هذه ليست نهاية الكتاب؛

13876197_829358347195512_3896844723033347788_n

      عنوان شيّق وجذاب لحوار أجراه جان-فيليب دي توناك بين أمبرتو إيكو وجان-كلود كارييه على أكثر من ٣٠٠ صفحة حول طبيعة الكتب وأهميتها للمجتمع وهوس اقتنائها (ببليومانيا) وتاريخ إتلافها وإمكانية بقائها في الحقبة الالكترونية التي نعيشها الآن وأهمية الكتب الورقية كقطع فنية، بالإضافة لتاريخهما الشخصي حول الكتب التي اقتنوها والتي باعوها والتي يودون امتلاكها لاحقًا. لا يخلو هذا الحوار الطويل من المتعة والظرف بجانب الثقل التاريخي والفكري في مناقشة تلك المواضيع بين الشخصين، إذ أنه حوار متبادل وليس استجوابًا لواحد منهما.

          كان الكتاب من أجمل ما قرأت مؤخرًا، وسأعكف على ترجمته على شكل حلقات قد تطول في المدونة أو غيرها:)

      من باب التعريف، جان-كلود كارييه هو كاتب سيناريو فرنسي كبير وروائي وممثل حائز على عدة جوائز أوروبية وعالمية. شارك بكتابة السيناريو والتمثيل في عدة أفلام مع لويس بونويل وعباس كياروستامي وفيليب كوفمان وفيرناندو ترويبا وعتيق رحيمي، بالإضافة للفيلم المقتبس من رواية “الطبل الصفيح” للألماني غونتر غراس وفيلم “خفة الكائن التي لا تحتمل” المقتبس من رواية التشيكي-الفرنسي ميلان كونديرا. وهو زوج الكاتبة نهال تجدد التي ترجم لها الأستاذ خالد الجبيلي مؤخرًا رواية “الرومي: نار العشق” الصادرة لدى منشورات الجمل ببيروت.

      أمبرتو إيكو هو…. لا حاجة للتعريف به 😀

حرب المهرجين – ميا كوتو

كنت أنوي تقديم الكاتب – بحكم أن هذا هو أول نص مترجم له – لولا أن المكتوب عنه باللغة العربية جيّد لأخذ صورة كاملة عنه. الغريب أن نتاجه لم يترجَم حتى الآن.

أترككم مع القصة. قراءة ممتعة!

حرب المهرجين (قصة) – ميا كوتو

ترجمة: راضي النماصي

mia-couto-headshot

        نشب جدال بين مهرجَين ذات مرة، وتوقف الناس متفكهين لمشاهدتهما.

        سألوا: “ما الأمر؟”

  • “لم (السؤال)؟ إنهما مهرجان يتجادلان فقط.

        من سيأخذ أمرهما بجدية؟ تبادل الكوميديان الردود بينهما بسرعة وبشكل سخيف، وكان جدالهما لا يستند لمنطق. كان الموقف برمته حماقة، ومضى يومٌ بأكمله.

        بقي المهرِّجان في اليوم التالي وهما يحاولان غلب بعضهما بشكل بغيض. بدا حتى كأن شراب اليكة بينهما على هذا الحال سيحمض. كان من يحضر في تلك الأثناء من الناس ذلك الموقف سعيدًا بالمشهد التنكري، وبدأ كل منهما يزيد إهاناته سوءًا بإشارات منتقاة بعناية لتؤذي الآخر. ولكون المارين يعتقدون بأن هذا مجرد عرض، فقد كانوا يتركون بعض القطع النقدية على جانب الطريق.

        على أي حال، في اليوم الثالث وصل الأمر لاستخدام القوة. استحال صفيرهما إلى فوضى، وكانت الركلات المتبادلة تصيب الهواء أكثر من الأجساد. ابتهج الأطفال وهم يقلدون صفير كلا البهلولين، وضحكا على المغفلين بينما يتعثر كلٌّ منهما بهم، وأراد الفتية أن يردا جميل المهرجين.

  • “أبي، أعطني بضعة قطع نقدية كي أتركها على جانب الطريق.”

        زاد الوكز والصفير بشكل أسوأ في اليوم الرابع، وبدأ وجها المهرجين بالنزيف تحت المكياج. بدأ بعض الأطفال يشعر بالخوف. هل كان ذلك دمًا حقيقيًا؟

        هدَّأ الآباء من روعهم قائلين: “لا تذعروا. ليس أمرًا خطيرًا”.

