشيه ذات صباح، تفاجأ ب من رؤيته شيبرتون مقفرة. فقد دخل المطبخ في التاسعة تمامًا وهو منزعج لأن البريد والجريدة اليومية لم يوصلا بعد، وأن عطلًا كهربائيًا منعه من تحضير فطوره. أمضى ساعة محدقًا في الثلج الذائب يقطر من مجمّده، ثم ذهب إلى الباب المجاور كي يشتكي إلى جاره.

    وبشكل مفاجئ، كان بيت جاره خاليًا. كانت سيارته متوقفة في المدخل، لكن العائلة بأكملها – زوجًا وزوجة وأطفالًا وكلبًا – قد اختفت، والأغرب من ذلك أن الشارع قد مُلئ صمتًا لم يكسر بعد. ما من حركة مرور طول الطريق، ولا طائرة واحدة حلقت من فوق متجهة إلى مطار لندن. عبَر ب الطريق وطرق عدة أبواب. وعبْر النوافذ، كان يستطيع رؤية البيوت فارغة من الداخل. لا شيء في هذه الضاحية الهادئة كان شاذًا عن مكانه، ما خلا سكانها المختفين.

    عاد ب إلى المنزل وشغّل المذياع ظانًا أنه قد تكون هناك مصيبة فظيعة وشيكة الحدوث – إما كارثة نووية، أو موجة مفاجئة عقب حادث بحثي في مختبر – وأنه لصدفة تعيسة لم يُحذّر منها. فاشتغل الجهاز، لكن جميع محطاته كانت صامتة، من المحطات القارية حتى محطات المملكة المتحدة. عاد ب مرتبكًا إلى الشارع وحدّق في السماء الخالية. كانت هادئة بنهار يملؤه نور الشمس وقد قطعته عدة غيوم هادئة لم تمنح إشارة بخصوص كارثة طبيعية.

    أخذ ب سيارة وقادها إلى مركز شيبرتون. كانت القرية خالية، وما من سوق مفتوح؛ وثبت قطار في المحطة خاليًا دون أي من الركاب الذي يذهبون بشكل معتاد إلى لندن. ثم عبر ب التيمز مغادرًا شيبرتون إلى قرية وولتون القريبة، وقد وجد الشوارع هناك فارغة أيضًا. توقف عند المنزل الذي تملكه صديقته ﭖ، التي تركن سيارتها في مكانها. فتح الباب الأمامي مستخدمًا المفتاح الاحتياطي الذي يحمله ودخل المنزل. لكنه رأى أن ما من أثر للشابة برغم أنه ناداها؛ فلم تكن في سريرها. وفي المطبخ، شكل الثلج الذائب من المجمد بركة كبيرة على الأرضية. كما لم تكن هناك طاقة كهربائية، وكان الهاتف مقطوعًا.

   استكشف ب القرى المجاورة مكملًا رحلته وهو يجول فيها كلها حتى وصل إلى وسط لندن. ولم يتفاجأ من عثوره على مسرح ميتروبولس الضخم مقفرًا بالكامل. عبر ميدان بيكاديلي المهجور ثم ساحة ترافلغار بصمت وتوقف بسيارته خارج قصر باكنغهام الخالي من الخراس. وعند حلول الغسق، قرر العودة إلى شيبرتون. كاد الوقود أن ينتهي ولذا أجبر على الدخول نحو محطة تعبئة. لم يكن  هناك رجال شرطة في دورياتهم أو مخافرهم. ترك خلفه مدينة هائلة يلفها الظلام، حيث كانت الأضواء الوحيدة مصباحا سيارته الأماميين.

    أمضى ب ليلة مزعجة بمذياع صامت قرب سريره، لكن حين استيقظ في صباح مشرق عادت إليه ثقته. بعد شك مبدئي، ارتاح لرؤية شيبرتون وقد بقيت خالية. بدأ الطعام في ثلاجته يتعفن، واحتاج إلى منتجات جديدة وأغراض كي يطبخ لنفسه، فقاد إلى وسط شيبرتون وكسر أحد نوافذ السوبر ماركت وجمع عدة صناديق من اللحم المعلب والخضروات والأرز والسكر. وفي متجر الأدوات، وجد فرنًا يعمل بالبارافين، وأخذه مع صفيحة من الوقود. لم تعد المياه جارية في شبكات التمديد الرئيسية، لكنه قدّر أن الكمية بداخل الخزان في السطح تكفي لبقائه أسبوعًا أو يزيد، كما زودته اقتحامات أخرى للأسواق المحلية بمخزون من الشمع والمصابيح والبطاريات.

    في الأسبوع التالي، قام ب بعدة زيارات إلى لندن. عاد إلى بيوت وشقق أصدقائه، لكنه وجدها فارغة. اقتحم سكوتلانديارد ومكاتب الصحف في شارع فليت على أمل العثور على شرح لاختفاء السكان. وأخيرًا، دخل قاعات البرلمان ووقف في منطقة المناظرات بمجلس العموم متنفسًا هواءها المغبر، ولم يكن هناك شرح لآخر ما جرى. وفي شوارع المدينة، لم ير قطة واحدة أو كلبًا، بل فقط بعض الطيور حين زار حديقة الحيوانات، وبدت سعيدة برؤية ب، لكنها طارت بأصوات جائعة لما فتح الأقفاص.

    إذن، فقد حصل على رفقةٍ ما على الأقل. خلال الشهر التالي، وعبر الصيف، استمر ب في تحضيراته للنجاة. قاد سيارته إلى برمنغهام في أقصى الشمال دون رؤية مخلوق، ثم إلى الساحل الجنوبي من برايتون حتى دوفر، وحدق في ساحل فرنسا النائي أثناء وقوفه على الجُرُف. في الميناء، اختار قاربًا بمحرك وخزان مليء بالوقود وانطلق عابرًا البحر الهادئ الذي صار خاليًا من قوارب النزهة المعتادة وناقلات النفط والعبارات بين ضفتي القنال [الإنجليزي]. وفي كالاي، تجول لمدة ساعة في الشوارع المقفرة، واستمع بإنصات إلى هواتف لا ترن في الأسواق الصامتة، ثم أعاد تعقب خطاه إلى الميناء وعاد إلى إنجلترا.

