الزِّبابات – خوان بونيا

خوان بونيا (1966-الآن)، كاتب إسباني.
ترجمة: راضي النماصي

juan-bonilla-10

رن الهاتف في الثالثة صباحًا. سألني صوت خشن بهدوء عمّا إذا كنت مستيقظًا فسألته: “من يتحدث؟”. مضت على ذلك ثلاث ليال متوالية ولم أستطع النوم منذ ذلك الحين. أنتظر الهاتف ليرن مجددَا في منتصف الليل وشخصًا ما على الخط كي يتحدث. أخبرني أنه قد اتصل لأنه لم يستطع النوم. لم يقدر على النوم منذ ستة أشهر، ولم يحاول. النوم ليس مما لا غنى عنه، فعلى الأقل وُجد كي لا نشعر بالسأم، والمرء يغدو سئمًا للغاية بينما تمضي الليالي دون أن يتحدث لأحد. هذا ما أخبرني به، لذا خطر بباله أن يتصل بأحد. وعبر الأسابيع القليلة الماضية كان يستمر بفعل ذلك، ويُمضي لياليه بينما يتحدث مع أناس مجهولين، فيتصل بهم ويوقظهم. رد العديد بشكل سيء وأقفلوا السماعة بعد أن شتموه، فيما سايره آخرون بصبر كما لو أنهم يستمعون إلى برنامج متأخر في الإذاعة. كان يفتح دليل الهاتف على أي صفحة ليختار من يتصل عليه ومن ثم يحدّد رقم الهاتف الذي يَحِطُّ عليه اصبعه. ولاحقًا، بعد أن يتحدث مع الطرف الآخر المجهول، يشطب الاسم، أو يبقيه في حال كان ذاك الآخر منفتحًا، كي لا يمنع احتمال العثور عليه مجددًا. زار طبيبًا في البداية كي يعرف سبب عدم نومه، واستمر إلى أن أدرك أن الطبيب قد حاول أن يغير الموضوع ويحيل علاجه إلى الطب النفسي، فغادر الرجل، إذ لم يكن موسوسًا، بل كان هنالك الكثير جدًا من الوقت بين يديه، وهذا كل ما في الأمر، أي وقتٌ أكثر مما استطاع شَغله. قرأ، استمع للموسيقى، شاهد التلفاز، ومع ذلك كان لديه العديد من الساعات كي يخطط لشغلها بمكالمات ليلية؛ بمعدل ثماني مكالمات كل يوم لـ 365 يومًا لنحو كذا وخمسين سنة، مثلًا. خمنت أن ذلك العدد يقترب من عمره. نسب إليّ أيضًا فكرة لا أعلم ماهيتها حول تشكيل فرقة من المصابين بالأرق، بمعنى أنها مجموعة أناس أرِقُون يأخذون على عاتقهم حماية المدينة عبر البقاء مستيقظين باستخدام المكالمات الهاتفية. قال لي: “إن النوم أمر رجعي”، فالعالم مستمر بالدوران ويخضع لمن لا ينام، وهنالك أشياء يجب العراك بها برفقة أسلحتهم الخاصة، أما اسم الفرقة فسيكون الزِّبابات. سألته عن السبب فقال أن الزبابات هي الحيوانات الوحيدة التي لا تنام، فلم يكن النوم هبة لها؛ ثم استبدل كلمة “هبة” لاحقًا بـ”عيب”. وعلاوة على ذلك، فإن الإصابة الوحيدة التي يصاب بها الأَرِقُون مثله هي الوحيدة التي يمكن رؤيتها تحديدًا لدى الزبابات، ألا وهي القابلية لفقد ذواتهم مقابل أي وعي بنجاح ما يحدث، أي نقل ذواتهم إلى نقطة غير محددة يصير إدراك الوقت بها منعدمًا، فيموت لفترة نستعيد بعدها إحساسنا بوعينا حين عُلّق أول مرة إلى أن عاد، وبعدها نرجع عبيدًا للتعرق. صار ذلك الشخص مغرمًا بالحديث مع المجهولين عبر الهاتف لدرجة أنه قد يجسر على تجربة ذلك مع بلدان يكون وقتها ليلًا حين يكون هنا نهارًا، لأن الأمر لم يكن مجرد ثرثرة، بل كانت حقيقة إيقاظ أحدهم – في الواقع – تعد تحريرًا له من قيود أحلامه. أخبرني أن بإمكان دراجة آلية منفلتة إيقاظ 150 ألف نسمة ما لم يوقفها أحد، وكان ذلك أحد المشاريع التي خطط لها فريق الزبابات الأَرِقة، فأخبرته بأنها تبدو لي فكرة جيدة. لا أعلم كم أمضينا ونحن نستمر بالحديث. لكن في النهاية، طلبت منه أن يشطب اسمي من دليل الهاتف، وذلك على أمل ألّا يختارني اصبعه كفرد جديد إن لم يكن لديه مانع؛ وقد قبل ذلك بكرم. حين أغلق الهاتف لم أستطع النوم. جلبت دليل الهاتف وفتحته عشوائيًا ثم اتصلت بأحد الأرقام. في البدء، لم أستطع نزع فكرة أنه قد يكون نفس الرجل الذي اتصل بي من بالي، لذا وضعت السماعة أرضًا، ثم أعدت التجربة رغم ذلك. أيقظت هذه المرة أحدًا، وكان امرأة. لم أجرؤ على قول شيء وأغلقتُ السماعة حين ألحتْ بالسؤال عمن يتصل. لا أعلم ما حدث. لم أستطع النوم منذ حينها. ولم أكن منزعجًا من عجزي عن بلوغ قدر معين من الإعياء، لولا أنه لم يكن فقط لأجل ظل السأم الذي يغمرني برذاذه. قرأت، استمعت للموسيقى، وشاهدت التلفاز، لكن ما زالت هناك عدة ساعات حتى تجلو الشمس الظلام من السماء بشكل كامل. أعلم أن الهاتف سيرن مجددًا في أي لحظة، وسيكون المتصل هو نفس الرجل الذي خاطبته، ومن سأقول له: “نعم، أريد أن أكوِّن كتيبة من الزبابات”؛ وسأبدأ بإيقاظ بعض البشر المجهولين كي أقول لهم: “العالم مستمر بالدوران. استيقظوا! لا تناموا!”.