        أصيب البعض بسبب لكمة خاطئة، ولكن لم تعتبر سوى جرعة صغيرة لزيادة الضحك. تزايد الناس ليشهدوا ما يحدث.

  • “ما الذي يجري؟”

        لا شيء. مجرد خلاف على الحساب ولا تستحق أن يُفرّق بينهما. سيتعبان. لا شيء سوى بعض التهريج هنا.

        على أي حال، تسلّح أحد المهرجين في اليوم الخامس بعصا، وغلب خصمه بتصفيرٍ أطاح بشعر الآخر المستعار. شعره المستعار. تدجج الآخر غاضبًا بمضرب مخصص للخبط ورد بالمثل. كانت العصيان تشق صمت الهواء وهما يهذيان ويتشلقبان. أصيب أحد الجماهير بالخطأ وسقط جثة هامدة.

        تصاعد بعض التوتر، وانقسم الناس. بدأ أرضا معركة بالتشكل شيئًا فشيئًا. تبادلت العديد من المجموعات الضرب، وما زال هناك ناس يصرعون.

        أتى أسبوع ثانٍ وسمع الجيران أن هناك هرجًا طفيفًا يجري حول مكان المهرجين، وقد شغل كامل الساحة ووجده الجيران مضحكًا. ذهب البعض إلى الساحة ليستقصي الأمر. رجعوا بقصص غاضبة ومتعارضة تخص كل واحد فيهم، واستمر الحي بالانقسام بسبب تلك الآراء المتضادة. اشتعلت بعض المعارك في بعض الأحياء.

        في اليوم العشرين سُمع دوي الرصاص. لم يتيقن أحد من أين أتت؛ من الممكن أن تكون قد دوت من أي مكان في المدينة. شرع أهل المدينة بتسليح أنفسهم. وبدت أصغر المجموعات مشتبهًا بها. انتشر إطلاق النار. بدأت الجثث بالتكدس في الشوارع. عم الإرهاب المدينة بأكملها، وسرعان ما بدأت المذابح.

        مات كل سكان المدينة مع بداية الشهر. كلهم ما عدا المهرجين. استيقظا في ذلك الصباح وجلس كل واحد منهما في زاوية، وقاما بالتخلص من لباسهما السخيف. نظرا إلى بعضهما وهما بحالة مزرية، وقاما بعناق بعضهما وهما يضحكان على الأعلام المرمية. جمعا القطع النقدية من جوانب الشوارع وهما يتشبثان ببعضهما ذراعًا بذراع. قطعا المدينة سويًا بحذر ألا يدوس أحدهما الجثث ومضيا للبحث عن مدينةٍ أخرى.

رسالة حول الكتابة – إيتالو كالفينو

رسالة لإيتالو كالفينو حول الكتابة

ترجمة: راضي النماصي

       هذه الترجمة مهداة إلى صديقي وأستاذي عبدالله ناصر، لكونه أول من عرفني على المدهش كالفينو. وعبدالله – بالمناسبة – قاص سعودي من الطراز الأول بمجموعته الجميلة (فن التخلي) الصادرة عن دار التنوير في بيروت.

 FullSizeRender (1)

إلى لويجي سانتوتشي – ميلان

سان ريمو، 24 أغسطس 1959

عزيزي سانتوتشي،

          منذ شهر وأنا أتجول حاملًا صراخك التنبيهيَّ في بالي بينما أرتب الأفكار الرئيسية لردي عليك، ولكن لكتابة رسالة – كما تقول بطريقة أؤيدها – فالمرء يحتاج عطلة؛ وليست عطلة عادية – إن كان امرؤ ما يسكن على الشاطئ – بل مطرًا ومدًا بحريًا غزيرًا كي يحبسني في البيت. إن كان هذا التأجيل هو ما قاد لكتابة رسالتك الراقية والمنعشة، والتي وهبت روحي متعة كبيرة بمجرد أن عرفت أنها منك.. فيمكن لك أن تتخيل كيف شح خيالي هذا الصيف، فأنت تعلم كم من العمل والسخط والبناء والشك الذي يكتنف مثل هذا العمل.