    وحين أعقب الصيفَ خريفٌ هادئ، أنشأ ب منطقة مريحة ومرضية بالنسبة له، فقد كانت لديه أكوام من الطعام المعلب والوقود والمياه كي ينجو بها من الشتاء. وكان النهر بالقرب صافيًا وخاليًا من شتى أنواع التلوث، أما الوقود فصار سهل المنال بكميات لا حصر لها من محطات التعبئة والسيارات المتوقفة. وفي مخفر الشرطة المحلي، جمع ذخيرة صغيرة من المسدسات والبنادق الصغيرة للتعامل مع أي خطر مفاجئ قد يظهر.

    لكن ما كان له زائرون سوى الطيور، وقد نثر كميات من الرز والبذور في باحته وباحات جيرانه السابقين وقد شرع بنسيانها، فصارت شيبرتون مطارًا غير عادي ومملوءً بالطيور من كل نوع.

    وهكذا انتهت السنة بسلام، وصار ب جاهزًا للبدء بعمله الحقيقي.

Advertisements

«ترك» – باميلا بينتر

 41486617_1331769433621065_8022560345522438144_n

أقف على حافة غراند كانيون الجنوبية ريثما أصور جدرانًا صخرية جميلة متموجة تنتهي إلى أعماق مفزعة. لكن الآن وقت تسجيل الخروج تقريبًا في فندقي، وأريد أخذ حمامٍ بالمغطس واستخدام كل منظفاتهم، وهذه عادة كان يستهجنها زوجي السابق. حين يقترب زوجان شابان ويسألاني عما إذا كان بودي التقاط صورة لهما، أريد أن أقول بأنني.. لست مصورة المنتزه؛ وهذا الأمر يحدث معي في كل مكان – مرة في حديقة بوسطن قرب ضفاف نهر شارل. دائمًا عاشقان. – مع مثل هذين الزوجين ببنطاليهما القصيرين المليئين بالجيوب وحذائيهما المتينين من “كلاركس”. أترك كاميرتي الـ”نيكون” تتدلى من الشريط المزين بالخرز حول عنقي، وآخذ هاتفهما الذكي الباهظ متبعةً تعليماتهما. قال لي زوجي السابق مرة “لطالما كنتِ مستمعة جيدة، لكن عليكِ أن تتركي بعض الأشياء تمر في بعض الأحيان”. أصفّ الزوجين بخط مستقيم أمام الحافة الشمالية النائية وهي تتبدى على هيأة جدار برونزي مشع. أشير إليهم نحو اليمين قليلًا. ومثل توأمين ملتصقين بالردف، يتحركان ظانين أنني قد أكون مصوّرة جيدة. ثم أشير إليهما للخطو أمامي من أجل صورة أخرى. وبشكل غير متوقع، يجرجران خطاهما ثلاث خطوات إلى الخلف، ويختفيان مع أصوات خربشة وصرخات ضئيلة، ثم لا صوت إطلاقًا. أجول دائرةً ركضًا من أجل طلب المساعدة لكن ما من أحد على مد النظر. على اليدين والركبتين، أطل من وراء الحافة، لكنها تخفي الأرض بعيدًا في الأسفل. وكأنني أطمئن نفسي بأنهما كانا هنا ذات لحظة، أنظر إلى صورهما. ففي قصتين، هناك شابان متفائلان بابتسامات ضيقة العيون تحت شمس الصباح، ثم غبش. أقول لنفسي اهدئي. أضع الهاتف على مقعد خشبي من أجل أن يعثر عليه أحد. إنه الدليل الوحيد على أن ثلاثتنا كنّا هنا.

ترجمتي.

حول الكتابة، والإلهام، والرفض – كارلوس رويز زافون

بين فترة وأخرى، تقوم جريدة “ذي غارديان” البريطانية المرموقة باستقطاب كتاب مشاهير حول العالم عبر دردشة مباشرة على الانترنت مع العديد من المعجبين في ما يخص كتبهم وحياتهم. وفي يونيو 2012، قامت باستضافة الكاتب الإسباني الشهير كارلوس رويز زافون، وقد صدرت له بالعربية حتى الآن روايتان هما “ظل الريح” و”لعبة الملاك” بترجمة الكبير معاوية عبد المجيد.

أترككم مع الحوار، مع ملاحظة أنني قمت بمحاكاة أسلوب الدردشة قدر ما يمكن دون الإخلال بترابط الجملة السليم باللغة العربية.

قراءة ممتعة!

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

كل كتبك عن قوة القصص. أين تكمن الجاذبية في تأليف كتب عن… الكتب؟

لا أظن جازمًا أنني أكتب عن الكتب، بل عن الناس والقصص واللغة والأفكار. صحيح أن الكتب في رباعية “مقبرة الكتب المنسية” مرتبطة بعالم القراء والكتاب وبائعي الكتب والناشرين وجميع الناس في فلك الأدب، لكنها تحاول الخوض في ثيمات الأدب الكلاسيكية، فهي تطمح لأن تكون عن الحياة. والكتب والأدب، أو الحكي، ليسوا سوى جزءٍ منها.

هل “مقبرة الكتب المنسية” مستلهمة من مبنى واقعي في برشلونة؟
كم تطلب الوقت منك كي تكتب “ظل الريح” منذ الفكرة الأولى وحتى “المخطوط” النهائي؟
علاقة الأب والابن في هذا الكتاب مميزة، هل لديك علاقة حميمية مع أبيك؟

ليس كذلك. فقد راودتني فكرة المقبرة أثناء عيشي في لوس أنجلوس. وقد كان إلهام كبير مستنبطًا من مكتبة كتب مستعملة في لونغ بيتش بولاية كاليفورنيا، وتدعى “أيكرز أوف بوكس – فدانات من الكتب”. لا أعتبر “مقبرة الكتب المنسية” بالنسبة لي استعارة للكتب فقط، بل للأفكار والجمال والمعرفة بالنسبة للناس ولعالم العقل وللذاكرة.. ولكل الأشياء التي تجعلنا بشرًا وتضفي المعنى؛ والكتب، بطريقة ما، رمز لكل ذلك في القصة.

يتطلب مني الأمر عادة سنتين لتأليف كتاب من هذا النوع، ولا يعد الـ”ظل” استثناء.