————–

* جمع زِبابة (بكسر الزاي)، نوع من الحيوانات يشبه الفئران.

 

‎سكين التقشير – مايكل أوبنهايمر

18402967_999608430170502_5907187551568479455_n

‎وجدت سكين تقشير تحت الثلاجة بينما كنت أنظف البيت مع حبيبتي. كانت سكين تقشير صغيرة فقدناها منذ عدة سنوات ونسيناها إثر ذلك. أريت السكين لحبيبتي فقالت “أوه، أين وجدتها؟”، وبعدما أخبرتها وضعت السكين على الطاولة ثم ذهبت إلى الغرفة الأخرى لتكمل تنظيفها. بينما كنت أنتهي من تنظيف المطبخ تذكرت أمرًا حدث قبل أربع سنوات ويفسر سبب وجود السكين تحت الثلاجة.

‎كنا وقتها قد تناولنا عشاءً كبيرًا وشربنا عدة كؤوس من النبيذ. أطفأنا جميع المصابيح وخلعنا ملابسنا ثم ذهبنا إلى السرير وخلنا أننا سنمارس الحب، لكن حدث أمر ما وتجادلنا بينما كنا نتضاجع، ولم يحدث ذلك من قبل. صرنا غاضبين للغاية، وقلت كلمات مؤذية جدًا لحبيبتي. حاولت أن تركلني في السرير فنهضت وذهبتُ إلى المطبخ. كنت أتحسس مكان الكرسي وجلست. أردت أن أريح ذراعيّ على الطاولة ثم أضع رأسي عليهما، لكني أحسست بالأطباق المتسخة وهي تعترض مكان يدي، فاستشظت غضبًا وسحبت كل ما في الطاولة على الأرض. كان الضجيج عاليًا لكن المكان صار هادئًا للغاية. فغمرني حزن مفاجئ وظننت أني أتلفت كل شيء. شرعتُ بالبكاء. أتتْ حبيبتي إلى المطبخ وسألت عمّا إذا كنتُ بخير. أجبتها بـ”نعم” ثم أدرت المصابيح ونظرنا إلى أرضية المطبخ. لم ينكسر الكثير لكن الأرض كانت متسخة للغاية. ضحكنا وعدنا إلى السرير ومارسنا الحب. في الصباح نظفنا الفوضى، لكن من الواضح أننا قد نسينا السكين.

‎كنت على وشك أن أسأل حبيبتي حول ما إذا كانت تتذكر تلك الحادثة حين أتت من الغرفة الأخرى وأخذت السكين من الطاولة ورمتها تحت الثلاجة دون أن تنطق بكلمة.