          على أي حال فإن هذا العمل يستحق كل ذلك – وهنا ما يهم –، أو يمكن أن نقول بأن المرء لا يسأل عم إذا كان هذا العمل يستحق. فنحن أناس نوجد فقط إذا ما كنا نكتب، وإلا فنحن لن نوجد على الإطلاق. وحتى إن لم ننل قارئًا واحدًا، فسيتوجب علينا أن نكتب؛ وهذا الأمر ليس لأن ما نقوم به وظيفة فردية، فهو – على النقيض – حوار نكون أحد طرفيه بينما نكتب، مجرد خطاب جاد، لكن يمكن أن يفترض هذا الحوار  بأنه يحري مع كتّابٍ نحبهم ويقودنا النقاش معهم إلى أن نطور أنفسنا، أو مع من لم يأت بعد ونحن نجول بينهم لكي نجد طريقتنا التي تميزنا. أنا أبالغ: فلتكن السماء بعون من يكتب دون أن يقرأه أحد؛ لأن هناك الكثير ممن يكتبون لهذا السبب، ولا يستطيع الواحد منا الحِلْم على من لديه القليل ليقوله، كما لا يستطيع السماح بتكوين نقابة كتّاب أو المتاجرة بمشاعره.

          لا تزعجني مهاجمة الكتاب والنقاد لكمِّ الكتابة والنشر الهائلين التي تحدث هذه الأيام. ربما يخطؤون ما يرمون إليه وما يختارونه، ومشكلتهم هي هذه تحديدًا، أنهم يقومون بهذا العمل المفيد جدًا بشكل خاطئ، أي إتلاف وتثبيط الآمال والطموحات المفرطة. (من يتحدث إليك هو شخص يقوم في عالم النشر بتشجيع الكتّاب الشباب، وهذا أمر ضروري بالتأكيد؛ وما هو ضروري بقدره في مرحلة لاحقة هو تثبيط تسعة وأربعين كاتبًا من الخمسين الذين شجعهم.)

          وما يزعجني أكثر هم أولئك الذي ينظرون للرواية على أن تكون بهذا الشكل أو ذلك، أو أن ذلك الشخص يجب أن يكتب الرواية… إلخ. فليذهبوا إلى الجحيم! يا للطاقة المهدورة في إيطاليا من أجل محاولة كتابة الرواية التي ترضي جميع القواعد. كان من الممكن أن تفيد تلك الطاقة في إنتاج أشياء أكثر تواضعًا وأصالة ولديها ظهور أخف: قصص قصيرة، مذكرات، ملاحظات، شهادات… أو أي كتاب مفتوح بأي مستوى، دون خطة مسبقة.

          أؤمن بالسرد شخصيًا لأن القصص التي أحبها هي التي تشتمل على بداية ونهاية، وأحاول كتابتها بأفضل ما تأتي به إلي بناءًا على ما يجب عليَّ قوله. نحن في فترة يمكن للفرد بها أن يقوم بأي شيء في الأدب، وخصوصًا في الكتابة القائمة على الخيال بشكل مطلق، وكل الأساليب والطرق في هذا الوقت متاحة. ما يوده العامة (وكذلك النقاد) هو الكتب (الروايات “المفتوحة”) الغنية بالإثارة والكثافة والعناصر…

          أنتظر المطر القادم وردك في هذا الحوار. أطيب الأماني.

          كالفينو.

 

لماذا أكتب؟ – يونغ تشانغ

فرغت صباح اليوم من قراءة الرواية السيرية (بجعات برية) للكاتبة البريطانية من أصل صيني يونغ تشانغ، وربما تكون أحد أجمل قراءات هذا العام.

تمرر يونغ في هذا الكتاب تاريخ المجتمع والدولة في الصين منذ نهاية القرن التاسع عشر، وذلك عبر سيرتها الذاتية وسيرة أمها وجدتها.

يندرج ما فعلته تشانغ في نوع مما أسميه “التأريخ الشعبي”، وهذا النوع يجمع بين حميمية المذكرات وتوثيق التغير الاجتماعي والسياسي الذي حدث لشعب المليار ونصف، وذلك دون الاكتفاء ببعض الالتقاطات أو النظر من الخارج كما يفعل هاوارد زن أو إدواردو غاليانو أو سفيتلانا ألكسيسفيتش – البيلاروسية النوبلية هذا العام.

يمتع هذا الكتاب القارئ العادي ويثير أقصى المشاعر المتنوعة مع شخصياته، ويفيد الباحث في علم الاجتماع فيما يتعلق بتشكل الظواهر والقوانين، ويثري المؤرخ عبر قيمته المعرفية العالية.