علاقتي بأبي ليست كعلاقة دانيال في الـ”ظل”. صحيح أن بعض آفاقها مشابهة، لكن أبي شخص مختلف تمامًا عن أبي دانيال، وأنا أميل لكاراكس من دانيال فعليًا. C’est la vie. (بالفرنسية: هذه هي الحياة. (المترجم))

ما هو الفرق بين كتابة روايات اليافعين والبالغين؟ أو، هل ثمّت فرق بينها أصلًا؟ وأيهما تفضل ولماذا؟
واضح أن في “مقبرة الكتب المنسية” رسالة رثاء في ما يخص الكتب. ما موقفك في نقاش الكتب ضد الكتب الإلكترونية؟
لماذا تكتب بالإسبانية عوضًا عن الإنجليزية؟ هل تمنحك تلك اللغة شيئًا لا تقدر الإنجليزية عليه؟ وإن كان ذلك صحيحًا، فما هو ذلك الأمر؟

لا أعتقد أن عملية الكتابة مختلفة جدًا بين كتب اليافعين والبالغين. فأنا أحاول الكتابة للناس الذي يحبون القراءة، ولا أقلق كثيرًا تجاه أعمارهم. فالعمر بالنسبة لقارئ خاصية نسبية للغاية. أحب كتابة الكتب للقراء الذين يحبون الأدب واللغة والحكي… ولا أطلب منهم بطاقة هوية كي أتفقد أعمارهم. وأود الاعتقاد بأنني، بطريقة ما، أكتب للقراء بجميع الأعمار.

ليس لدي نقاش أو أطروحة بشأن الكتب ضد الكتب الإلكترونية. فالكتب كتب، وليست المنصة التي توَزَّع من خلالها. أي سيمفونية لموزارت هي الموسيقى، ليست القرص المدمج أو الشريط أو ملف MP3  أو FLAC. بل الموسيقى. والأدب نفس الشيء تمامًا بالنسبة إلي. فهو مرتبط بالعمل الفني، باللغة، بالإبداع.

أكتب بالإسبانية لأنني إسباني. فقد ولدت في برشلونة، والإسبانية والكتالانية لغتيَّ الأم. أعتقد أن على كاتب السرد القصصي محاولة الكتابة باللغة التي تعلم القراءة والكتابة عبرها.  لأن هناك أمرًا مهمًا للغابة بشأن تلك الرابطة ولن ترغب بالعبث به. كل اللغات تمنح شيئًا وتأخذ آخر. فاللغات الرومانية كالإسبانية والإيطالية والفرنسية والكاتالانية والبرتغالية تملك – فيما أظن – مدى هائلًا من الدهاء والتفاصيل، بينما توفر الإنجليزية – مثلًا – الترابط والدقة. وآمل فقط أن أصير طليقًا في كل لغاتي.

أذكر لنا بعض ما تستلهمه دومًا ككاتب؟

أستلهم الحياة وتجربتي الشخصية وذكرياتي وما أراه بداخلي ومن حولي.. كما أني ملهم بالأدب، وبالموسيقى والجمال بشكل عام. أنا مغرم بالجمال، والكافيين يقوم بعمل جيد.

ما هي مكتبتك المفضلة حول العالم؟
هل هناك إلهام من الحياة الواقعية لـ“مقبرة الكتب المنسية”، مثل مكتبة مهجورة أو غرفة قراءة صغيرة مجهولة؟
إن استطعت إنقاذ كتاب واحد، فماذا سيكون؟

أحب مكتبات عديدة، وأحدها تدعى “أتينيو برشلونة”، نادٍ أدبي بعمر قرن في منطقة القرية القديمة. لكن أعطني مكتبة وستجدني منحازًا لها.

إن استطعت انقاذ كتاب… مممممممم. أظن أن الإجابة الصائبة سياسيًا هي كتاب كلاسيكي أو كتاب رائع نحبة جمعًا. وبما أن هذا العالم كبير وشرير بلا قلب والرب يحب الأشرار، سأدع توأمي الشرير يختار، وسيختار إنقاذ كتابٍ لي، بقدر ما لا يستحق ذلك الكتاب كما يبدو. الكتاب مثل ذلك، مواطنون محزنون.

هل هناك نصيحة لمؤلف جديد؟
هل تستمع إلى الموسيقى حين تكتب؟
أهناك هواية يمكنك الاعتراف بها؟

اكتب واكتب واكتب، ثم أعد الكتابة حتى الموت. اعمل بجد. تعلم حرفتك. لا تستسلم. ثابر. لا تكن متكبرًا أو حسودًا أو كارهًا بغل. اعمل بجد لأجل أهدافك، واكتب من قلبك، لكن تأكد أن تلك الكتابة مرت بدماغك قبل أن تصل إلى أصابعك. هل ذكرت عدم الاستسلام؟

الموسيقى أكثر ما أقدره في العالم، لذا علي أن أكون حذرًا إذا ما كتبت أثناء الاستماع، لأن عقلي يتجول في موسيقى الجوقات وأي موسيقى ذات وتر خفيض.  صحيح أنني أقوم بالاستماع إلى الموسيقى في بعض الأحيان، لكن بطريقة منضبطة بعمق.

هوايات يمكن الاعتراف بها؟ عزف الموسيقى وكتابتها، ومشاهدة سيرورة العالم، ومطاردة الجمال والمعرفة والتبطل المطلق.

ما هو الكتاب الذي ألهمك حين كنت شابًا؟
هل هناك كتاب بعينهم قد ألهموك كي تصير كاتبًا بنفسك؟
ما هو مشروعك القادم؟

لا أستطيع الإشارة الى كتاب ألهمني بعينه. أقول أنها كانت كل الكتب، وعالم القراءة، والأدب والحكي بشكل مجمل. والأمر ينطبق بذاته تجاه الكتاب، فهناك ما لا يحصى منهم.

أعمل الآن على الكتاب الرابع والنهائي في “مقبرة الكتب المنسية”. تمنّ لي الحظ!

هل لديك روتين للكتابة؟
كيف تعمل مع مترجمي رواياتك؟ هل هناك تصرفات تحريرية في الإصدارات المترجمة من كتبك؟

أعمل في مكتبي/استديوهي ساعات طوال، بمعدل خمسة أيام في الأسبوع، وستة أو سعبة في بعض الأحيان. أعيد الكتابة بقدر ما أكتبه وباستمرار. أتجول حول الغرفة، وأحدث نفسي. أتحرك من طاولة الكتاب إلى بيانو أملكه في المكتب. ألعن معوقاتي. أشرب الكافيين بكثرة. أفكر بمشوار مهني تجاه الرسم على الجدران… بعدها أعيد الكتابة مرارًا، فأعمل لمدة أشهر على النهاية حتى يقترب ما أملكه بأكثر قدر ممكن إلى ما حددت فعله.