ترجمة: راضي النماصي

أصدقاء – لوسيا برلين

أصدقاء، لوسيا برلين (1936 – 2004)

ترجمة: راضي النماصي

من مجموعة «دليل لعاملات التنظيف: قصص مختارة» والحائزة على ميدالية كاليفورنيا الذهبية للنثر القصصي 2015.

t-lucia-berlin-death-dave-cullen

      قابلتْ لوريتّا كلًا من آنّا وسام في اليوم الذي أنقذت به حياة سام.

      كان كل من آنّا وسام مسنّين، هي في الثمانين من العمر وهو في التاسعة والثمانين؛ وكانت لوريتا ترى آنّا من حين لآخر حين تذهب للسباحة في حوض جارتهما إيلَين. وقفت ذات يوم بالقرب من المرأتين وهما يقنعان ذلك العجوز كي يسبح، وقد فعل ذلك، في النهاية، بطريقة تشبه الكلاب وبتكشيرة على وجهه إثر نوبة صرع انتابته، بينما الأخريات على سطح الجهة المقابلة ولم يلاحظْنَ ذلك، فقفزت لوريتا بملابسها وسحبته إلى سلم المسبح ومنه إلى الخارج. لم يحتج إلى إنعاش لكنه كان حائرًا ومرعوبًا، تناول مما لديه من بعض الأدوية التي يأخذها لأجل الصرع وساعدوه ليتجفف ويلبس بعد ذلك. جلسوا كلهم لفترة حتى تأكدوا أنه بخير ويستطيع المشي إلى بيتهما.. هناك على آخر الناصية. واصلت آنّا مع سام شكر لوريتا لإنقاذ حياته، وأصرا أن تأتي إلى الغداء في اليوم التالي.

      تصادف أنها لن تعمل خلال الأيام المقبلة، فقد أخذت إجازة بدون راتب لثلاثة أيام لأن هناك العديد من الأمور التي يجب أن تقوم بها. كان الغداء معهم يعني العودة من المدينة إلى بيركلي على طول الطريق، وأن كل شيء لن ينتهي خلال يوم واحد.. كما خططت مسبقًا.

      غالبًا ما شعرت بعجزها في مواقف كهذه، من تلك التي تجعلك تحدث نفسك بأشياء من نوع “يا ربي، هذا أهون شيء أقدر عليه، إنهم لطفاء للغاية” وما لم تقم بذلك شعرت بالذنب وإن قمت بذلك تحس بأنك ضعيف الشخصية.

      نزعت عن نفسها ذلك المزاج السيئ في اللحظة التي دخلت شقتهما. إذ كانت مشمسة ومفتوحة مثل بيت في المكسيك حيث عاشا معظم حياتهما هناك. كانت آنّا عالمة آثار وسام مهندسًا، وقد عملًا سويًا في تيوتيهواكان ومواقع أخرى، مما ملأ شقتهما بالخزف الفاخر والصور لتشكّل مكتبةً رائعة. في الأسفل حيث الباحة توجد حديقة خضار كبيرة وعدة أشجار فواكه وعناقيد توت. ودهشت لوريتا أن هذا الثنائي الهش والأشبه بزوج عصافير فعلا بكل ذلك وحدهما، لأنهما يستعينان بالعصا ويمشيان بصعوبة شديدة.

      كان الغداء عبارة عن شطائر جبن محمصة وحساء جايوت وسلطة من خضار الحديقة. قامت آنّا وسام بتجهيزه مع بعضهما وأعدا الطاولة وقدما الغداء كليهما أيضًا.

      لقد قاما بكل شيء معًا طوال خمسين عامًا، وكان أحدهما بمثابة صدىً للآخر أو يقوم بإكمال الجملة التي بدأها مثل التوائم. مر العشاء ببهجة بينما يخبرانها، بمكبر صوت، عن بعض تجارب العمل في الهرم بالمكسيك وعن شيء من الاكتشافات التي عملا بها. كانت لوريتا مندهشة بهذين العجوزين وبحبها المشترك للموسيقى والاعتناء بالحدائق وبمرحهما تجاه بعضهما، وكانت مذهولة من مقدار انخراطهما في الأنشطة المحلية والوطنية، وبذهابهما إلى المسيرات والمظاهرات وبمراسلاتهما لرجال مجلس الشيوخ ورؤساء التحرير وكيف يجريان المكالمات الهاتفية. إنهما يقرآن ثلاث أو أربع أوراق بحثية كل نهار، وفي الليل يقرآن الروايات أو كتب التاريخ لبعضهما.

      بينما كان سام يخلي الطاولة بيدين مرتجفتين، قالت لوريتا لآنّا عن كونها محسودة على رفيق بهذا القرب طوال العمر، فقالت آنّا: “نعم، لكن قريبًا سيرحل أحدنا..”

