«الدرب الطويل إلى الخارج» – ف. سكوت فيتزجيرالد

«الدرب الطويل إلى الخارج» – ف. سكوت فيتزجيرالد (1896-1940)

ترجمة: راضي النماصي

 fitzreading

     كنا نتحدث حول بعض أقدم القلاع في تورين[1] وانتقلنا في الكلام إلى السجن الحديدي الذي وضع لويس الحادي عشر فيه الكاردينال لا بلو مدة ست سنوات، ثم تحدثنا عن الدياميس[2] وفظاعات أخرى مشابهة لها؛ وقد رأيت العديد من تلك الأخيرة، كانت محض آبار جافة بعمق ثلاثين أو أربعين قدمًا يرمى بها الإنسان لينتظر العدم. وبما أن بي رهاب الأماكن المغلقة إلى حد اعتبار سرير اليخت ذي الطابقين كابوسًا بلا شك، فقد خلّفت فيّ الدياميس انطباعًا لا يزول. لذا حين حكى طبيب هذه القصة كنا في تفريج بالأحرى – وكانت كذلك فعلًا حين بدأها لأنها بدت بلا علاقة مع العذابات الماضية منذ زمن بعيد.

     كانت هناك امرأة شابة تدعى السيدة كنغ وسعيدة للغاية مع زوجها، وكانا ميسوري الحال وعاشقين لبعضهما، لكن مع ميلاد طفلها الثاني دخلت في غيبوبة طويلة ثم انتابتها حالة خطيرة من الشيزوفرينيا أو “انفصام الشخصية”. كان توهمها، والذي ارتبط بشكل ما بإعلان استقلال البلاد، يشكل عبئًا خفيفا على الحالة، وبدأ يزول ما إن استعادت عافيتها. بنهاية الشعر العاشر كانت في النقاهة وتتذكر بصعوبة ما حدث لها، وتوّاقة جدًا للعودة إلى العالم.

     كانت في الحادية والعشرين فقط من عمرها وصبيانية الطباع بشكل محبب، وإحدى المفضلات لدى طاقم المصحة. حين صارت سليمة بما يكفي لتقوم برحلة تجريبية مع زوجها كان هناك اهتمام يعم المبنى. فقد ذهبت ممرضة مع زوجها إلى فيلادلفيا لتشتري فستانًا لها، أما الأخرى فعلمت بأمر صبابتها الرومانسية في المكسيك، وقد رأى الجميع طفليها خلال زيارات إلى المستشفى. كانت الرحلة إلى شاطئ ولاية فرجينيا لمدة خمسة أيام.

     كان من المفرح مشاهدتها وهي تتجهز وتلبس وتعد حقيبتها بدقة متناهية وتعيش التفاهات الغريبة كتموجات الشعر وغيرها. جهزت قبل نصف ساعة من موعد الرحيل وقد قامت ببعض الزيارات في الطابق الأرضي بثوبها المنقّط بالأزرق وقبعتها في مظهرٍ يشي بأنّها جلست دقيقة تحت مطر أبريل. أما وجهها الهزيل الرائع، فقد اعتراه شيء فقط من ذلك الحزن المفاجئ الذي يبطء بعد المرض ويزول بالترقب.

     قالت: “لن نفعل شيئًا، وهذا ما أوده؛ مجرد الاستيقاظ حينما أريد لثلاث صباحات متتالية والسهر في لياليها، وشراء رداء حمّام لي وطلب وجبة.”

     حين حل الوقت قررت السيدة كنغ الانتظار في الأسفل بدلًا عن غرفتها، وبينما تمر في الردهات مع خادمٍ يحمل حقيبتها لوحت للمرضى الآخرين وهي تشعر بالأسف لأنهم لن يذهبوا أيضًا في عطلة رائعة. تمنى لها المشرف خيرًا، ووجدت ممرضتان أعذارًا كي تبقيا وتشاركاها فرحتها المعدية.

  • “يا للاسمرار الجميل الذي ستحظين به يا سيدة كنغ.”
  • “استقري وأرسلي بطاقة بريدية.”

     في الوقت الذي غادرت به الغرفة، صدمت شاحنةٌ سيارةَ زوجها وهو في طريقه من المدينة، فأصيب بنزيف باطني ولم يتوَقَّع أن يعيش أكثر من بضع ساعات. وصل الخبر إلى المستشفى في غرفة زجاجية قرب القاعة التي كانت السيدة كنغ تنتظر فيها، وطلب المشغّل بينما يرى السيدة كنغ وهو يعلم أن الزجاج ليس كاتمًا للصوت أن تأتي رئيسة الممرضات بسرعة، فأسرعت مرتاعة إلى طبيب وقرر الطبيب ما عليهم فعله، ما دام بقي الزوج حيًا فمن الأفضل ألا نخبرها بشيء، لكن يجب أن تعلم بالتأكيد أن زوجها لن يأتي اليوم.

     خاب ظن السيدة كنغ كثيرًا، بيد أنها قالت:

  • “أظن أن من السخيف أن أشعر هكذا، فما الذي يعنيه مجرد يوم واحد بعد كل هذه الشهور؟ قال أنه سيأتي غدًا، أليس كذلك؟”

     كانت الممرضة تخوض وقتًا شاقًا لكنها تدبرت أمرها حتى عادت المريضة إلى غرفتها، ثم عينوا ممرضة أخرى أكثر خبرة وبرودًا كي تبعد السيدة كنغ عن المرضى الآخرين والجرائد، ففي اليوم التالي سيُقرر ما بشأن هذا الأمر.

     لكن زوجها بقي مغمى عليه فاستمروا بالمراوغة في كلامهم. عند ظهيرة اليوم التالي كانت إحدى الممرضات تعبر الردهة حين قابلت السيدة كنغ مرتديةً ملابسها مثل البارحة، لكنها تحمل حقيبتها هذه المرة، فشرحت لها قائلة:

  • “سأقابل زوجي. لم يستطع القدوم البارحة، لكنه سيأتي اليوم في نفس الساعة.”

     مشت الممرضة معها. كانت السيدة كنغ حرة ضمن حدود المبنى وكان من الصعب أن تُعاد ببساطة إلى غرفتها، ولم ترِدِ الممرضة حكي قصة تتعارض مع ما أخبرتها به الإدارة. حين وصلوا إلى قاعة الاستقبال أشارت الممرضة إلى عامل الهاتف الذي فهمها لحسن الحظ. تأملت السيدة كنغ شكلها آخر مرة وقالت:

  • “أود لو أن لي ست قبعات مثل هذه كي تذكرني بأن أكون سعيدة هكذا دومًا.”