أعمل مع بعض مترجمي بقرب، وفي بعض الأحيان أقوم بعدة تصرفات تجاه الترجمات عبر إعادة كتابة بعض الأجزاء والتأكد أن ما ستقرؤونه قريب بقدر المستطاع إلى النسخة الأصل. وفي أحيان أخرى أتركهم كي يذودوا عن أنفسهم ولتفترسهم الوحوش. هكذا أعمل.

كمؤلف أدب يافعين شاب ذي ملف مليء برسائل رفض المخطوطات، كنت أتساءل عن عدد ما تلقيتَ منها قبل أن تصل إلى كل من الوكيل المهم وصفقة النشر، وهل أحسست بالهزيمة؟

نشرت كتابي الأول قبل أكثر من عشرين عامًا، لكن صحيح أن أعمالي قد رُفضت كثيرًا، وكل الكتاب يتلقون ذلك. فلا تكن منهزمًا منهم، وواصل العمل. أكمل التعلم ولا تستسلم أبدًا، فالكتاب يكتبون مهما حدث. وصحيح أنك تشعر بالهزيمة، لكن ليس إذا كنت كاتبًا، لأن الكتاب يكتبون، أما النشر فمسألة مختلفة. ابق قويًا، وكن صريحًا تجاه نفسك واعمل بجد، وسيعثر عليك العالم فيما بعد.

كيف ترى انتقالك إلى لوس أنجلوس؟ هل يوفر ذلك منظورًا آخر تجاه كتابتك؟

انتقلت إلى لوس أنجلوس في عام 1994، وعشت هناك لحوالي عشر سنوات. أظن أن مغادرة الموطن والذهاب إلى بلد آخر تعلمك الكثير، وليس أقل ما تعلمك عن نفسك. أرى أن ذلك كان أمرًا جيدًا قمت به. والآن أمضي وقتًا مساويًا في لوس أنجلوس بقدره في برشلونة أو حول أوروبا. وأنا متأكد من أن لوس أنجلوس قد منحتني منظورًا مختلفًا تجاه كتابتي، وذلك يتطور رغمًا عن أي شيء مع الوقت بغض النظر عن المكان على ما أعتقد. لربما غيرني العيش بها كإنسان بشكل عام، مما يعني تغيري ككاتب حتمًا. لكني الآن أتساءل عن مصيري لو بقيت في برشلونة أو انتقلت إلى طوكيو أو باريس… إنها أكوان مختلفة.

«متعة المشيب (بلا مزاح)»  – أوليفر ساكس

dsc0788-2-low-res

6 يوليو 2013

ترجمة: راضي النماصي

 

حلمتُ البارحة بالزئبق على هيئة قطرات هائلة تصعد وتهبط. الزئبق هو العنصر الثمانون <في الجدول الدوري>، وقد كان حلمي مجرد تذكيرٍ بأنني سأبلغ الثمانين يوم الثلاثاء.

لطالما اختلطت العناصر وأعياد الميلاد بالنسبة لي منذ الصبا، ففي الحادية عشر من عمري كنت أقول “أنا صوديوم” (الصوديوم هو العنصر 11)، والآن أنا ذهبٌ في التاسعة والسبعين. قبل بضع سنوات، حين أعطيت أحد الأصدقاء قنينة من الزئبق في عيد ميلاده الثمانين – وكانت قنينة مميزة بحيث لا تسرّب أو تتكسر –، رمقني بنظرة غريبة، لكنه أرسل رسالة ساحرة فيما بعد، وقد كتب فيها نكتة “آخذ قليلًا منها كل صباح لأجل صحتي”.

إنها ثمانون عامًا! أكاد لا أصدق ذلك. أحس أحسانًا أن الحياة تتعلق بابتداءها، ثم الإحساس بها قرب النهاية فقط. كانت أمي الطفلة السادسة عشر من ثمانية عشر ابنًا وابنة، وأنا كنت أصغر أبناءها الأربعة وأكاد أكون الأصغر بين أبناء الخؤولة الكثر من جهتها، كما كنت أصغر ولد في صفي خلال المرحلة الثانوية. وقد استعدت هذا الشعور بكوني الأصغر عمرًا، حتى وإن كنت أشيب من أعرف الآن.

ظننت أنني سأموت في الحادية والأربعين حين مررت بفصل خريفٍ سيء وكسرت أحد ساقي أثناء تسلق الجبال وحيدًا. ضمدت تلك الساق بأفضل ما يمكن ثم بدأت أدفع نفسي بحمق باستخدام ذراعيّ نحو أسفل الجبل. في الساعات التي تلت ذلك، ساورتني الذكريات بخيرها وشرها، وكان أغلبها مشوبًا بالامتنان تحديدًا لما منحني الآخرون، وكذلك لأني صرت قادرًا على منح شيء بالمقابل؛ فقد نُشِرَ كتاب «يقظات»[1] قبل ذلك بعام.

أشعر وأنا في الثمانين تقريبًا – مع قليل من الاعتلالات الطبية والجراحية دون أن تعيقني أي منها – بالسعادة لأني حي، حتى أن جملة من نوع “أنا سعيد لأنني لست ميتًا” تخرج عفويًا حين يكون الجو مثاليًا. (وهذا ما يناقض قصة سمعتها من صديق حين كان يتمشى مع سامويل بيكيت[2] في باريس خلال صباح ربيعي مثالي، فقال له “ألا يجعلك نهار كهذا سعيدًا لأنك حي؟” فأجابه بيكيت “لن أذهب بأحاسيسي بعيدًا إلى حيث تقول”). أنا ممتن لكوني خضت عدة تجارب – بعضها رائع والآخر فظيع – وقدرت على كتابة دزينة من الكتب، واستقبال رسائل بلا عدّ من أصدقاء وزملاء وقراء، والاستمتاع بما سمّاه ناثانيال هاوثورن “معاشرة العالم”.

وأنا نادم على أنني ضيعت (وما زلت أضيع) الكثير من الوقت، وعلى أنني ما زلت خجولًا بقدر ممض في الثمانين مثلما كنت في العشرين، وأنني لا أتحدث أي لغة أخرى سوى لغتي الأم، ولم أرتحل أو أجرب الانخراط بوسع في ثقافات أخرى بقدر ما كان عليّ ذلك.