أختم بالقول أن ما جرى للبجعات الثلاثة في هذا الكتاب فظيع بكل المقاييس.

توصية لأصحاب النفس الطويل.

وكنوع من الامتنان، ترجمت مقابلة للمؤلفة حول الكتابة.
قراءة ممتعة.

لماذا أكتب؟ – يونغ تشانغ

ترجمة: راضي النماصي

 

p2898301a638302591

لماذا أكتب؟

الكتابة هي أكثر شيء يمتعني، فهي تمتصني تمامًا، وتهدؤني كما لا يفعل غيرها.

هل تكتبين كل يوم؟ إذا كنت كذلك، فكم ساعة تقضينها؟

كل يوم تقريبًا حينما أكون في لندن، وبأطول قدر ممكن.

أسوأ مصدر للتشتيت؟

الترحال. لكنه متعة بحد ذاته.

أفضل مصدر للإلهام؟

الوثائق التاريخية.

كيف تتغلبين على حبسة الكاتب أو الشك الذي يعتريك حول قدراتك؟

شعرت بالضياع بعدما كتبت مع جون هاليداي سيرة “ماو: القصة المجهولة” وترجمتها إلى الصينية وقيدت الملاحظات بها في نهاية عام 2007. لم أعتقد أني سأجد موضوعًا أخاذًا بقدره، لكني – ويا للسعادة – وجدت ما أكتبه عن تسيشي، إمبراطورة الصين الأرملة (1835-1908)، والتي كانت ملفتة للإنتباه.

هل هناك كاتب معاصر لا تفوتين جديده؟

إن كنت تقصد كاتبًا أتابع ما يصدره باستمرار فهو المدون القاطن في شانغهاي هان هان.

كاتبك الصيني المفضل؟

آيلين تشانغ.

أفضل كتاب عن الصين؟

الأرض الطيبة. إنه أحد أفضل الكتب بالتأكيد.

كتابك المفضل؟

أكن لكتاب “الحب الأول” لتورغينيف منزلة خاصة، فقد قرأته إبان الثورة الثقافية عام 1969 حين تم نفيي إلى جبال نينغان، والتي تقع جنوب سيشوان. اشترى أخي ذلك الكتاب مع المئات من الكتب الكلاسيكية الصينية والأجنبية التي نجت من محرقة “الثقافة” وبيعت في السوق السوداء في شينغدو. وكفتاة بعمر السابعة عشر، فقد وقعت في غرام تلك النوفيلا، وحفظت العديد من فقراتها عن ظهر قلب.

كاتبك المفضل؟

الوحيد الذي منحني متعة لا توصف حين أعدت قراءته هو فلاديمير نابوكوف.

ما هو الكتاب الذي توجَّب عليك قراءته ولكنك لم تفعلي؟

يوليسس.

بم تفكرين حينما تعودي بالزمن إلى أول ما نشرت في الماضي؟

“واو. هل كنت أعلم كل ذلك؟”. كان أول ما نشرته هو مقال حول اللسانيات، والتي كنت أدرسها خلال مرحلة الدكتوراة.

هل تغير الكتابة شيئًا؟

نعم، غيرت حياتي.

تأملات بول أوستر حول القراءة والكتابة

جزء من حوار الكاتب الأمريكي بول أوستر مع موقع BigThink.

ترجمة: راضي النماصي. 

س: كيف يقرأ الشخص مثل كاتبٍ جيّد؟

ج: حسنًا، نحن نصل هنا مرة أخرى إلى منطقة ضبابية وغير محددة، وذلك لأن الأمر يتعلق بالذوق الشخصيّ لكلّ فرد. أقصد بأن لديّ كتّابي الذين أمنحهم أقصى اهتمامي، وأعتقد بأنهم أفضل من كتب ويكتب حتى الآن. ولكنّي أعتقد أن قائمتي ستكون مختلفة عن قوائمكم. أهم شيء بالنسبة للكاتب الشاب هو أن يقرأ، ويقرأ بالذات للروائيين العظماء. أظن بأنّي أعني بكلمة “عظماء” أولئك الذين صمدوا أمام تحدّي الزمن، وأنتم تعلمون أولئك العظام جيّدًا، مثل هاوثورن، وميلفيل، ودوستويفسكي، وتولستوي، وكافكا، وديكنز. هؤلاء هم من أعتقد أنّ الشخص يستطيع جني أغلب الفائدة منهم. تستطيع أن ترى كيف يفعلون كلّ ذلك ببراعة، ولا أنسى فلوبير أيضًا ضمن أولئك الكتّاب. كل أولئك بقوا في تلك المنزلة لسبب، وهو أنهم بالفعل أفضل من يكتب. وأعتقد بأن على الشباب أن يتعلموا من الأفضل.