     حين قدمت مشرفة التمريض عابسة بعد دقيقة، سألت:

  • “لا تقولي لي أن جورج قد أجل القدوم مرة أخرى؟”
  • “أخشى أنه قد فعل. ليس هناك شيء لنفعله، لكن تحلّي بالصبر.”

     ضحكت بحسرة ثم أردفت: “أردت منه رؤية ملبسي حين كان جديدًا بالتمام.”

  • “لماذا تقولين ذلك؟ فلا توجد تجعيدة واحدة فيه.”
  • “أظن أنه سيبقى هكذا حتى الغد. يجب ألا أكون حزينة إذا ما انتظررررت يومًا إضافيًا حينما أكون سعيدة للغاية.”
  • “بالتأكيد كلا.”

     في تلك الليلة توفي زوجها وفي اجتماع الأطباء صباح اليوم التالي كان هنالك نقاش حول ما يجب فعله، فقد كان إعلامها مخاطرة وكتم الخبر عنها مخاطرة أيضًا. تَقَرَّر القول بأن السيد كنغ قد استدعى إلى مكان ما بعيد وبهذا ينقضي أي أمل لها بلقاء قريب، وحين ترضى بذلك سيقدرون على إخبارها بالحقيقة.

     وبينما خرج الأطباء من الاجتماع توقف أحدهم وأشار بيده، إذ كانت السيدة كنغ في آخر الردهة متجهة إلى القاعة الخارجية.

     حبس الدكتور بيري أنفاسه، وكان المكلف خصيصًا بالعناية بالسيدة كنغ. ثم قال:

  • “هذا أمر فظيع. أظن أن من الأفضل إخبارها الآن. ما من فائدة في قول أنه بعيد في حين أنها تسمع محادثة منه كل أسبوعين، وإن قلنا أنه مريض فسترغب بزيارته. هل من أحد آخر يحب هذه الوظيفة؟”

 

II

     في مساء ذلك الاجتماع، ذهب أحد الأطباء المشاركين في إجازة تمتد أسبوعين. وفي يوم عودته خلال نفس الساعة في نفس الممر توقف أمام مشهد حشد صغير متجه نحوه، وكان يتألف من خادم يحمل حقيبة وممرضة بالإضافة إلى السيدة كنغ وهي مرتدية فستانها المنقط بالأزرق وقبعتها الربيعية.

     قالت: “صباح الخير يا دكتور. سأقابل زوجي وسنذهب إلى شاطئ فرجينيا. أنا ذاهبة إلى القاعة لأني لا أريد أن أبقيه منتظرًا.”

     نظر الطبيب إلى وجهها الصافي والسعيد مثل وجه طفلة، وأشارت له الممرضة إن ما يجري قد طُلب منها، لذا فقد انحنى فقط وتحدث معها عن الجو البديع. فقالت السيدة كنغ:

  • “إنه يوم جميل. لكن حتى ولو كان ماطرًا فسيبقى جميلًا في نظري.”

     نظر الطبيب إلى ما وراءها حائرًا ومنزعجًا، وخطر في باله “لم يتركون ذلك مستمرًا، أي خير يرجى منه؟

     وحين قابل الدكتور بيري رمى ما في باله قولًا، فأجاب:

  • “حاولنا أن نخبرها، لكنها ضحكت وقالت أننا كنا نحاول التأكد مما إذا لا زالت مريضة. يمكنك أن تستخدم كلمة “لا يطرأ” هنا، فموته لا يطرأ على بالها إطلاقًا.”
  • “لكن لا تستطيعون الاستمرار هكذا.”
  • “كلامك صحيح نظريًا. لكن قبل عدة أيام حاولت الممرضة أن تمنعها من الذهاب وقد حزمت حقيبتها، ومن خارج الغرفة في القاعة استطعت رؤية وجهها بينما تتداعى لأول مرة – ولتتذكر ذلك -، كانت عضلاتها مشدودة وعيناها تبرقان وصوتها مجلجلًا حين سمّت الممرضة “كاذبة” بكل أدب. كان الأمر غير مضمون لدقيقة فيما لو كانت لدينا مريضة طيّعة أو حالة مستعصية، فتقدمْتُ وأمرت الممرضة بأن تأخذها إلى الأسفل نحو غرفة الاستقبال.

     توقف الطبيب عن الحديث ما إن ظهر الحشد العابر مرة أخرى وهو يتوجه عائدًا إلى العنبر. وقفت السيدة كنغ وتحدثت للدكتور بيري:

  • “لقد تأخر زوجي ثانية، وأنا بالطبع خائبة الظن، لكنهم يقولون لي بأنه سيأتي غدًا وبعد الانتظار ليوم طويل كامل لا يبدو بذات الأهمية. ألا تتفق معي أيها الطبيب؟”
  • “بالتأكيد يا سيدة كنغ.”

     نزعت القبعة وأردفت:

  • “عليّ أن أضع هذه الملابس جانبًا، فأنا أريدها أن تكون جديدة في الغد كما هي اليوم.”، ثم نظرت إلى القبعة بتمعن وقالت: “هناك بقعة غبار عليها، لكني أظن أنني أستطيع إزالتها، وربما لن يلاحظها.”
  • “أنا متأكد بأنه لن يفعل.”
  • “لا أمانع صدقًا الانتظار ليوم آخر. سيكون الموعد غدًا في نفس هذا الوقت، أليس كذلك؟”

     وحين غادرت بما يكفي، قال الطبيب الشاب:

  • “ما زال هناك الطفلان.”
  • “لا أظن أن الطفلين سيهمّانها، فحين “انتكست” ربطت هذه الرحلة بفكرة التشافي. إن نزعناها فستنهار حالتها إلى الأسوأ ونبدأ العلاج من جديد.”
  • “هل يمكن أن يحدث ذلك؟”
  • “ما من علامة منذرة، فأنا أشرح ببساطة لمَ سُمِحَ لها بالذهاب إلى القاعة هذا الصباح.”
  • “لكن سيكون هناك صباح الغد والصباح الذي بعده.”
  • “سيبقى هناك احتمال.. بأن يكون الزوج هناك يومًا ما.”

     أنهى الطبيب حواره على عجل. وحين ضغطنا عليه كي يقول ما حدث ادعى أن الباقي كان انهيارًا للحالة، وأن كل التعاطف انقضى بمرور الوقت وقد انتهى طاقم المصحة إلى تقبل الحقيقة ببساطة.

  • “لكن هل لا زالت تذهب لتقابل زوجها؟”
  • “آه نعم، ما زالت كما هي. لكن المرضى الآخرين – ما عدا الجدد – قلما ينظرون إليها حين تعبر القاعة، والممرضات تخططن لاستبدال قبّعة جديدة كل عامٍ أو ما شابه؛ أما الملابس فهي نفسها التي تلبسها. ما زالت خائبة الظن لكنها تتخطى ذلك وبعذوبة فائقة أبضًا. ليست حياة سعيدة بقدر ما نعلم، لكن يبدو أنها – وبشكل مضحك – تُعَدُّ مثالًا لليقين بالنسبة للمرضى الآخرين. فلنتحدث حبًا بالرب عن أمرٍ آخر. لنعد إلى الدياميس.”