أشعر بأن علي محاولة إتمام حياتي، مهما كان يعني “إتمام الحياة”. فبعض مرضاي ممن تخطوا التسعينات من أعمارهم ومن تعدى المئة يقولون ما يشبه صلاة سمعان في إنجيل لوقا[3] عبر جمل من نوع “لقد عشت حياة كاملة، والآن أنا مستعد للرحيل”. بالنسبة لبعضهم، ذلك يعني الرحيل إلى الجنة – ولطالما كانت ]الوجهة[ الجنة بدلًا عن الجحيم، رغم أن سامويل جونسون[4] وجيمس بوزويل[5] ارتجفا حين التفكير في الذهاب إلى الجحيم وغضبا من ديفيد هيوم[6] الذي عاش هانئًا بلا معتقدات كهذه؛ فأنا لا أؤمن بوجودٍ لما بعد الموت إلا في ذكريات الأصدقاء، وأمل بأن بعض كتبي ستبقى “ناطقة” للناس بعد مماتي.

غالبًا ما كان يحدثني و. هـ. أودن[7] عن ظنه أنه سيعيش إلى الثمانين ثم “يرحل” (وقد عاش حتى السابعة والستين فقط). وعلى الرغم من أنه مات منذ أربعين سنة، إلا أنني أحلم به كل فترة، وبوالديّ ومرضى قدامى قد ذهبوا كلهم، لكنهم ما زالوا محبوبين ومهمين في حياتي.

في الثمانين، يلوح طيف الجلطة أو الخرف، كما أن ثلث من يعرفهم المرء قد ماتوا – وغيرهم الكثير – إثر إصابة جسدية أو عقلية عميقة، ليحاصروا <بعد ذلك> في حيز مأساوي وضيق. كما تصبح أمارات الرحيل بيّنة للغاية، وانفعالات المرء أبطأ بقليل، والأسماء في الغالب أكثر تملصًا، وعلى طاقاته أن تصير مقتصَدة أكثر. لكن برغم ذلك، قد يحس المرء أحيانًا بأنه ممتلئ بالنشاط والحياة وليس “عجوزًا” بالمرة. لربما أكمل بالحظ سنوات أكثر – بحال سليمة أكثر أو أقل – وسأوهب حرية استمرار المحبة والعمل، أهم شيئين في الحياة، كما يصر <سيغموند> فرويد.

وحين يزف أجلي، أرجو أن أموت أثناء عملي كما فعل فرانسيس كريك[8]. فحين قيل له أن سرطان القولون عاد، رد على ذلك بصمت مطبق، فقد نظر ببساطة إلى المدى لمدة دقيقة ثم استمر بقطار أفكاره. ولما ضُغِطَ بسبب التشخيص عقب أسابيع، قال “ما كان لشيءٍ بداية إلا وله نهاية”. وحين مات في الثامنة والثمانين من عمره، كان ما يزال مندمجًا بالكامل في أقصى أعماله إبداعًا.

كان أبي – الذي عمّر حتى الرابعة والتسعين – يقول على الدوام إن الثمانينات كانت أحد أكثر عقود عمره متعة، إذ لم يشعر بضيق حياته العقلية وتصوراته، بل بتوسعها؛ مثلما بدأت أحس تجاه نفسي. فالمرء لا يخوض تجربة الحياة الطويلة عبر معيشته فقط، لكن مع حيوات الآخرين أيضًا. وقد رأى أفراحًا ومآسي، وانفجارات وعدة إعلانات إفلاس، وثورات وحروب، وإنجازات عظيمة وشكوكًا عميقة كذلك. كما شهد صعود نظريات كبرى حتى انهيارها بفعل حقائق لا تتزحزح، وصار أكثر وعيًا بسرعة زوال الأشياء وربما بالجمال أيضًا. في الثمانين، يمكن للمرء أن يتّخذ مطلًا عاليًا فيمتلك حسًا حيًا وأبهج بالتاريخ لم يقدر على امتلاكه في عمر أقل. أستطيع أن أتخيل ما يبدو عليه قرن من الزمان شاعرًا به في عظامي، وهذا ما لم أقدر عليه حين كان عمري 40 و60 عامًا. لا أفكر بالمشيب على أنه مرحلة أمر وتتطلب من المرء أن يتحملها بشكل ما ويجني أفضل ما بها، بل كمرحلة من الدعة والاستقلال، متحررًا من صدوف الأيام الأُوَل، وأيضًا لأجل استكشاف ما أود، ولربط أفكار ومشاعر حياة كاملة معًا.

أتطلع قدمًا لبلوغ الثمانين.

[1]  أحد أشهر كتب أوليفر ساكس. جمع فيه بين المذكرات والطب النفسي، وقد تحول إلى فيلم شهير من بطولة روبن ويليامز وروبرت دي نيرو.

[2]  كاتب إيرلندي (1906-1989)، وأحد أشهر أدباء العدمية في الأدب الأوروبي. أشهر مؤلفاته “في انتظار غودو”.

[3]  وردت كمصطلح واحد nunc dimittis ولم أستطع العثور على مقابل معجمي باللغة العربية. لكن المقصود هو صلاة سمعان الواردة في الآيات 29 إلى 32 من الإصحاح الثاني في إنجيل لوقا («الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، ** لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، ** الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. ** نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ».)

[4]  كاتب إنجليزي (1709-1784)، وأحد أهم رمز الأدب الإنجليزي.

[5]  محامي وكاتب سير ومؤرخ إنجليزي (1740-1795)، وكان صديقًا عزيزًا لدى سامويل جونسون وكتب سيرة حياته، التي تعد أحد أهم كتب الأدب باللغة الإنجليزية.

[6]  فيلسوف اسكتلندي (1711-1766).

[7]  شاعر إنجليزي أمريكي كبير (1907-1973)

[8]  باحث كيمياء حيوية بريطاني (1916-2004)

«طين» – جيفري فورسيث

من مجموعة «في أرض الأحرار» (2008)

ترجمة: راضي النماصي

وجدت جدتي هذا الصباح جالسةً قرب طاولة المطبخ. كانت ميّتة منذ حوالي خمس سنوات، لكن ها هي الآن تجلس في مقعد زوجتي القديم مغطّاة بالطين. كدت ألّا أتعرف عليها لأن الطين قد ملّس شعرها وغمّق لون بشرتها الشاحبة كما ألفناه. قالت أنه لم يكن من السهل حفر طريقها إلى خارج القبر وقد تطلب ذلك أغلب الليل، وهل سأقوم بعرض كأس من عصير الطماطم عليها – على الأقل –؟

قلتُ: ” لا أفهم. أأنتِ هنا؟”

  • “هل سأضطر إلى طلب ذلك العصير مرتين؟”

كان أكثر ما يكدر جدتي حين كانت حية هو اضطرارها لطلب أي شيء مرتين، فسكبت لها مقدارًا من العصير.