س: ما هو الفخ الشائع الذي يقع فيه المؤلفون الشباب؟

ج: أعتقد أن الفخ الذي يقع فيه أغلبهم هو نوعٌ من الغرور والاعتداد بالذات، وعدم القدرة على النظر خارج أنفسهم. أؤمن بأن من المهم أن ينظر الفرد إلى العالم عن كثب، وأن يرى الأحداث التي تجري من حوله، وهذا شيءٌ يصعب على غالبية الشباب.

وهناك فخ آخر يتمثل بكون الشباب يتمسكون بما يعتقدون أنه من الذكاء فعله. أعتقد بأنه ربما للذكاء مناطقه ومكانه في العالم، ولكن الحاجة المتأججة للكتابة هي ما تصنع العمل الجيد. فالأمنيات لا تساعدك. الكتابة تتحقق عندما تكون حاجة ملحة.

لذلك عندما أتحدث للكتّاب الشباب أقول لهم بألا يفعلوا ذلك. لا تكونوا مؤلفين. إنها طريقة فظيعة للعيش، ولن تنالوا منها إلا الفقر والعزلة والتجاهل. لكن إن كنتم تريدون ذلك، وهذا يعني أنكم توّاقون حقًا لفعل الكتابة، فتقدموا واكتبوا؛ لكن لا تتوقعوا أي شيءٍ من أحدٍ ما. لا يدين لك العالم بشيء ولم يطلب منك أحد أن تكتب. أفترض أن الشعور بالإنجاز هو ما يدفع الشباب للاعتداد بما يكتبون واعتقاد أنهم يستحقون العيش على ما يكتبونه، والأمر لا يجري كذلك.

tumblr_mdng0jsckl1rk8vlzo1_1280

آخر ليلة في العالم – راي برادبري

ray-bradbury

آخر ليلة في العالم – راي برادبري

ترجمة: راضي النماصي

 

  • “ماذا ستفعلين لو علمتِ أن هذه الليلة هي آخر ليلة في العالم؟”
  • “ماذا سأفعل؟ هل أنت جاد؟”
  • “نعم.”
  • “لا أعلم. لم أفكر بذلك من قبل.” قامت بإدارة مقبض إبريق القهوة تجاهه ووضعت الفنجانين على طبقيهما.

سكب بعض القهوة. كان صوت الفتاتين الصغيرتين مسموعًا بينما يلعبن بقطع التركيب على سجادة الصالة تحت ضوء السُّرُج الخضراء، وكانت رائحة القهوة المسكوبة في الأكواب تتصاعد بوضوح في الهواء ذلك المساء.

قال: “حسنًا، من الأفضل أن نبدأ بالتفكير في ذلك.”

ردت زوجته: “أنت لا تعني ذلك حتمًا؟”

أجاب بالإيماء.

  • “حرب؟”

هز رأسه.

  • “ليست قنبلة ذرية أو هيدروجينية؟”
  • “لا.”
  • “ولا حربًا جرثومية؟”

رد بينما يحرك قهوته ببطء وينظر إلى سوادها بعمق: “ليس أيًا من ذلك.. ولكن فقط، لنقل عبر إغلاق كتاب.”