[1] منطقة في فرنسا

[2] جمع ديماس

Advertisements

«شطيرة صدر» – ستِوَرت دايبك

ترجمة: راضي النماصي

يعد ستورت دايبك (1942 – الآن) أحد سادة القصة القصيرة الأمريكية المعاصرة، وهو أحد الوجوه الأدبية لولاية شيكاغو.
من أعماله: «ساحل شيكاغو»، والتي حازت إحدى قصصها بعنوان “ثلج حار” على جائزة أو. هنري المرموقة عام 1985، «طفولة وأحياء أخرى» الحائزة على جائزة نقابة كتّاب ولاية مدلاند عام 1981، «أبحرت مع ماجلّان»، «مصباح ورقي: قصص حب» وعدة مجموعات شعرية. اختيرت قصصه في العديد من المجموعات المكرسة والمتميزة على المستوى الأمريكي والدولي، كما قام بتحرير العديد من المجموعات القصصية المختارة.

 

imageedit_2_7314598765

 

     احتاجت النقانق الثورنجية[1] إلى ضمادٍ من الخردل البني، وذلك لأن سطحها اللدن الشاحب قد شِيط إلى الحرق تقريبًا.

     كانت البسطرمة معروضة بألوان الخمسينات الصارخة على هيأة لحم وردي مغطّى بالفلفل الأسود.

     وكان هناك لحم مملح ونقانق مقدّمة حسب الكوشر وقطع سلامي متدلية ولحم أرداف ونوعان من المحاشي – بالقاشة وبمكعبات البطاطا الذهبية -، بالإضافة إلى الملفوف بنوعيه وسلطة البطاطا بالبابريكا والطماطم الخضراء وخبز الكيزر والخبز الفرنسي وخبز الجودار. كنت أتجول طوال اليوم في الجو البارد وبدت جميعها شهيّة، لكن حين حلّ دوري أخيرًا قررت أن أستثمر آخر أربعة دولارات معي في شطيرة لحم الصدر بخبز الجودار.

     كان الخادم العجوز الأصلع بمريلته البيضاء الوسخة يهمس بصوت خافت: “سأعد لك شطيرة لذيذة للغاية أيها الشاب.”

     قالها بنبرة تآمرية، إذ كانت شفتاه تتحركان بالكاد ويريدني أن أقترب منه لأستمع وكأن ما يقوله شيء لا يريد من ملّاك المؤسسة الاشتباه به، كأنه سر بيننا الاثنان وليس لآذان الآخرين خلفي في الطابور أن تسمعه.

     رمش باتجاهي وحدق في عينيّ بثبات كما لو أنه يبدي اهتمامًا خاصًا بي، اهتمامًا كان أكثر مما قد أحكي عنه حيال ما واجهته من السكرتارية والمسؤولين الذين أمضيت الأسابيع الستة الأخيرة وأنا أملأ استمارات التقديم على الوظائف لديهم بينما انقضى مالي وبتّ أتنقل من صديق إلى آخر منهارًا من التعب إما على الأرض أو الأرائك. كان وجهه أشيبًا ومتغضنًا بالتجاعيد. لا بد من أنه كان يعد الشطائر منذ زمن طويل، وقد رأى العديد من الوجوه الجائعة تحدق فيه خلف الحاجز الزجاجي في الجهة الأخرى.

     ربما تعلم قراءة الوجوه بلمحة وقد رأى في وجهي يأسًا لم أشعر به قبل مجيئي وأني احتجت للمساعدة، وقد شاهد فيّ بلمحة ما يكفي عما يعنيه كون المرء متشردًا بلا مأوى أو وظيفة ويهيم في الشوارع جائعًا لمدة طويلة.

     ولربما كي يمضي يومه يسمح لنفسه كل فترة بأن يستلطف وجه شخص لا يعرفه على الإطلاق. وجه قد ذكره بنفسه حين كان شابًا، أو ذكّره بشخص ما من ماضيه، بنفس الطريقة التي يرتاد أحدكم فيها قطار الأنفاق ويشاهد الناس وهم يهمّون إلى وظائفهم. فقد أرى امرأة تذكرني بخليلة قديمة في مدينة أخرى، مدينة كان يجب علي البقاء فيها، وامرأة كان يجب على البقاء معها، هي نفس الفتاة التي قالت لي: “لك وجه يليق بالطبقة العاملة”. ربما ظنّ ذلك أيضًا.

     “أنظر”، قال لي بينما يزيل الشحم بطرف السكين بحرفنة، ثم قطع الأطراف على طول لوح التقطيع لتترك أثرًا من الدُّهن. كان ذلك حين لاحظت الأرقام الموشومة على ذراعه، وقد رأيت علامات مخيمات الموت المَمْحية على أذرع الخياطين في نفس الحي من قبل. تصدمني كل مرة أرى فيها تلك الأرقام الموشومة محيلة إياي إلى إحساس منفّر بالانفصام بينما يزاحم واقع التاريخ الوحشي حاضرنا المُعاش. تساءلت عمّا يفكر به حين ينظر إلى ذراعه كل يوم، وأي ذكريات مرعبة عليه أن يتجاوزها كل صباح. شعرت بالعار حين رأيت تلك الأرقام. يا لهوان أزمتي “الكبيرة” حين كنت أصرف آخر أربعة دولارات معي. كنت سأنجو على كل حال.

    سألني وهو يشير بسكينه إلى كومة الأطراف الباقية التي قصها من شطائر أخرى: “ماذا عن بعض البقايا اللذيذة لكلبك؟”، كانت هناك بعض الشرائط المُشْبعة الملتصقة بالشحم من لحم الصدر وتشكل وجبة أخرى على الأقل.

     “بالتأكيد.”

     “حسنًا”، قالها بذات النبرة السرية وكأن هناك بعض التفضيل الشخصي بيننا.

    جمع الأطراف معًا في ورق مشمع، ثم وضع الورق المشمع في كيس جزارين بني ومن ثم وضع الكيس بخبرة في علبة نظيفة، وذلك قبل أن يلصق أطرافها ويمدها لي بترتيب منطقي مجترف فائلًا: “بدولارين فقط.”

    “دولاران؟”

“لأجل كلبك.”