      كانت لوريتا لتتذكر هذه الجملة بقدر أكبر لاحقًا وتتساءل عما إذا كانت آنّا قد صادقتها كبوليصة تأمين حياة حين يموت أحدهما. لكنها حدثت نفسها نافية: “لا. الأمر أبسط من ذلك”. إذ أن الاثنين كانا مكتفيين بذاتهما وتجاه بعضهما طوال حياتهما، لكن سام بدأ يصير الآن شارد الذهن ومشوشًا في بعض الأحيان.

      كان يكرر نفس القصص مرارًا وتكرارًا. وعلى الرغم من أن آنّا كانت صبورة عليه دومًا، إلا أن لوريتا شعرت بأن آنّا سعيدة لوجود شخص آخر تحادثه.

      ومهما كان السبب، فقد وجدت لوريتا نفسها منخرطة في حياة سام وآنّا أكثر فأكثر. فلم يستطيعا قيادة السيارة مجددًا. في بعض الأحيان كانت آنّا تتصل على لوريتا كي تطلب منها أن تأخذ نبتة إسفغنون حين تغادر أو لتأخذ سام إلى طبيب العيون. وفي البعض الآخر كانا يعجزان حتى عن الذهاب للمتجر، فتتبضع لوريتا الأغراض لهما. لقد أحبتهما وشعرت بالتقدير تجاههما. وبما أنهما يبدوان متلهفين جدًا للقاء أصحاب، فقد ذهبت للعشاء عندهما مرة في الأسبوع أو كل أسبوعين كحد أقصى. طلبت منهما في مرات قليلة أن يأتيا عندها للعشاء، لكن كانت هناك العديد من الدرجات للصعود وقد انتهيا العجوزان منهما مرهقين لدرجة أوقفتها عن فعل ذلك مجددًا. ولذلك كانت تجلب سمكًا أو دجاجًا أو طبق معكرونة إلى بيتهما وهما يعدان سلطة ويقدمان توتًا من الحديقة للتحلية.

      بعد العشاء يجلسون على الطاولة أمام أكواب من الشاي بالنعناع أو الشاي الجامايكي بينما يحدثهما سام بقصص جرت حين أصيبت آنّا بشلل الأطفال، وذلك في حفرة عميقة بغابة يوكاتان، وكيف نقلوها إلى المستشفى وعن لطف الناس فيه؛ وكذلك عن المنزل الذي بنياه في تشالابا؛ وعن زوجة العمدة حين كسرت رجلها بسبب خروجها من النافذة لتتجنب أحد الزوار. كانت قصص سام دائمًا ما تبدأ بجملة: “هذا يذكرني بالمرة التي…”

      عرفت لوريتا تفاصيل حياتهما شيئًا فشيئًا. عن بداية الغزل بينهما على قمة جبل تام[1]، وعن غرامهما في نيويورك حين كانا شيوعيين، وعن انغماسهما في الخطيئة. فهما لم يتزوجا أبدًا، لكن ما زالا يشعران بالارتياح في هذا التحرر، وقد أنجبا صبيين وهما يعيشان الآن في مدن بعيدة. كانت هنالك أيضًا قصص عن المزرعة الكبيرة قرب بيغ سور حين كان الأطفال صغارًا. وبينما تصل القصة إلى النهاية كانت لوريتا تقول: “أكره المغادرة، لكن عليَّ النهوض للعمل باكرًا.” ثم تغادر في حينها. وبالرغم من ذلك كان سام غالبًا يقول: “فقط دعيني أخبرك ما جرى للفونوغراف الآلي.” لتقود سيارتها مرهقة بعد ذلك بساعات إلى منزلها في أوكلاند وهي تحدث نفسها بأنها لن تستمر بفعل ذلك، أو أنها ستذهب مجددًا لكن لوقت معلوم ومحدد.

      ليس الأمر أنهما كانا مملين أو غير مثيرين للاهتمام. على النقيض، لقد عاش هذا الثنائي حياة غنية وممتلئة وهما ينخرطان فيها بانتباه كامل. كانا مهتمين للغاية بهذا العالم، بماضيهما. أمضيا وقتًا طيبًا بالفعل وكل منهما يضيف إلى ما يتحدث به الآخر ويتجادلان حول التفاصيل والتواريخ.. لدرجة أن لوريتا لم تملك أن تقاطعهما وتغادر، وقد جعلها الذهاب إلى هناك سعيدة لأنهما كانا فرحين للغاية برؤيتها. لكنها شعرت في بعض الأحيان أنها لا ترغب بالذهاب مجددًا، وذلك حين تكون متعبة جدًا أو لديها شيء آخر لتفعله. قالت آنّا ذات مرة: “تعالي يوم الأحد خلال الفطور أو الغداء.”