  • “جدتي، أكره أن أقول هذا، لكن اليوم ليس يومًا مناسبًا. فعلي أن أكون في المكتب مبكرًا لاجتماع، أي في الثامنة تمامًا. فالناس هناك يعتمدون علي.”

حدقت فيّ كما لو أن ربطة العنق التي أرتديها سيئة كليًا.

  • “عليّ التزامات ومسؤوليات لا أستطيع التنصّل منها. إنه يوم مهم، ويحتاجونني هناك.”

ثم كانت تلك اللحظة التي سمعت فيها صوت التلفزيون في الصالة. فسألت:

  • “من الذي يشاهد التلفاز؟”
  • “أبوك.”
  • “هل هو هنا أيضًا؟”، ثم خرجت إلى الصالة ووجدته جالسًا على الأريكة وقد غمر الطين وجهه وذراعيه وشعره بالكامل.
  • “أبي؟ ماذا تفعل هنا؟”
  • “أهناك طريقة ما لتحية أبيك؟”، ثم التفت إلى جدتي وقال: “لم يرني منذ سبعة أعوام، وهكذا يحييني؟”
  • “إنك تغطي جهاز التحكم الخاص به بالطين يا عزيزي.”

حدق تجاه أمه ونظر إلى الأعلى تبرمًا.

  • “اعذرني يا أبي، لكن المفروض أنك ميت.”

أعطاني جهاز التحكم الخاص بي والطين فوق كل أزراره. أخذته بعيدًا عن بذلتي لئلّا أتسخ. فقال:

  • “لا شيء في التلفاز للمشاهدة.”

حين كان أبي حيًا، كان يحب مشاهدة التلفزيون. كان يشاهده لساعتين قبل أن يذهب إلى عمله في شركة الهاتف، ثم خمس ساعات حين يعود إلى المنزل؛ وكان برنامجه المفضل هو ” All In The Family “، كان يحب ذلك البرنامج جدًا. وقد أصابتني رؤيته هناك أمام التلفاز منكفئًا ويداه مرتخيتان مبسوطتان على بطنه بأمضى ما يمكن.

قلت لأبي: “أريد أن أعانقك، لكن لدي اجتماع وعليّ الوصول إليه. لا أستطيع التأخر.”

فردّ: “تبدو أنيقًا يا صبي.”. أنستني الطريقة التي قال بها “صبي” العمل لوهلة، فقد نسيت تلك الكلمة. ثم أكمل: “فعلًا يا صبي، تبدو وكأنك من أصحاب الملايين.”

  • “أتظن ذلك؟”

أومأ كل منهما بالإيجاب.

  • “كنت سأعانقكما يا جماعة، لكن لا أريد توسيخ سترتي كما تعلمان..؟”

قالت جدتي: “لا تنشغل بشأن ذلك.”

  • “أنا منشغل بذلك. فلم أعانقك مودعًا من قبل يا جَدة.”
  • “لقد كنت في كليفلاند.”
  • “وإن يكن، أتمنى لو أني ودعتك وداعًا لائقًا.”
  • “لا بأس.”
  • “لا، ليس كذلك.”

ثم مددت ذراعيّ ومشيت نحوها، لكنها تراجعت فورًا. فقال أبي:

  • “من الأفضل ألّا تفعل يا صبي؛ ستتسخ.”
  • “لا أهتم.”

التفت نحوه وحاولت أن أرتمي بذراعيّ حول عنقه الطيني، لكنه تراجع عني أيضًا وقال:

  • “لديك يوم مهم أمامك، يوم مهم حقًا.”

رن الهاتف. كان المتصل مديري ويذكرني بألّا أنسى التقارير. بدا صوته متوترًا. سألته إذا كان علي جلب أي شيء غير التقارير، فرد أن علي تحضير رأيي السديد وحدسي ومزاجي المناسب ثم أقفل السماعة.

بينما كنت على الهاتف، انتقل أبي وجدتي إلى الأريكة تاركيم أثرًا من الطين على كل السجادة والأثاث. وقد أضناني النظر إليه وهو يتكوم عند قدميهما.

قلت: “لا أستطيع فعل ذلك، ليس الآن.”، ولم أعرف ما الذي لا أستطيع فعله. فردّ أبي:

  • “بلى تستطيع، تقدر على فعل ذلك.”

رفع ذراعه وكأنه يقصد أن يحييني بكفّه، لكنه تذكر الطين حينها وطوى ذراعه عند خصره.

جمعت كل التقارير التي كانت متراكمة على طاولة غرفة الطعام ووضعتها بأناقة في شنطتي ثم أغلقتها بإحكام، وخاطبتهما مناديًا:

“أنا آسف للغاية، إذ عليَّ المغادرة. أتمنى لو أنني لست مضطرًا. لكن يجب الذهاب الآن.”

ردت جدتي: “نحن نتفهم ذلك، لا تقلق يا عزيزي.”

  • “لا أستطيع التوقف عن ذلك. إني أقلق دائمًا. دائمًا. دائمًا.”

ظهر صوت جديد من غرفة المطالعة: “خذ نفسًا عميقًا.”

وكانت زوجتي. ماتت قبل عامين بسبب السرطان، لكنّي سمعت صوتها الآن من غرفة المطالعة، فتجمدت، ثم وضعت حقيبتي على صدري ضامًّا ذراعي حولها.

قلت: “عزيزتي، هل هذا أنتِ؟”

ردت: ” بكل تأكيد.”

  • “لا أعلم كيف أقول لك ذلك، لكن علي أن أغادر.”
  • “أعلم ذلك، فلديك يوم مهم.”

حظيت اللحظة التالية بصمت ثقيل.

قلت أخيرًا: “لن آتي عندك إلى هناك.”

قالت: “أعلم.”

ضاق صدري. أردت أن أركض إلى غرفة المطالعة وأرتمي بذراعي حولها وأقبل فمها وأخبرها عن قدر ما لم أتحمله جراء غيابها، لكني تأكدت من أنني إذا ذهبت هناك فستكون مغطاة بالطين أيضًا وكانت لدي حياتي لأفكر بها، تلك الحياة التي كانت ستبدأ في أي دقيقة بدوني.