    ظننت أنه سيوفرها مجانًا وفجأة أحسست بأنني مغفل تمامًا. كان كل ما صدمني أنه أيًا ما جعلني ساذجًا بما يكفي لأحسب أن تلك القطع مجانًا هو نفس التفكير الذي جعلني على هذا الحال: عاطل عن العمل وأعيش على صديق بعد آخر، بالإضافة لافتقادي امرأة هجرتني سلفًا.

    قلتُ له: “لا أملك كلبًا.”

    “قلتَ للتو أن لديك واحد.”

    “كان لدي.”

    لم يستطع أن يتجاوز كون شخص يقوم بمثل ذلك الخطأ، فسأل: “هل نسيت أنك لم تعد تملك كلبًا؟”

    “كان لدي كلب لكنه مات. ما زلت أقول “نعم” بحكم العادة.”

    “آسف بشأن ما سمعت عن كلبك.”

    “أشكرك. كان من فصيلة الشنوزر واسمه يابي. من المؤكد أنه كان سيحب تلك القطع.”

    “ربما لديك قطة.”

    “ولا قطة”.

    “هل أنت متأكد الآن؟”

    “نعم”

    “أتريد مخللًا بالثوم؟”

    سألت وقد تعلمت درسي: “بكم؟”

    “إنه يأتي مع الشطيرة”.

brisket-on-rye1

[1] نسبة إلى منطقة ثورنجيا Thuringia الألمانية.

 

تطوّر أوليفر – جون أبدايك

01mcgrath.large1
جون أبدايك: كاتب أمريكي (1932 – 2009)

ترجمة: راضي النماصي

     لم يرد والداه أذيته؛ بل أرادا أن يحباه، وقد كانا كذلك. لكن أوليفر أتى متأخرًا في زواجهما، أي في وقت كان فيه تحدي تربية طفل أمرًا غير مرغوب بالمرة. وقد أثبت أنه عرضة للمصائب، إذ وُلِدَ بقدمين مشوهتين وتعلم الحبي بقالبي تقويم يصلان إلى كاحله؛ وحين نُزِعَا منه أخيرًا، بكى رعبًا لأنه ظن أن تلك الجبيرتين الضخمتين التي كانتا تضربان الأرض وتحتكان بها جزءًا منه.

     أثناء طفولته، ذات يوم، وَجَدَاه في خزانتهما مع صندوق مليء بكرات النفثالين[1]، وكانت بعضها ملطّخة بالساليفا[2]. وقياسًا على ما مضى، فقد تساءلا عما إذا كانت هناك حاجة فعلًا إلى الإسراع به إلى المستشفى وغسل معدته الصغيرة المسكينة، فصار وجهه رماديًا مخضرًا بعدها. في الصيف التالي، حين تعلم المشي، قام والداه بأخذه والسباحة جميعًا في الشاطئ بينما يبحثان عن جو رومانسي بعد صحوة أعقبت حفلة متأخرة ليلًا وشجارًا بينما كانا ثملَين، ولم يكونا بوعيهما إلى أن رأيا حارس الإنقاذ يذرع الشاطئ ركضًا تجاه أوليفر الذي كان يدرج خلفهما ثم صار يطفو على بطنه لمدة بضع دقائق مميتة بحسب المنقذ الذي لم يلمّح كثيرًا. كان وجهه أزرق هذه المرة وطالت كحَّته لعدة ساعات.

     كان أقل أطفالهما شكوى، ولم يلم والديه أو إدارة المدرسة على أنهما لم يلاحظهما عينه اليمنى “الخَدِرَة” في الوقت المناسب لعلاجها إلى أن نتج عن إغلاق تلك العين كون كل شيء معتمًا بقدر عضال. كان مرأى الصبي وهو يحمل كتابًا بزاوية غريبة تجاه الضوء فقط يجعل والده يرغب بالبكاء عجزًا.

     وحدث أنه كان في العمر الخطأ والحساس تمامًا حين انفصل والداه وشرعا بالطلاق. كان إخوته الكبار خارج المنزل في مدارس وجامعات خارجية وفي مقتبل الرجولة وأحرارًا من العائلة. أما أخته الأصغر فكانت صغيرة بما يكفي لتلاحظ التغيرات الجديدة – كالوجبات في المطعم مع أبيها ثم الرجال الودودين الذين يظهرون ويأخذون أمها إلى الخارج -. لكن أوليفر، في الثالثة عشر من عمره وقتها، قد أحَسَّ بثقل الاهتمام بالبيت وحمل شعور الهجران من أمه. ومرة أخرى، اغتمّ والده عجزًا؛ فقد كان السبب بالفعل – وليس الولد – عندما بدأ ظهور الدرجات المتدنية في المدرسة ثم الجامعة، ثم كسْر أوليفر ذراعه إثر انزلاقه من الدرج – أو إثر القفز منه، حسب مرويّة أخرى لتلك الحادثة الغريبة من نافذة فتاة -. ولم تلق سيارة واحدة من عائلته مصيرًا شنيعًا، بل العديد منها بينما كان خلف المقود، وقد خلت كلها من الإصابات ما عدا ركبتين مليئتين بالرضوض وسنّين أماميين مهتزين. نمت الأسنان مستقيمة مجددًا – حمدًا للرب – في ابتسامته البريئة التي تمتد ببطء عبر وجهه بينما بدأت تشيع الأنباء المضحكة حول مصيبته الأخيرة، إذ كانت تلك الابتسامة إحدى أجمل صفاته، لأن أسنانه كانت صغيرة ودائرية وتبتعد عن بعضها بمسافات، كأنها ابتسامة طفل.

     ثم تزوّج، وهذا ما بدا مصيبة أخرى عبر مرورها بليالٍ ملأى بالسهر ووظائف متروكة وفرص حياتيّة مهدرة بالنسبة لشخص بالغ. كانت الفتاة، واسمها أليشيا، عرضة للحوادث بقدره، وذلك للعنف المستمر وعدة حوادث حمل غير مرغوبة. خلفت اضطراباتها العاطفية الكثير من الكدمات فيها وفي غيرها. وبالمقارنة، فقد كان أوليفر حذرًا ورزينًا، وكانت تتطلع له باحترام. وهذا السر، فالآخرون يحاولون منح ما نتوقعه منهم. تمسك أوليفر بوظيفة ما، أما هي فأبقت على حملها. والآن يجب أن تروه مع طفليهما، فتاة بملامح لطيفة وصبي بشعر غامق، بينما قد كبر طولًا وعرضًا ويحملهما دفعة واحدة، وكأنهما طائران في عش وهو شجرة أو صخرة واقية. صار حاميًا آخر للضعفاء.

[1] كرات توضع لوقاية الملابس من العث.

[2] اللعاب.