      لما صار الجو صحوًا أكلوا على طاولة في شرفة منزلهما وهم محاطون بالزهور والنباتات، بينما أتت مئات الطيور إلى أحواض الطعام قربهم مباشرة. وحين صار أبرد أكلوا في الداخل بالقرب من فرن حديدي ومحشو بحطبات قطعها سام بنفسه بينما توجد قطع وافل أو أومليت سام المميز، وفي بعض الأحيان تحضر لوريتا بعض البيغل والسمك المدخن. مضت ساعات – بل اليوم بأكمله – عندما انتهى سام من حكي قصصه وآنّا تصححها وتضيف التعليقات عليها. في بعض الأوقات، كان من الصعب البقاء مستيقظًا تحت ضوء الشمس في الشرفة أو قرب نار الفرن.

      كان بيتهما في المكسيك مصنوعًا من الطابوق الخرساني، لكن الأعمدة والواجهة والشرفات من خشب الأرْز. في البدء بُنيت المساحة الكبيرة بما فيها من مطبخ وغرفة معيشة، وقد زرعا الأشجار – بالطبع – حتى قبل بناء المنزل من موز وخوخ وجاكاراندا. في العام التالي أضافا غرفة نوم، وبعد ذلك بعدة أعوام غرفة أخرى باستوديو لآنّا، وقد صُنعت الأسرة والمكاتب وطاولات العمل من خشب الأرْز. كانا يأويان إلى بيتهما الصغير بعد العمل في الحقل الذي يقع في.. ولاية أخرى بالمكسيك، أما البيت فبارد دومًا ويعبق برائحة الأرز كما لو أنه صندوق كبير.

      أصيبت آنّا بالتهاب رئوي ووجب أن تذهب للمستشفى، وعلى المرض الذي ألم بها ما كانت تفكر إلا بسام وكيف سيعيش بدونها. فوعدتها لوريتا أنها ستمر عليه قبل العمل وترى ما إذا تعاطى أدويته وفطوره، كما أنها ستطبخ له العشاء بعد العمل وتأخذه للمستشفى كي يزورها.

      الأمر المريع هو أن سام لم ينطق. كان يجلس مرتعشا على حافة السرير بينما كانت لوريتا تساعده على اللباس. أخذ أدويته وشرب عصير الآنّاناس بشكل آلي، ومسح ذقنه باهتمام بعدما أكل فطوره. وحين تصل في المساء كان يقف في الشرفة وهو ينتظرها. أراد أن يذهب لرؤية آنّا أولًا ثم يتناول العشاء. وعندما وصلوا إلى المستشفى، كانت آنّا ترقد شاحبة بينما شعرها الطويل الأبيض منسدل للأسفل كفتاة صغيرة، وعليها المغذي وتحتها المبولة وقربها أسطوانة أوكسجين. لم تنطق بشيء، لكنها تبسمت وأمسكت رأس سام بينما حدّثها عن غسيله لملابس كثيره وسقْيه للطماطم وتغطيته للفول وغسيله للأطباق وصناعته الليموناضة. استمر في حديثه لها – دون انقطاع – وهو يخبر عن كل ساعة في يومه. وحين غادرا كان على لوريتا أن تمسكه بشدة، فقد كان يميل ويتعثر بينما يمشي. في السيارة بكى بينما قفلا عائدين، فقد كان قلقًا، لكن آنّا عادت إلى المنزل وهي على أتم حال عدا الكثير مما يجب فعله في الحديقة. في يوم الخميس بعد الفطور المتأخر، ساعدت لوريتا في الغرس بالحديقة وقطع عذوق التوت الأسود، وكانت قلقة في ذلك الوقت، فماذا لو أن آنّا قد مرضت بشدة؟ وما الذي كانت تمثله هي بهذه الصداقة؟ لقد أثر اعتماد هذين الزوجين على بعضهما وضعفهما في لوريتا وأحزنها. خطرت تلك الأفكار في رأسها بينما تعمل. بيد أن الوضع برمته كان جميلًا، بتلك التربة السوداء الباردة وأشعة الشمس وبِسَام وهو يقول قصصه حين زرع في صف الحُفَر الموازي.

      في الأحد التالي ذهبت لوريتا إلى منزلهما متأخرة، فقد نهضت مبكرة ولديها الكثير من الأعمال لتقوم بها. أرادت حقًا أن تبقى في المنزل، لكن قلبها لم يطاوعها على الاتصال وإلغاء الموعد.