  • “لا أظن أني فهمت.”
  • “ولا أنا كذلك صدقًا، فهو مجرد شعور؛ في بعض الأحيان يرعبني، وفي بعض الأحيان لا أشعر تجاهه سوى بالسلام.” لمح الفتيات بينما يشع شعرهن الأصفر على ضوء المصباح وأخفض صوته. “لم أخبرك بأي شيء، فقد بدأ الأمر منذ أربعة ليالٍ تقريبًا.”
  • “ما الأمر؟”
  • “كان حلمًا. حلمتُ بأن كل شيء سيفنى، وأن هناك صوتًا يردد أن ذلك قد حدث. لا أستطيع تذكر لمن يعود ذلك الصوت، لكنه قال إن كل شيء سيتوقف هنا على كوكب الأرض. لم أفكر به كثيرًا في اليوم التالي، ولكني ذهبت إلى المكتب واستمر ذلك الشعور معي طيلة النهار. وجدت ستان ويليس بعد الظهر وهو ينظر خارج النافذة، فقلت هلّا أخبرتني بما تفكر به يا ستان؟ فأجاب بأنه قد حلم الليلة الماضية، وكنت أعرف ما هو ذلك الحلم قبل أن يحكي لي تفاصيله، وكنت أستطيع أن أقوله، بيد أني استمعت له وهو يخبرني.”
  • “هل كان نفس الحلم؟”
  • “نفسه. أخبرت ستان بأني حلمت بذات الحلم أيضًا، ولم يبد متفاجئًا. في الواقع شعر بالراحة. ثم ذرعنا بالمشي خلال المكتب فقط لأننا نريد ذلك. لم يكن مخططًا. لم نقل “فلنتجول.” فقط مشينا على سجيتنا، وكنا نرى أناسًا ينظرون لمكاتبهم أو أيديهم أو خارج النوافذ في كل مكان نزوره. تحدثت للبعض منهم، وكذلك فعل ستان.”
  • “وحلموا كلهم بذات الشيء؟”
  • “كلهم. نفس الحلم بلا فرق.”
  • “وهل تؤمن بأن ما فيه سيقع؟”
  • “نعم. لم أكن واثقًا أكثر من اليوم.”
  • ومتى سيتوقف؟ أقصد العالم.”
  • “بالنسبة لنا فسيتوقف خلال الليل، ومن ثم يتوقف حيثما يهبط. سيستغرق الأمر كله أربعًا وعشرين ساعة.”

ظل كوبا القهوة لوقت طويل دون أن يلمساهما. رفع كل منها كوبه وشرب بينما ينظر كل منهما للآخر.

قالت: “هل نستحق ذلك؟”

  • “الأمر لا يتعلق باستحقاق. ثمَّت أشياء لم تنجح فقط. لاحظت أنك لم تجادلي حوله حتى. لمَ لمْ تفعلي ذلك؟”
  • “أعتقد أن لدي سببًا.”
  • “نفس ما لدى كل من في المكتب؟”

أومأتْ ببطء. “لم أرد أن أقول أي شيء. حدث ذلك البارحة، وقد حكت النسوة في الحي عن ذلك بينهن اليوم. حلموا بذات الأمر، وظننت أنها محض صدفة.”، ثم قالت بينما تحمل الجريدة “لا خبر في الجريدة عن ذلك.”

  • “الجميع يعلم، فلا حاجة لذلك إذن.”

قال بينما يستند على كرسيه وهو ينظر إليها: “هل أنتِ خائفة؟”

  • “كلا. ظننت دومًا أني سأخاف من أمرٍ كهذا حتى الموت، لكني لم أخف.”
  • “إذن أين غريزة البقاء التي يتحدث عنها العلماء كثيرًا؟”
  • “لا أعلم. لا تشعر بالإثارة حين تحس بالأشياء وهي تحدث بشكل منطقي، وما يحدث الآن منطقي. لم يكن ليحدث غير ذلك بسبب الطريقة التي عشنا بها.”
  • “لم نكن بذلك السوء. هل كنا؟”
  • “لا، ولم نكن خيّرين جدًا. أعتقد بأن هذه هي المشكلة، فنحن لم نكن سوى أنفسنا بينما كان جزء كبير من العالم منهمكًا بفعل أمور كثيرة سيئة.”

كانت الفتيات تضحكن في الصالة.

  • “ظننت دومًا بأن الناس سيصرخون في الشوارع أثناء وقت كهذا.”
  • “لا أعتقد ذلك. أنت لا تصرخ حيال أمرٍ واقعي.”
  • “هل تعلمين؟ لن أفتقد أي شيء سواكِ أنت والفتيات. لم أحب المدن أو المصانع أو الآلات أو عملي أو أي شيء سواكُن. لن أفتقد أي شيء باستناء تغيرات الطقس – ربما – أو كوب ماء مثلج في القيظ، وربما سأفتقد رفاهية النوم. كيف يمكن لنا أن نجلس ونتحدث بهذه الطريقة؟”
  • “لأننا لن نستطيع فعل شيء آخر.”
  • “بالفعل. لو كان هناك ما يمكن فعله لكنا سنفعله. أعتقد أن هذه أول مرة يعرف بها الناس ما سيفعلون الليلة عبر التاريخ.”
  • “أتساءل عما سيفعله كل واحد الآن في هذه الليلة خلال الساعات القادمة.”
  • “الذهاب لمسرحية، الاستماع للمذياع، مشاهدة التلفاز، اللعب بالورق، وضع الأطفال في الأسرّة، الذهاب للسرير… كالعادة.”