الزِّبابات – خوان بونيا

خوان بونيا (1966-الآن)، كاتب إسباني.
ترجمة: راضي النماصي

juan-bonilla-10

رن الهاتف في الثالثة صباحًا. سألني صوت خشن بهدوء عمّا إذا كنت مستيقظًا فسألته: “من يتحدث؟”. مضت على ذلك ثلاث ليال متوالية ولم أستطع النوم منذ ذلك الحين. أنتظر الهاتف ليرن مجددَا في منتصف الليل وشخصًا ما على الخط كي يتحدث. أخبرني أنه قد اتصل لأنه لم يستطع النوم. لم يقدر على النوم منذ ستة أشهر، ولم يحاول. النوم ليس مما لا غنى عنه، فعلى الأقل وُجد كي لا نشعر بالسأم، والمرء يغدو سئمًا للغاية بينما تمضي الليالي دون أن يتحدث لأحد. هذا ما أخبرني به، لذا خطر بباله أن يتصل بأحد. وعبر الأسابيع القليلة الماضية كان يستمر بفعل ذلك، ويُمضي لياليه بينما يتحدث مع أناس مجهولين، فيتصل بهم ويوقظهم. رد العديد بشكل سيء وأقفلوا السماعة بعد أن شتموه، فيما سايره آخرون بصبر كما لو أنهم يستمعون إلى برنامج متأخر في الإذاعة. كان يفتح دليل الهاتف على أي صفحة ليختار من يتصل عليه ومن ثم يحدّد رقم الهاتف الذي يَحِطُّ عليه اصبعه. ولاحقًا، بعد أن يتحدث مع الطرف الآخر المجهول، يشطب الاسم، أو يبقيه في حال كان ذاك الآخر منفتحًا، كي لا يمنع احتمال العثور عليه مجددًا. زار طبيبًا في البداية كي يعرف سبب عدم نومه، واستمر إلى أن أدرك أن الطبيب قد حاول أن يغير الموضوع ويحيل علاجه إلى الطب النفسي، فغادر الرجل، إذ لم يكن موسوسًا، بل كان هنالك الكثير جدًا من الوقت بين يديه، وهذا كل ما في الأمر، أي وقتٌ أكثر مما استطاع شَغله. قرأ، استمع للموسيقى، شاهد التلفاز، ومع ذلك كان لديه العديد من الساعات كي يخطط لشغلها بمكالمات ليلية؛ بمعدل ثماني مكالمات كل يوم لـ 365 يومًا لنحو كذا وخمسين سنة، مثلًا. خمنت أن ذلك العدد يقترب من عمره. نسب إليّ أيضًا فكرة لا أعلم ماهيتها حول تشكيل فرقة من المصابين بالأرق، بمعنى أنها مجموعة أناس أرِقُون يأخذون على عاتقهم حماية المدينة عبر البقاء مستيقظين باستخدام المكالمات الهاتفية. قال لي: “إن النوم أمر رجعي”، فالعالم مستمر بالدوران ويخضع لمن لا ينام، وهنالك أشياء يجب العراك بها برفقة أسلحتهم الخاصة، أما اسم الفرقة فسيكون الزِّبابات. سألته عن السبب فقال أن الزبابات هي الحيوانات الوحيدة التي لا تنام، فلم يكن النوم هبة لها؛ ثم استبدل كلمة “هبة” لاحقًا بـ”عيب”. وعلاوة على ذلك، فإن الإصابة الوحيدة التي يصاب بها الأَرِقُون مثله هي الوحيدة التي يمكن رؤيتها تحديدًا لدى الزبابات، ألا وهي القابلية لفقد ذواتهم مقابل أي وعي بنجاح ما يحدث، أي نقل ذواتهم إلى نقطة غير محددة يصير إدراك الوقت بها منعدمًا، فيموت لفترة نستعيد بعدها إحساسنا بوعينا حين عُلّق أول مرة إلى أن عاد، وبعدها نرجع عبيدًا للتعرق. صار ذلك الشخص مغرمًا بالحديث مع المجهولين عبر الهاتف لدرجة أنه قد يجسر على تجربة ذلك مع بلدان يكون وقتها ليلًا حين يكون هنا نهارًا، لأن الأمر لم يكن مجرد ثرثرة، بل كانت حقيقة إيقاظ أحدهم – في الواقع – تعد تحريرًا له من قيود أحلامه. أخبرني أن بإمكان دراجة آلية منفلتة إيقاظ 150 ألف نسمة ما لم يوقفها أحد، وكان ذلك أحد المشاريع التي خطط لها فريق الزبابات الأَرِقة، فأخبرته بأنها تبدو لي فكرة جيدة. لا أعلم كم أمضينا ونحن نستمر بالحديث. لكن في النهاية، طلبت منه أن يشطب اسمي من دليل الهاتف، وذلك على أمل ألّا يختارني اصبعه كفرد جديد إن لم يكن لديه مانع؛ وقد قبل ذلك بكرم. حين أغلق الهاتف لم أستطع النوم. جلبت دليل الهاتف وفتحته عشوائيًا ثم اتصلت بأحد الأرقام. في البدء، لم أستطع نزع فكرة أنه قد يكون نفس الرجل الذي اتصل بي من بالي، لذا وضعت السماعة أرضًا، ثم أعدت التجربة رغم ذلك. أيقظت هذه المرة أحدًا، وكان امرأة. لم أجرؤ على قول شيء وأغلقتُ السماعة حين ألحتْ بالسؤال عمن يتصل. لا أعلم ما حدث. لم أستطع النوم منذ حينها. ولم أكن منزعجًا من عجزي عن بلوغ قدر معين من الإعياء، لولا أنه لم يكن فقط لأجل ظل السأم الذي يغمرني برذاذه. قرأت، استمعت للموسيقى، وشاهدت التلفاز، لكن ما زالت هناك عدة ساعات حتى تجلو الشمس الظلام من السماء بشكل كامل. أعلم أن الهاتف سيرن مجددًا في أي لحظة، وسيكون المتصل هو نفس الرجل الذي خاطبته، ومن سأقول له: “نعم، أريد أن أكوِّن كتيبة من الزبابات”؛ وسأبدأ بإيقاظ بعض البشر المجهولين كي أقول لهم: “العالم مستمر بالدوران. استيقظوا! لا تناموا!”.

————–

* جمع زِبابة (بكسر الزاي)، نوع من الحيوانات يشبه الفئران.

 

‎سكين التقشير – مايكل أوبنهايمر

18402967_999608430170502_5907187551568479455_n

‎وجدت سكين تقشير تحت الثلاجة بينما كنت أنظف البيت مع حبيبتي. كانت سكين تقشير صغيرة فقدناها منذ عدة سنوات ونسيناها إثر ذلك. أريت السكين لحبيبتي فقالت “أوه، أين وجدتها؟”، وبعدما أخبرتها وضعت السكين على الطاولة ثم ذهبت إلى الغرفة الأخرى لتكمل تنظيفها. بينما كنت أنتهي من تنظيف المطبخ تذكرت أمرًا حدث قبل أربع سنوات ويفسر سبب وجود السكين تحت الثلاجة.