عدت إلى الصالة ووقفت أمام أبي الميت وجدتي بينما لا تزال الحقيبة مضمومة إلى صدري، فصارت مثل تلك الوسائد المربعة التي يمكن استخدامها أيضًا كوسيلة طفو. وعلى الرغم من أني ما زلت واقفًا، إلا أنني شعرت بأن رجلاي تهتزان. قلت:

  • “أروني طريق الخروج من هنا.”

قام أبي واقترب إلى ما دون إنشات مني متأكدًا ألا يلمس طينه أكمام معطفي، ثم مال بأنفاسه ذات رائحة الأرض الندية وقال: “أعتذر لأننا أحضرناها هنا، فلم يكن من المفترض أن تقول أي شيء. كان هذا الاتفاق. كان عليها أن تستمع ولا تقول شيئًا.”

رددت قائلًا: “لا بأس. أنا سعيد لأنها أتت. أكره الخروج هكذا فقط.”

فأومأ وقال: “اتبعني.”

تبعته إلى الباب الأمامي منحنيًا حذر الطين كي لا أتسخ. فقد استعملت الليلة الماضية نصف علبة من مسحوق “كيوي” الأسود على حذائيّ بعد إنهاء آخر تقاريري، ولمعتهما حتى خلت أنني أستطيع رؤية نفسي في الجلد.  لا أعلم لماذا حدث ذلك، ولكن فكرة استعمال خردة سوداء على حذائيّ ليبدو أفضل قد ضايقتني. فقد جعلتني أفكر: هل ينظف أي شيء فعلًا؟

فتح أبي الباب. لا بد أن هناك كِسَرَ ميكا في الطين، لأن ساقيه لمعتا ما إن دخل شعاع الشمس الغرفة. فكرت للحظة أنه بوقوفه هناك محاطًا بالباب قد قصد منه أن يستخدم جسده ليمنعني من الذهاب إلى الخارج حيث سمعت الطيور والسيارات العابرة وصوت مطرقة ما كل عدة ثواني وهي تتردد في جوف مرأب أحدهم الفارغ، لكنه تنحى في تلك اللحظة جانبًا؛ ونظرت إلى الخلف باتجاه غرفة المطالعة متسائلًا عمّا إذا كان عليّ الذهاب هناك، إذا ما كنت حكيمًا بالذهاب هناك في أهم يوم بحياتي. أصخيت السمع تجاهها لكن كل ما سمعته هو صمتها، وقد وهبني أشد صداع وكأن شخصًا ما يطرق مسمارًا في مؤخرة رأسي. كنت سأذهب إليها إذا ما تكلمت مرة أخرى، لكن من حسن حظي – على ما أعتقد – أنها لم تفعل، وما سمعته بدلًا عنها هو مطرقة جاري وهي تدعوني للخروج.

 

geoffreyforsyth-250x324

حوار مع موقع ألترا صوت

عنوان المادة الأصلي: “حوار مع ثلاثة مترجمين.. في ضباب الترجمة ويأسها”، وهي موجودة في هذا الرابط بمشاركة كلٍ من جولان حاجي، رشيد بوطيب، راضي النماصي

نسخت الجزء الخاص بمداخلتي في الأسفل، وذلك بعد الإذن من موقع “ألترا صوت”. قراءة ممتعة.

—-

لم يقتصر دور الترجمة يومًا على ردم الهوّة التي تحدثها اللغة بين البشر، وتمكينهم من التواصل والتلاقي فقط. ذلك أنّها شكّلت ركيزةً أساسية في تطوير اللغة نفسها، ونقل المعرفة من ثقافة إلى أخرى، ومن مجتمع إلى آخر. هذا من الناحية الإيجابيّة، ولكن ماذا نعرف عن واقع الترجمة وما يمرّ به المترجمون؟ في هذا المقال، سنعرض تجارب 3 مترجمين لنتعرّف على ذلك.

يرى المترجم السعوديّ راضي النماصي أنّ واقع الترجمة من ناحية تعدد المواضيع، وإن كانت أغلبها أدبيّة، لا يزال بخير. مُشيرًا إلى أنّ التطوّر التقني الذي أتاح الكتب بصيغة إلكترونية كان له دور كبير في عملية الترجمة. ناهيك عن المنح التي تقدّمها ملحقيات بعض الدول للمترجمين، والتي من شأنها أن تخفف الأعباء المادّية على الناشر، وتشجيعه على المضي قدمًا في إصدار الكتب المترجمة. ويقول راضي النماصي إنَّ السبب وراء تراكم الترجمات “المشوّهة” هو المترجمون الذين لا يأخذون الترجمة على محمل الجد.

أمّا في ما يخصّ المعوِّقات التي تواجه المترجمين، يقول راضي النماصي، وهو صاحب “داخل المكتبة.. خارج العالم” أنّها تكمن في الدعم المادّي، ذلك أنّه لم يصل إلى ما هو متأمل منه، وهذا ما يجعل المترجمين يتّجهون عادةً في الترجمة إلى مجالاتٍ أخرى. ناهيك عن معوّق آخر لا يقلّ أهمية عن الأوّل، يتمثّل في نقص الدعم المعرفي، الذي يتلخّص في تبادل الخبرات والتجارب الجديدة”.

ويضيف راضي النماصي في حديثه حول دور الصحافة والإعلام في دعم عملية الترجمة: “لا أرى أنّه دور فعّال، مع احترامي لجهود القليل منهم. فإذا لم يكن هناك صحافي من أصدقائك في مواقع التواصل الاجتماعي، ويرى ما تنشره، لن تحدث غالبًا أي تغطية لصدور الكتاب في الصحف. كما أنّه لن يبحث عن الجديد في معارض الكتب وتقديمه. ذلك لأن لا أحد يتهم بالقراءة كما في السابق. ناهيك عن أنّ دور النشر لم تعد حريصةً على إرسال جديدها أوّلًا بأوّل إلى مكاتب الصحف والمجلّات نظرًا لاتكائها على التسويق الرقمي الذي تستطيع إدارته بنفسها”.