      الباب الأول لم يكن موصدًا – كالعادة –، لذا فقد ذهبت إلى الحديقة ومنها لتصعد في السلالم الخلفية. مشت في الحديقة كي تنظر حولها، وقد كانت زاخرة بالطماطم والكوسا والفاصولياء والنحل الذي يطوف وَسِنًا بها. كان كلٌ من آنّا وسام في الشرفة بالأعلى. وأرادت لوريتا أن تناديهما لولا أنهما كانا يتحدثان بانشغال تام.

      “لم تتأخر من قبل إلى هذا الحد. ربما لن تأتي.”

“آه، ستأتي… فهذه الصباحات تعني لها الكثير.”

“يا للسوء، إنها وحيدة للغاية وتحتاجنا. نحن حقًا عائلتها الوحيدة.”

“إنها تستمتع بقصصي حتمًا. تبًا. لا أستطيع التفكير بقصة واحدة كي أحكيها لها اليوم.”

“ستَرِدُ إحداها لك..”

      “مرحبًا”، هتفت لوريتا، “هل من أحد في المنزل؟”

[1] Mount Tam جبل تام يقع في ولاية كاليفورنيا – المترجم.

9781250094735

 

«هدام».. ما بناه الإنسان وما بُني عليه

           بشكل عام، نحن نولد وفي جعبتنا أجوبة معدة سلفًا، وهذه الأجوبة لا تأتي سوى من حكايات نسمعها عن أهلنا وهي التي شكّلت هوياتنا بأبعادها (وأهمها الفكرية). ومن هنا تأتي أحد أوجه قوة وأهمية فن السرد وتحديدًا الرواية – في نظري –، إذ أنها تستعين بالحكاية وتمدّداتها من أجل أن تساءل وجودنا كبشر وما قد نكون عليه إن أتانا ما لا نستطيع إيقافه، سواء كأفراد أو كجماعات.

          يخلط فهد الفهد في باكورة أعماله «هدام» (دار أثر، السعودية – 2016) بين الدستوبيا وقدر من الفانتازية ليبيّن سقوط الإنسان المعاصر ما إن يغيب النظام “كفكرة”، ويمكن استدعاء الأخلاق – على سبيل المثال – هنا كنظام فضلًا عن النظام السياسي الحاكم. يأتي مطر جارف لأيام على مدينة خليجية معاصرة دون إغاثة من الخارج، ينقسم الناس في تأويله كما ينقسمون في تأويل أي شيء، لكن في نظام غائب يمتد الاختلاف إلى القتل والسبي والتنكيل بعد أن كان أقصى مداه لا يتعدى عراكًا في مجلس بالإضافة إلى شتيمتين.

          اللغة متقشفة إلى قدر ما مع غياب تام للعنصر النسائي (وهذه سخرية ذات ذكاء مرعب من فهد تجاه حال المرأة في الخليج)، حتى زوجة ماجد كانت تسمى بحالتها الاجتماعية. لا يوجد ما يستدعي المحسنات البلاغية أو الاستعارات في هذه الحال، العاقل – لا بل الناجي – من نأى بنفسه عن الناس وابتعد كما في أحد الحكايات التي يرميها الراوي. تقسيم الفصول حسب مراحل المطر، وبالتالي تسارع الأحداث، واستخدام الراوي العليم أضفيا على الرواية ميزات لا تقدر بثمن، الفنتازيا في ابتعاد النظام وتسمية فريقي النعميين والنقميين بشكل كاريكاتوري كانت تحوي قدرًا من السخرية تجاه الأنظمة المستحدثة اجتماعيًا وتراتبياتها. كما كانت النهاية المفتوحة ضرورية أيضًا بسبب أن الاحتمالات على ذلك الحال لا تعد ولا تحصى، لأن بغياب العقل الجمعي لا يمكن التنبؤ بتحرك محدد وبالتالي بنهاية معينة، كل ما نستطيع فعله هو متابعة حركة التاريخ ومشاهدة من سيربح ورجاء السلامة لمن نحب، لكن يجب أن يحكي أحدهم ما جرى بأكمله كي لا يتكرر خطأ البشرية الأزلي، كتابة التاريخ بقلم المنتصر.

          رواية أولى موفقة من فهد، وننتظر جديده على الدوام.

c2i-blsxcaazhks

«مانشستر على البحر».. وعلى الحزن وفلسفة الندم أيضًا!

movieposter

          يعود المخرج كنث لونرغان (54 سنة) إلى السينما العالمية بشكل مدوي في فيلمه الثالث فقط، وهو يعد معدلًا شحيحًا بالقياس إلى سنّه. كان الأول قد صدر في عام 2000 بعنوان «يمكنك الاعتماد علي» – وهو فيلم جميل وأنصح بمشاهدته –، ثم أتى بعده فيلم عادي «مارغريت» ومن ثم هذا الفيلم الذي لن أصفه بأقل من أعجوبة.