‎كنا وقتها قد تناولنا عشاءً كبيرًا وشربنا عدة كؤوس من النبيذ. أطفأنا جميع المصابيح وخلعنا ملابسنا ثم ذهبنا إلى السرير وخلنا أننا سنمارس الحب، لكن حدث أمر ما وتجادلنا بينما كنا نتضاجع، ولم يحدث ذلك من قبل. صرنا غاضبين للغاية، وقلت كلمات مؤذية جدًا لحبيبتي. حاولت أن تركلني في السرير فنهضت وذهبتُ إلى المطبخ. كنت أتحسس مكان الكرسي وجلست. أردت أن أريح ذراعيّ على الطاولة ثم أضع رأسي عليهما، لكني أحسست بالأطباق المتسخة وهي تعترض مكان يدي، فاستشظت غضبًا وسحبت كل ما في الطاولة على الأرض. كان الضجيج عاليًا لكن المكان صار هادئًا للغاية. فغمرني حزن مفاجئ وظننت أني أتلفت كل شيء. شرعتُ بالبكاء. أتتْ حبيبتي إلى المطبخ وسألت عمّا إذا كنتُ بخير. أجبتها بـ”نعم” ثم أدرت المصابيح ونظرنا إلى أرضية المطبخ. لم ينكسر الكثير لكن الأرض كانت متسخة للغاية. ضحكنا وعدنا إلى السرير ومارسنا الحب. في الصباح نظفنا الفوضى، لكن من الواضح أننا قد نسينا السكين.

‎كنت على وشك أن أسأل حبيبتي حول ما إذا كانت تتذكر تلك الحادثة حين أتت من الغرفة الأخرى وأخذت السكين من الطاولة ورمتها تحت الثلاجة دون أن تنطق بكلمة.

ترجمة: راضي النماصي

أصدقاء – لوسيا برلين

أصدقاء، لوسيا برلين (1936 – 2004)

ترجمة: راضي النماصي

من مجموعة «دليل لعاملات التنظيف: قصص مختارة» والحائزة على ميدالية كاليفورنيا الذهبية للنثر القصصي 2015.

t-lucia-berlin-death-dave-cullen

      قابلتْ لوريتّا كلًا من آنّا وسام في اليوم الذي أنقذت به حياة سام.

      كان كل من آنّا وسام مسنّين، هي في الثمانين من العمر وهو في التاسعة والثمانين؛ وكانت لوريتا ترى آنّا من حين لآخر حين تذهب للسباحة في حوض جارتهما إيلَين. وقفت ذات يوم بالقرب من المرأتين وهما يقنعان ذلك العجوز كي يسبح، وقد فعل ذلك، في النهاية، بطريقة تشبه الكلاب وبتكشيرة على وجهه إثر نوبة صرع انتابته، بينما الأخريات على سطح الجهة المقابلة ولم يلاحظْنَ ذلك، فقفزت لوريتا بملابسها وسحبته إلى سلم المسبح ومنه إلى الخارج. لم يحتج إلى إنعاش لكنه كان حائرًا ومرعوبًا، تناول مما لديه من بعض الأدوية التي يأخذها لأجل الصرع وساعدوه ليتجفف ويلبس بعد ذلك. جلسوا كلهم لفترة حتى تأكدوا أنه بخير ويستطيع المشي إلى بيتهما.. هناك على آخر الناصية. واصلت آنّا مع سام شكر لوريتا لإنقاذ حياته، وأصرا أن تأتي إلى الغداء في اليوم التالي.

      تصادف أنها لن تعمل خلال الأيام المقبلة، فقد أخذت إجازة بدون راتب لثلاثة أيام لأن هناك العديد من الأمور التي يجب أن تقوم بها. كان الغداء معهم يعني العودة من المدينة إلى بيركلي على طول الطريق، وأن كل شيء لن ينتهي خلال يوم واحد.. كما خططت مسبقًا.

      غالبًا ما شعرت بعجزها في مواقف كهذه، من تلك التي تجعلك تحدث نفسك بأشياء من نوع “يا ربي، هذا أهون شيء أقدر عليه، إنهم لطفاء للغاية” وما لم تقم بذلك شعرت بالذنب وإن قمت بذلك تحس بأنك ضعيف الشخصية.

      نزعت عن نفسها ذلك المزاج السيئ في اللحظة التي دخلت شقتهما. إذ كانت مشمسة ومفتوحة مثل بيت في المكسيك حيث عاشا معظم حياتهما هناك. كانت آنّا عالمة آثار وسام مهندسًا، وقد عملًا سويًا في تيوتيهواكان ومواقع أخرى، مما ملأ شقتهما بالخزف الفاخر والصور لتشكّل مكتبةً رائعة. في الأسفل حيث الباحة توجد حديقة خضار كبيرة وعدة أشجار فواكه وعناقيد توت. ودهشت لوريتا أن هذا الثنائي الهش والأشبه بزوج عصافير فعلا بكل ذلك وحدهما، لأنهما يستعينان بالعصا ويمشيان بصعوبة شديدة.

      كان الغداء عبارة عن شطائر جبن محمصة وحساء جايوت وسلطة من خضار الحديقة. قامت آنّا وسام بتجهيزه مع بعضهما وأعدا الطاولة وقدما الغداء كليهما أيضًا.

      لقد قاما بكل شيء معًا طوال خمسين عامًا، وكان أحدهما بمثابة صدىً للآخر أو يقوم بإكمال الجملة التي بدأها مثل التوائم. مر العشاء ببهجة بينما يخبرانها، بمكبر صوت، عن بعض تجارب العمل في الهرم بالمكسيك وعن شيء من الاكتشافات التي عملا بها. كانت لوريتا مندهشة بهذين العجوزين وبحبها المشترك للموسيقى والاعتناء بالحدائق وبمرحهما تجاه بعضهما، وكانت مذهولة من مقدار انخراطهما في الأنشطة المحلية والوطنية، وبذهابهما إلى المسيرات والمظاهرات وبمراسلاتهما لرجال مجلس الشيوخ ورؤساء التحرير وكيف يجريان المكالمات الهاتفية. إنهما يقرآن ثلاث أو أربع أوراق بحثية كل نهار، وفي الليل يقرآن الروايات أو كتب التاريخ لبعضهما.

      بينما كان سام يخلي الطاولة بيدين مرتجفتين، قالت لوريتا لآنّا عن كونها محسودة على رفيق بهذا القرب طوال العمر، فقالت آنّا: “نعم، لكن قريبًا سيرحل أحدنا..”