عند سؤالنا لهُ عن أسباب الطفرة الكمية في الترجمات عربيًا، أكّد راضي النماصي لـ”ألترا صوت” أن أغلب الموجود في هذه الطفرة هي ترجمات بصيغة إلكترونية، سواء كانت بشكل مدونة فردية أو جماعية. ويرجع راضي النماصي هذه الطفرة إلى استجابة البعض لموجة/موضة إصدار الكتب في الوطن العربي منذ 2012. ولكن من جهة أخرى، يرى الكاتب أنّ ذلك، في ظلّ هجوم القرّاء على ما صدر من كتب في ذلك الحين، قد يكون مدفوعًا بتراكم ثقافي جاد هدفه الإبداع وتوفير مصادر غير متاحة باللغة العربية. يقول راضي النماصي: “كل ما آمله في هذه اللحظة هو أن تتحسن الأمور معرفيًا وثقافيًا بقدر ما هي آخذة بالتحسن ماليًا”.

شياطيني – برايَن دويل

«شياطيني»

برايَن دويل – ترجمة: راضي النماصي

     ذات مرة حين كنت في السابعة من عمري، وضعت خالتي يديها عليّ وحاولت طرد شياطيني. لم أكن واعيًا بأن فيّ شياطينَ وقلت ذلك، بتردد، بما أنها كانت امرأة حازمة. فقالت: من المؤكد أن فيك شياطين، وقد بدأت بالتجلي الآن. لم أفهم ما معنى تجلي ولم أقل ذلك أيضًا. حركت يديها من رأسي إلى كتفيّ وصدري ثم عادت إلى رأسي مرة أخرى. أردت أن أسأل عن مكان عيش الشياطين وكم عددها وما شكلها وعمّا إذا كانت تعرف إبليس شخصيًا وهل كان مجرّد صالحٍ شطحَ ذات مرة أو غير ذلك، لكنها كانت منغمسة وعيناها مغلقتان ولم تكن امرأة تُقاطع أثناء عملها.

     فتحت عينيها بعد مدة، وسألتها إذا ما رحلت الشياطين، فقالت: سنرى ذلك، سنرى ذلك. حتى في تلك اللحظة كنت أعلم أنه إذا قال أحدٌ ما جملةً مرتين فهذا يعني أنه غير متأكد منها. وكنت أتعلم عدة مرات أن ما يعنيه الناس لا يطابق ما يقولونه أبدًا. فكلمة ربما تعني لا، وسيعطينا الرب تعني أن الرب لم يعطِ بعد، وخذ راحتك تعني أسرع. كان من الصعب تعلم جميع كل اللغات التي يتحدث بها في منزلنا. إذ كانت هناك اللغة الأمريكية اللينة التي نتحدث بها جميعًا؛ وهناك اللغة الآيرلندية النهرية المتلوّية التي يتحدثها كبار السن إذا ما غضبوا؛ وهناك لغة النساء الباردة مثلما ينطق جاك سبارو، التي كانت تتحدثها أمي وجدتي وخالتي وبقية نساء الحي؛ وهناك أيضًا لغة المزاح الخليعة التي يتحدث بها الآباء الآخرون مع أبي حين يأتون إلى حفلة شُرب. كما أن هناك اللهجات التي يتحدث شخص واحد بها فقط، مثل أختي التي كانت تتحدث بلغة فاترة متعجرفة مثل مواء قططها، أو أصغر إخوتي، تومي، الذي كان ينطق بكلمة “تومي” ولا يفهمها إلا هو وأختي. كانت تترجم ما يقوله غالبًا، وكان يتحدث على ما يبدو في أغلب الأحيان عن الجبنة وأقلام التلوين.

     ظللت أتجول بقية اليوم وأنا أشعر بأني ممتلئ بالشياطين، بالإضافة إلى غثيان طفيف جراء ذلك. خمّنت بأنه لا بد من أنهم يعيشون في معدتي أو رئتيّ، لأنها كانت الأماكن الوحيدة بداخلي التي يوجد بها الهواء. سألت أكبر إخوتي عما إذا كانت الشياطين تحتاج الهواء مثل الناس، فقام بإشارة بيده تعني اذهب بعيدًا الآن. كانت إشارات اليد لغة أخرى في عائلتنا، وكانت أمي أفصح المتحدثين بها. فإذا قلبت يدها مرة واحدة فهي تعني اذهب واجلب سجائري، وإذا قلبتها إلى الجهة الأخرى فهي تعني أن ما قلته للتو سخيف إلى درجة أنني لن أهتم بتوضيح غبائك. وما زالت هناك إشارات أخرى تعني لا يهم، أو سيظل الحال هكذا لألف عام، أو خذ أصغر إخوتك معك ولا تحاول أن تدفعني للحديث معك بشكل سيء عن ذلك.

     انتظرتُ حتى وقت النوم كي أسأل أمي عن شياطيني. كانتْ ستقوم بإشارة اليد التي تعني سنتحدث عن ذلك في وقت آخر لولا أنها رأت وجهي القلق، فتوقفت وجلستْ ثم تحدثتُ إليها عن خالتي ووضع اليدين. نطقت أمي بأصوات غير مفهومة في حنجرتها ثم تكلمت عن أختها كما لو كانت شجرة نفحصها من عدة زوايا. قالت أن أختها الحبيبة امرأة تقيّة بشكل رائع ولم تنوي إلا خيرًا ولها قلب أطيب من أي أحد أقابله، وأنها كانت أنبه إلى ظهور الشياطين أكثر من أي شخص عرفته أمي، وأن عليّ تقدير إيمانها العميق – فعلينا جميعًا أن نكون ملتزمين ومكرسين وشغوفين كما كانت –؛ لكن الحقيقة هي أننا لم ملتزمين بذات قدر خالتي بالمسؤوليات الأبعد، مثل وضع الأيدي لطرد الشياطين. سألت: هل لديك أدنى فكرة عمّا أقول لك؟ قلت بتردد أنه ليست لدي فكرة، لأني لم أرد منها أن تتوقف عن التحديث بجمال وبأسلوب مسلٍّ هكذا، فوضعت يدها على جبهتي وقالت أنها تحبني وأن الآن موعد السرير، فمن الأفضل أن أقفز إليه، وهذا ما فعلتُه. وبينما تغادر، قامتْ بإشارة بيدها تعني إن لم تفرّش أسنانك وحاولت أن تتظاهر بأنك فعلت، سأعلم أنك تكذب ولن ينتهي الأمر على خير ثم ضحكتْ، فضحكتُ، وفرّشت أسناني.

BRIAN DOYLE