          لدينا «لي تشاندلر» (كايسي آفلك)، عامل نظافة إنطوائي ولديه مشاكله الخاصة في التواصل مع الناس، والتي تتضح من عدة مشاهد في البداية. يتلقى اتصالًا من قرية “مانشستر” – التي نشأ فيها وكانت له حياة حافلة فيها إلى أن انتقل – يخبره بأن أخاه «جو تشاندلر» (كايل تشاندلر) قد أصيب بنوبة قلبية أخرى، وما إن يصل حتى يبلغ بوفاته. يقوم بترتيب الجنازة ويخبره محامي أخيه المتوفى أنه الوصيّ على ابن أخيه «باترك» (لوكاس هيدجز) مما يضعه في صراع معه لأجل الانتقال بجانب تضامن الأغلبية مع «باترك» وبقائه في مانشستر، فهم يريدون التمسك بأماكنهم ولديهم بالفعل ما يسوغهم لذلك، بينما يريد «لي» العودة إلى بوسطن ولكن دون سبب حقيقي أو مسوغ، إلى أن يظهر السبب فيما بعد في عدة مواجهات مع بقية الشخصيات تنبؤنا أن الناس ليسوا سواء فيما يتعلق بتقبلهم للمصائب، وأن الندم قد يشلّ بعضهم عند مواجهة الحياة السابقة / الماضي فيما بعد.

          هناك خفة لا تصدق في هذا الفيلم، فحين يغتاظ المشاهد من برود الشخصية الرئيسية[1] في المشهد الحالي تظهر مشاهد من حياته الماضية بشكل مفاجئ – ودون تهويل تقني – ترينا شخصًا يقف على النقيض تمامًا بمرحه ومحبته للحياة، والتي تقوده شخصيته إلى ما هو عليه الآن في سلسلة أحداث مأساوية. كذلك ينتهي كل انفعال في مشاهد الفيلم بوصف الناس له بأنه “أخ جو” أو “لي”، إذ أن ماضيه لا يدعه حتى بعد تلك السنوات، وقد ساهم تنافر طباع «لي» مع طبع البقية في جعل القصة أكثر مصداقية. تكمن خفة الفيلم في الأدوار الطبيعية والمشاهد التي يمكن أن تراها في حياتك. عم يساعد ابن أخيه بعد فتور العلاقة بينهما، زواج ينهار، التعنيف الأسري الذي يتصدى له شخص عابر – وبالمناسبة فقد كان المخرج –، كل هذه تأتي كتوليفة عبقرية من لونرغان بحيلة ذكية  تكمن في إبطاء دفن الجثة لاعتبارات مناخية. حتى مواجهته عن طريق الصدفة مع زوجته بعد طلاقهما وما حدث بينهما لم تأخذ أكثر من دقيقتين – على عكس المتوقع –، وكان أغلب ما قيل بينهما عبر الإيماءات ولغة مهزوزة، لكنها قالت الكثير مما كان سيضعف الفيلم لو عُبّر عنه بالكلمات. ولعل الخليط يأتي من كون الجميع قد غفروا له ما حدث إلا هو، لم يستطع أن يغفر لنفسه.

          المذهل في الفيلم بجانب خفته على الصعيد التقني هو خلوه من الأداء الدرامي أو محاولة تفسير الحياة بجمل رنانة. لا شيء سوى الحياة كما تحدث وكما نراها بأكثر من عين حسب موقفنا منها. نهاية الفيلم كانت عالية فنيًا رغم رتابة أحداثها، لتأتي بفيلم قريب للقلب ونال العديد من الجوائز حتى الآن.

          ختامًا، لعل من الطريف الإشارة إلى أن مات ديمون قد شارك في إنتاج هذا الفيلم أيضًا، ولكن يبدو أنه لم يقبل الدور الرئيسي بما أنه لم يخطف أو يضيع.

 [1]  أميل لهذه التسمية عوضًا عن “بطل الفيلم”، لأن حمولة كلمة “بطل” في اللغة العربية قد لا تتسق مع شخصيات كثيرة رئيسية في الأفلام، مثل روبرت فورد في فيلم «اغتيال جيسي جيمس» (الولايات المتحدة، 2007).