      كانت لوريتا لتتذكر هذه الجملة بقدر أكبر لاحقًا وتتساءل عما إذا كانت آنّا قد صادقتها كبوليصة تأمين حياة حين يموت أحدهما. لكنها حدثت نفسها نافية: “لا. الأمر أبسط من ذلك”. إذ أن الاثنين كانا مكتفيين بذاتهما وتجاه بعضهما طوال حياتهما، لكن سام بدأ يصير الآن شارد الذهن ومشوشًا في بعض الأحيان.

      كان يكرر نفس القصص مرارًا وتكرارًا. وعلى الرغم من أن آنّا كانت صبورة عليه دومًا، إلا أن لوريتا شعرت بأن آنّا سعيدة لوجود شخص آخر تحادثه.

      ومهما كان السبب، فقد وجدت لوريتا نفسها منخرطة في حياة سام وآنّا أكثر فأكثر. فلم يستطيعا قيادة السيارة مجددًا. في بعض الأحيان كانت آنّا تتصل على لوريتا كي تطلب منها أن تأخذ نبتة إسفغنون حين تغادر أو لتأخذ سام إلى طبيب العيون. وفي البعض الآخر كانا يعجزان حتى عن الذهاب للمتجر، فتتبضع لوريتا الأغراض لهما. لقد أحبتهما وشعرت بالتقدير تجاههما. وبما أنهما يبدوان متلهفين جدًا للقاء أصحاب، فقد ذهبت للعشاء عندهما مرة في الأسبوع أو كل أسبوعين كحد أقصى. طلبت منهما في مرات قليلة أن يأتيا عندها للعشاء، لكن كانت هناك العديد من الدرجات للصعود وقد انتهيا العجوزان منهما مرهقين لدرجة أوقفتها عن فعل ذلك مجددًا. ولذلك كانت تجلب سمكًا أو دجاجًا أو طبق معكرونة إلى بيتهما وهما يعدان سلطة ويقدمان توتًا من الحديقة للتحلية.

      بعد العشاء يجلسون على الطاولة أمام أكواب من الشاي بالنعناع أو الشاي الجامايكي بينما يحدثهما سام بقصص جرت حين أصيبت آنّا بشلل الأطفال، وذلك في حفرة عميقة بغابة يوكاتان، وكيف نقلوها إلى المستشفى وعن لطف الناس فيه؛ وكذلك عن المنزل الذي بنياه في تشالابا؛ وعن زوجة العمدة حين كسرت رجلها بسبب خروجها من النافذة لتتجنب أحد الزوار. كانت قصص سام دائمًا ما تبدأ بجملة: “هذا يذكرني بالمرة التي…”

      عرفت لوريتا تفاصيل حياتهما شيئًا فشيئًا. عن بداية الغزل بينهما على قمة جبل تام[1]، وعن غرامهما في نيويورك حين كانا شيوعيين، وعن انغماسهما في الخطيئة. فهما لم يتزوجا أبدًا، لكن ما زالا يشعران بالارتياح في هذا التحرر، وقد أنجبا صبيين وهما يعيشان الآن في مدن بعيدة. كانت هنالك أيضًا قصص عن المزرعة الكبيرة قرب بيغ سور حين كان الأطفال صغارًا. وبينما تصل القصة إلى النهاية كانت لوريتا تقول: “أكره المغادرة، لكن عليَّ النهوض للعمل باكرًا.” ثم تغادر في حينها. وبالرغم من ذلك كان سام غالبًا يقول: “فقط دعيني أخبرك ما جرى للفونوغراف الآلي.” لتقود سيارتها مرهقة بعد ذلك بساعات إلى منزلها في أوكلاند وهي تحدث نفسها بأنها لن تستمر بفعل ذلك، أو أنها ستذهب مجددًا لكن لوقت معلوم ومحدد.

      ليس الأمر أنهما كانا مملين أو غير مثيرين للاهتمام. على النقيض، لقد عاش هذا الثنائي حياة غنية وممتلئة وهما ينخرطان فيها بانتباه كامل. كانا مهتمين للغاية بهذا العالم، بماضيهما. أمضيا وقتًا طيبًا بالفعل وكل منهما يضيف إلى ما يتحدث به الآخر ويتجادلان حول التفاصيل والتواريخ.. لدرجة أن لوريتا لم تملك أن تقاطعهما وتغادر، وقد جعلها الذهاب إلى هناك سعيدة لأنهما كانا فرحين للغاية برؤيتها. لكنها شعرت في بعض الأحيان أنها لا ترغب بالذهاب مجددًا، وذلك حين تكون متعبة جدًا أو لديها شيء آخر لتفعله. قالت آنّا ذات مرة: “تعالي يوم الأحد خلال الفطور أو الغداء.”

      لما صار الجو صحوًا أكلوا على طاولة في شرفة منزلهما وهم محاطون بالزهور والنباتات، بينما أتت مئات الطيور إلى أحواض الطعام قربهم مباشرة. وحين صار أبرد أكلوا في الداخل بالقرب من فرن حديدي ومحشو بحطبات قطعها سام بنفسه بينما توجد قطع وافل أو أومليت سام المميز، وفي بعض الأحيان تحضر لوريتا بعض البيغل والسمك المدخن. مضت ساعات – بل اليوم بأكمله – عندما انتهى سام من حكي قصصه وآنّا تصححها وتضيف التعليقات عليها. في بعض الأوقات، كان من الصعب البقاء مستيقظًا تحت ضوء الشمس في الشرفة أو قرب نار الفرن.

      كان بيتهما في المكسيك مصنوعًا من الطابوق الخرساني، لكن الأعمدة والواجهة والشرفات من خشب الأرْز. في البدء بُنيت المساحة الكبيرة بما فيها من مطبخ وغرفة معيشة، وقد زرعا الأشجار – بالطبع – حتى قبل بناء المنزل من موز وخوخ وجاكاراندا. في العام التالي أضافا غرفة نوم، وبعد ذلك بعدة أعوام غرفة أخرى باستوديو لآنّا، وقد صُنعت الأسرة والمكاتب وطاولات العمل من خشب الأرْز. كانا يأويان إلى بيتهما الصغير بعد العمل في الحقل الذي يقع في.. ولاية أخرى بالمكسيك، أما البيت فبارد دومًا ويعبق برائحة الأرز كما لو أنه صندوق كبير.

      أصيبت آنّا بالتهاب رئوي ووجب أن تذهب للمستشفى، وعلى المرض الذي ألم بها ما كانت تفكر إلا بسام وكيف سيعيش بدونها. فوعدتها لوريتا أنها ستمر عليه قبل العمل وترى ما إذا تعاطى أدويته وفطوره، كما أنها ستطبخ له العشاء بعد العمل وتأخذه للمستشفى كي يزورها.