جلسوا للحظة، وسكب لنفسه كوبًا آخر من القهوة.

  • “لماذا تفترضين أنها ستحدث الليلة؟”
  • “لا يوجد سبب.”
  • “لماذا لم تكن ليلةً أخرى في القرن الماضي؟ أو قبل خمسة قرون؟ أو عشرة؟”
  • “ربما لأنها لم تكن ليلة الثلاثين من فبراير عام 1951 من قبل في التاريخ، وها قد صارت الآن وانتهى الأمر؛ وربما لأن هذا التاريخ يعني النهاية أكثر من أي تاريخٍ آخر؛ وربما تكون هذه السنة هي ما تكون عليه كل الأشياء ثابتة على حالها حول العالم ولهذا تكون النهاية”.
  • “هناك قاذفات تنطلق في الجو من الجهتين ولن ترى الأرض مجددًا”[1].
  • “هذا جزء من السبب.”

قال بينما ينهض من مكانه: “ما الذي سنفعله الآن؟ نغسل الأطباق؟”

قاما بغسل الأطباق وصفها بطريقة مرتبة. وفي الثامنة والنصف كانت الطفلتان في السرير مع قبلة النوم، بالإضافة إلى تشغيل المصابيح الصغيرة قرب سريريهما وإبقاء الباب مفتوحًا ليغلق من نفسه.

همس الزوج وهو يخرج من غرفته بعد أن لمح ما خلفه والغليون في فمه: “أتساءل..”

  • “عمَّ؟”
  • “إذا كان الباب سيغلق من نفسه أو سيترك مفتوحًا لمسافة صغيرة كي يمر الضوء؟”
  • “أتساءل لو كان الأطفال يعلمون بذلك أو إن أخبرهم أحد بأي شيء؟”
  • “بالتأكيد لا.”

جلسا وقرأ كل منهما الجرائد، وتكلما مع بعضهما وشغلّا المذياع للاستماع إلى الموسيقى، وبعد ذلك جلسا سويًا أمام المدفأة بينما يحترق الفحم من الساعة العاشرة والنصف حتى الحادية عشر والنصف. فكرا بكل الناس في العالم وكيف سيمضون هذه الليلة – كلٌّ حسب طريقته –.

قال بعد كل ذلك: “حسنًا..”

ثم قبل زوجته طويلًا.

  • “كنا طيبين تجاه بعضنا على كل حال”.

سأل: “هل تريدين البكاء؟”

  • “لا أظن ذلك”.

دارا حول المنزل وأطفئا الأنوار وأقفلا الأبواب، وبعد ذلك ذهبا لغرفة النوم كي يزيحا أغطية السرير في تلك الليلة الباردة. قالت: “إن الأغطية باردة ونظيفة”.

  • “أنا متعب”.
  • “كلنا متعبون”.
  • “لحظة فقط”.

سمعها وهي تخرج من السرير وتتوجه إلى المطبخ. عادت بعد لحظة وهي تقول: “نسيت الماء وهو يجري من الحنفية”.

كان هناك ما يضحك فيما فعلته لدرجة أنه لم يستطع الكتمان.

ضحكت معه وهي تدرك أن ما فعلته كان مضحكًا للغاية. توقفا عن الضحك أخيرًا وتمددا في سريرهما البارد بينما تتشابك أيديهما وكل منهما يقابل رأس الآخر.

قال بعد لحظة: “تصبحين على خير.”

ردت: “تصبح على خير”، وأردفت بنعومة “يا عزيزي…”

————

[1]  إشارة للحرب الكورية.

