
يستطيع زياد أن يكتب رواية ميلودرامية تفتح أعيننا على ما نعرفه سلفًا.
اللغة بيده، والتاريخ أمامه.
والله يستطيع.
لكنه زياد، وكيف لزياد أن يكتب أدبًا مكررًا؟
يتقدم زياد خداش في “السفر إلى كعكة القمر” إلى القارئ العربي بحلوى أدبية تجمع بين عبقرية السرد الفانتازي وواقعية الذاكرة الفلسطينية بألمها وجمالها. حيث يستقبل بطلها – واسمه زياد خداش أيضًا – ما استدبر من أمر أهله قبيل النكبة بحيلة غاية في الطرافة، ألا وهي بوابة زمنية فريدة تعيده رفقة القارئ إلى بيت نبالا في لحظات ما قبل النكبة، فتتحول القرية المهجورة إلى مسرحٍ حيّ يفيض بالأصوات والروائح والصور التي تنبض بالحنين والحياة.
يكتب خدّاش بلغة سهلة عميقة، تنقل تفاصيل الماضي بحيوية الدهشة، حيث الأب وقد غدا طفلًا يلاعبه الابن الستيني، والمدرسة الهاشمية، علاوة على طوابين القرية، فتكتمل صورة المكان الذي يعانق أحلام الأجداد وخيال الأبناء. تنوس مشاهد الرواية بين أحداث تلك الفترة لترى مبضع التاريخ يبدأ جرحًا لم يهدأ حتى اللحظة، مؤكدًا أن الكارثة حلّت بما هو أكبر من الجميع، وأنّها بقيت على ألسنة الناس قبل دفاتر المؤرخين، يتناقلونها ألمًا بألم جيلًا إثر جيل.
تسير حبكة الرواية بهدوء يتصاعد مع كل صفحة، ويشعر القارئ بأن نبض الأحداث يشده إلى قلب بيت نبالا دون قدرة على الإفلات، فيتحول السرد إلى منطقة آلام وآمال في نفس الوقت. يبرع خدّاش في رسم شخصية زياد/هايل باعتباره رمزًا للإنسان الفلسطيني الذي يجمع في جسده طفولة مسروقة وشيبًا مثقلًا بتاريخٍ لا يرحم، فيعيش غربته وسط أهله، ويرى بوضوح كيف تشكّلت النكبة في تفاصيل صغيرة لا يلتفت إليها التاريخ الرسمي.
يقف نص خدّاش في ذروة أصالته عندما يحوّل الفانتازيا إلى أداة تفجير للأسئلة الوجودية حول الهوية، الحنين، والمصير، دون أن يقع في المباشرة أو الشعاراتية، فتتدفق الرموز والإيحاءات بلغة عذبة تجعل من هذه النوفيلا مانيفستو لجمالية جديدة في الأدب الفلسطيني تُعيد بناء العلاقة بين الفرد وأرضه وزمانه، لتبقى بيت نبالا حيّة في الحكاية كما لم تمت يومًا في قلب أبنائها، ويبقى زياد ذاته بهذه الرواية صانع لعب بالكلمات ومحتفيًا بما يمكن أن يفعله الخيال ضد التاريخ والحياة ومللهما وقبحهما ووقاحتهما.