سر الكتابة – أورهان باموق

سر الكتابة

أورهان باموق (تركيا / نوبل 2006)

ترجمة: راضي النماصي

      يمكن للآخرين أن يتعلموا أشياء عديدة من حياة الكاتب لأنها مختلفة للغاية، فبعض الكتّاب مهووس بما يأتي من الخارج والبعض الآخر مهووس برؤاه، أما أنا وأمثالي فمختلفون؛ فأنا أعمل كموظف وبهذا تغدو رواياتي كاللوحات الجصية والملاحم. بذلك فأنا أبدأ من زاوية وأستمر حتى دون أن أعلم ما ستكون عليه الصورة الختامية في النهاية.

      علمتني أربعون سنة من التفاني تجاه فن الرواية أمرًا واحدًا، وهو أن ننتبه إلى حيوات البشر وما نسمعه عنها. فهذه الرواية، أي «غرابة في عقلي»، مبنية على مقابلاتٍ أجريتها مع العديد من الناس، والتي تعلمت منها أن أكون متواضعًا تجاه حياتهم وألعب بتفاصيلها إلى أن تغدو حقيقية أكثر من الواقع.

       في غالب حياتي لم أحظ بمحررٍ كما ينبغي منذ كنت أكتب في إسطنبول. أنا هو محرري الوحيد. لكن أسرار الكتابة تكمن في إعادتها وتحريرها بنفسك وإعادة تعديلها وقراءتها على من تحب – على زوجتك أو ابنتك أو صديقك وسماع القصة من منظور الآخرين دون أن تترك معاييرك الخاصة عن الكتابة الجيدة – ومن ثَمّ تستمر بالتعديل والحذف هكذا دون أن تهتم بالوقت الذي منحته لتلك الصفحة الجميلة، والتي من الممكن أن تحذفها أيضًا.

orhanpamuk_image

حامل الكتب – لنه دنه

حامل الكتب

قصة من مجموعة «دم وصابون» – لنه دنه (فيتنام)

ترجمة: راضي النماصي

      من الواقعي أن ينال أي شخص يحمل الكتب قدرًا معينًا من الإحترام في أي مجتمع دومًا – وإن كان لا يستحقه –، سواء كان هذا المجتمع متخلفًا أو متقدمًا. ولمعرفته بهذه الحقيقة، قام بيير بوي، وهو فني دراجاتٍ أمّي من قرية فات دات التي تقع في عمق دلتا نهر ميكونغ، بحمل كتابٍ معه أينما ذهب.

      بان سحر ذلك على الفور، إذ صار المتسولون والعاهرات يترددون حيال الاقتراب منه، ولم يجرؤ النشالون على سرقته، وحتى الأطفال كانوا يلزمون الصمت في حضرته.

      حمل بيير بوي كتابًا واحدًا في البدء، ثم أدرك أن أثر مظهره سيكون أفضل إن حمل كتبًا أكثر. لذا بدأ بالتجول وهو يحمل ثلاثة كتب دفعة واحدة. وفي أيام المهرجانات، حين تكثر الحشود في الشوارع، كان بيير بوي يتجول بينما يحمل دزينة من الكتب.

      لم يكن نوع الكتاب مهمًا – سواءً كان «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» أو «أجسادنا»، «أنفسنا»، «تحت شمس توسكانا»… إلخ – طالما أنه مجرد كتاب. على كل حال، بدا بيير بوي مهتمًا أكثر بالكتب الثخينة للغاية وذات الخط الضئيل، ولربما ظن أنها تحمل قدرًا علميًا أكبر. كان من الممكن أن يجد الشخص في مكتبته التي تنمو بسرعة العديد من المجلدات حول المحاسبة وصفحات بيضاء عن أعظم مدن العالم.

      في نفس الوقت، لم تكن تكلفة حيازة العديد من الكتب سهلة على مكسبه الضئيل كفني دراجات، فتوجب عليه قطع كل مصاريفه الأخرى ما عدا الأكل، ومرت عليه أيام لم يأكل فيها سوى الخبز والسكر؛ بالرغم من ذلك لم يقم بييع مجلدٍ واحد من مجلداته الثمينة، إذ كان احترام القرويين الآخرين له يعوضه عن قرقرة بطنه المستمرة.

      آتى إيمان بيير بوي المطلق بالكتب أُكُلَه في عام 1972، وذلك خلال إحدى أشرس معارك الحرب حين دمرت كل بيوت قريته ما عدا كوخه العشبي المائل، حيث كان بيير بوي يقعي خائفًا ولم يصب بأذى، ومحاطًا – في نفس الوقت – بعشرة آلاف كتاب.

linh20dinh20reading