      الأمر المريع هو أن سام لم ينطق. كان يجلس مرتعشا على حافة السرير بينما كانت لوريتا تساعده على اللباس. أخذ أدويته وشرب عصير الآنّاناس بشكل آلي، ومسح ذقنه باهتمام بعدما أكل فطوره. وحين تصل في المساء كان يقف في الشرفة وهو ينتظرها. أراد أن يذهب لرؤية آنّا أولًا ثم يتناول العشاء. وعندما وصلوا إلى المستشفى، كانت آنّا ترقد شاحبة بينما شعرها الطويل الأبيض منسدل للأسفل كفتاة صغيرة، وعليها المغذي وتحتها المبولة وقربها أسطوانة أوكسجين. لم تنطق بشيء، لكنها تبسمت وأمسكت رأس سام بينما حدّثها عن غسيله لملابس كثيره وسقْيه للطماطم وتغطيته للفول وغسيله للأطباق وصناعته الليموناضة. استمر في حديثه لها – دون انقطاع – وهو يخبر عن كل ساعة في يومه. وحين غادرا كان على لوريتا أن تمسكه بشدة، فقد كان يميل ويتعثر بينما يمشي. في السيارة بكى بينما قفلا عائدين، فقد كان قلقًا، لكن آنّا عادت إلى المنزل وهي على أتم حال عدا الكثير مما يجب فعله في الحديقة. في يوم الخميس بعد الفطور المتأخر، ساعدت لوريتا في الغرس بالحديقة وقطع عذوق التوت الأسود، وكانت قلقة في ذلك الوقت، فماذا لو أن آنّا قد مرضت بشدة؟ وما الذي كانت تمثله هي بهذه الصداقة؟ لقد أثر اعتماد هذين الزوجين على بعضهما وضعفهما في لوريتا وأحزنها. خطرت تلك الأفكار في رأسها بينما تعمل. بيد أن الوضع برمته كان جميلًا، بتلك التربة السوداء الباردة وأشعة الشمس وبِسَام وهو يقول قصصه حين زرع في صف الحُفَر الموازي.

      في الأحد التالي ذهبت لوريتا إلى منزلهما متأخرة، فقد نهضت مبكرة ولديها الكثير من الأعمال لتقوم بها. أرادت حقًا أن تبقى في المنزل، لكن قلبها لم يطاوعها على الاتصال وإلغاء الموعد.

      الباب الأول لم يكن موصدًا – كالعادة –، لذا فقد ذهبت إلى الحديقة ومنها لتصعد في السلالم الخلفية. مشت في الحديقة كي تنظر حولها، وقد كانت زاخرة بالطماطم والكوسا والفاصولياء والنحل الذي يطوف وَسِنًا بها. كان كلٌ من آنّا وسام في الشرفة بالأعلى. وأرادت لوريتا أن تناديهما لولا أنهما كانا يتحدثان بانشغال تام.

      “لم تتأخر من قبل إلى هذا الحد. ربما لن تأتي.”

“آه، ستأتي… فهذه الصباحات تعني لها الكثير.”

“يا للسوء، إنها وحيدة للغاية وتحتاجنا. نحن حقًا عائلتها الوحيدة.”

“إنها تستمتع بقصصي حتمًا. تبًا. لا أستطيع التفكير بقصة واحدة كي أحكيها لها اليوم.”

“ستَرِدُ إحداها لك..”

      “مرحبًا”، هتفت لوريتا، “هل من أحد في المنزل؟”

[1] Mount Tam جبل تام يقع في ولاية كاليفورنيا – المترجم.

9781250094735

 

«هدام».. ما بناه الإنسان وما بُني عليه

           بشكل عام، نحن نولد وفي جعبتنا أجوبة معدة سلفًا، وهذه الأجوبة لا تأتي سوى من حكايات نسمعها عن أهلنا وهي التي شكّلت هوياتنا بأبعادها (وأهمها الفكرية). ومن هنا تأتي أحد أوجه قوة وأهمية فن السرد وتحديدًا الرواية – في نظري –، إذ أنها تستعين بالحكاية وتمدّداتها من أجل أن تساءل وجودنا كبشر وما قد نكون عليه إن أتانا ما لا نستطيع إيقافه، سواء كأفراد أو كجماعات.

          يخلط فهد الفهد في باكورة أعماله «هدام» (دار أثر، السعودية – 2016) بين الدستوبيا وقدر من الفانتازية ليبيّن سقوط الإنسان المعاصر ما إن يغيب النظام “كفكرة”، ويمكن استدعاء الأخلاق – على سبيل المثال – هنا كنظام فضلًا عن النظام السياسي الحاكم. يأتي مطر جارف لأيام على مدينة خليجية معاصرة دون إغاثة من الخارج، ينقسم الناس في تأويله كما ينقسمون في تأويل أي شيء، لكن في نظام غائب يمتد الاختلاف إلى القتل والسبي والتنكيل بعد أن كان أقصى مداه لا يتعدى عراكًا في مجلس بالإضافة إلى شتيمتين.

          اللغة متقشفة إلى قدر ما مع غياب تام للعنصر النسائي (وهذه سخرية ذات ذكاء مرعب من فهد تجاه حال المرأة في الخليج)، حتى زوجة ماجد كانت تسمى بحالتها الاجتماعية. لا يوجد ما يستدعي المحسنات البلاغية أو الاستعارات في هذه الحال، العاقل – لا بل الناجي – من نأى بنفسه عن الناس وابتعد كما في أحد الحكايات التي يرميها الراوي. تقسيم الفصول حسب مراحل المطر، وبالتالي تسارع الأحداث، واستخدام الراوي العليم أضفيا على الرواية ميزات لا تقدر بثمن، الفنتازيا في ابتعاد النظام وتسمية فريقي النعميين والنقميين بشكل كاريكاتوري كانت تحوي قدرًا من السخرية تجاه الأنظمة المستحدثة اجتماعيًا وتراتبياتها. كما كانت النهاية المفتوحة ضرورية أيضًا بسبب أن الاحتمالات على ذلك الحال لا تعد ولا تحصى، لأن بغياب العقل الجمعي لا يمكن التنبؤ بتحرك محدد وبالتالي بنهاية معينة، كل ما نستطيع فعله هو متابعة حركة التاريخ ومشاهدة من سيربح ورجاء السلامة لمن نحب، لكن يجب أن يحكي أحدهم ما جرى بأكمله كي لا يتكرر خطأ البشرية الأزلي، كتابة التاريخ بقلم المنتصر.

          رواية أولى موفقة من فهد، وننتظر جديده على الدوام.

c2i-blsxcaazhks