لقاء مع جريدة القافلة الأسبوعية – أرامكو السعودية

نقل لنا عملك الأخير (داخل المكتبة .. خارج العالم) نصوصًا مطولة مفعمة بالثراء لأدباء عالميين حول القراءة، كيف تصف تجربك في ترجمة هذه النصوص؟
            تعرضت – في هذه التجربة – لجميع المشاعر الإنسانية، إذ بقدر ما كانت تجربة صنع كتاب من العدم جميلة ومثيرة فقد كانت مثقلة بالأسئلة والحذف والتعديل، لأني لم أقم بترجمة كتاب جاهز، بل قمت بتحرير نصوصه وترجمتها، فكانت مسؤولية اختيار النصوص موازية لمسؤولية ترجمتها إلى لغة الضاد. في البدء توجب اختيار موضوع مميز، فوجدت أن القراءة لم تنل حظها من المواد المترجمة بقدر الكتابة، ومن ثم انتقلت إلى مرحلة اختيار النصوص. كانت هناك نصوص ذات لغة عالية مثل نصَّي نابوكوف وفيرجينيا وولف، ونصوص مترجمة عن لغة وسيطة – مما سهل ترجمتها – كنصوص يوسا وهيرمان هيسه، وهذا ما جعل الترجمة تتفاوت بين الصعوبة والسهولة.
 
كيف يمكن أن تصف تلك العبارة الجميلة للروائي الروسي فلاديمير نابكوف التي تقول: القارئ النشط، القارئ العظيم والقارئ الخلاّق هو قارئ يعيد ما يقرأ؟
            هي عبارة جميلة بحق ولها منظور مختلف، إذ أن قراءة العمل الأدبي بشكل أشمل يكون عن طريق المرة الثانية فيما يشبه تصغير عدسة المنظار لرؤية التفاصيل الكبرى التي تتجاهلها القراءة المتفحصة الأولى، أو ما يعرف بـ Zoom Out في مجال التصوير. ولكن لا أرى أن كل نص تنطبق عليه المقولة، إذ أن هناك ما هو مباشر كالكتب المعرفية Non-fiction أو من يرمي فكرة العمل الكبرى بشكل واضح، فلا يمكن تطبيق ما قاله نابوكوف كمسلمة، إذ أن الحياة ستنقضي ونحن لم نقرأ ما يكفي من الكتب لو طبقنا هذا المبدأ.
 
من واقع تجربتك بالترجمة، كيف تقييّم الكتب المترجمة إلى العربية، ومدى إقبال القراء عليها؟
            هناك حقيقتان لا يمكن إغفالهما: الأولى هي أن هناك إقبالًا كبيرًا على الكتب المترجمة لدى القراء العرب، وثانيهما أن المستويات تتفاوت من ترجمة لأخرى؛ مما يجب أن يفهمه الناس هو أن المترجم يجب أن يظل خفيًا في النص، إذ لا يقوم بالإساءة إليه ولا بتجميله، ويغفل كثير من المترجمين عن الأمر الأخير – أي تجميل النص دون قصد –. لكن بالمجمل أرى أن أغلب الترجمات العربية جيدة، ولكن المترجمين عن اللغات المباشرة قليلون.
 
إذا كانت القراءة هي نقطة الانطلاق إلى عالم الكتابة، كيف تقييّم ثقافة القراءة لدى الكتاب والمترجمين في محيطنا العربي؟
            هناك العديد من الكتاب والمترجمين الذين يقرؤون بمعدل عال، وهذا يتضح من أساليب كتابتهم وترجماتهم. قد تكون هناك مفارقة مثيرة، وهي أن نسبة معتبرة من المترجمين – وخصوصًا ممن لم يتخرج من كليات الترجمة واللغات – لا يقرؤون كتبًا في موضوع الترجمة ذاتها، والأولى بهم أن يقرؤوا في هذا المجال قبل الشروع فيه. ولا ننس أهمية الثقافة العامة بالنسبة للمترجم، إذ أتذكر أني قرأت في أحد الكتب المترجمة حديثًا مصطلح concentration camps الشهير وقد ترجم حرفيًّا إلى “مخيمات التركيز”، في عمل لم يكلف المترجم فيه استدعاء المنطق البسيط للتفكير في ترجمته.
 
ما الكتاب الذي تعكف على قراءته حاليًا؟
            أقرأ حاليًا كتاب “الترجمة والإمبراطورية” لدوغلاس روبنسون، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة ميسيسيبي بالولايات المتحدة الأمريكية. يتعاطى هذا الكتاب الشيق مع الترجمة بمنحى ثقافي بعيدًا عن كونها عملية لغوية، ويستعرض هيمنة الثقافات على بعضها في عملية تأويل المترجمين للنصوص إبان مرحلة ما بعد الكولونيالية والمعايير الآيديولوجية التي تم الاستناد إليها من قبل المترجم في ترجمته للنص الأصلي.