(3 فبراير 1874 – 27 يوليو 1946)
بريشة بيكاسو
كدتُ أُلقي هذه المحاضرة ارتجالًا من غير نصّ مكتوب، والسبب أنّ المحاضرات التي كتبتُها وتلوتها في أمريكا طُبعت كلّها، وحين يُطبع الكلام يفقد شيئًا من صلته الأولى بصاحبه. يصير نصًّا قائمًا بذاته، ويغدو الكاتب عندئذٍ واحدًا من قرّائه، لا صاحب الامتياز الوحيد فيه.
لهذا راودتني فكرة أن أتحدّث إليكم مباشرة. غير أنّ الكلام عن الرَّوائع الأدبية عسير، لأنّ الكلام نفسه ينتمي إلى مجال آخر. أنا ثرثارة، وأحبّ الكلام، وأصغي كذلك، وقد قلتُ من قبل إنّ في العبقرية قدرةً عجيبة على الجمع بين الكلام والإصغاء: أن يتكلّم المرء وهو يصغي، وأن يصغي وهو يتكلّم. ومع ذلك فالكلام ليس من جوهر الخلق.
فما الرائعة في الأدب والفن؟ ولماذا يندر وجودها؟
قد يبدو لكم أنّ الرَّوائع كثيرة. غير أنّها، إذا قورنت بكلّ ما ينتجه البشر، نادرة جدًا. وقد أمضيتُ الصيف كلّه أفكّر في هذه المسألة وأكتب عنها، ثم وجدتني أصل إلى ثلاث كلمات: الطبيعة البشرية، والعقل البشري، والهوية.
والذي أخذ يتّضح لي هو هذا: الإنسان، حين يخلق فعلًا، لا يكون مشغولًا بهويته. فالهوية تقوم على التذكّر والتعرّف، والمرء يعرف من يكون لأنه يتذكر نفسه، ولأنّ الآخرين يعرفونه ويتذكّرونه. أمّا في لحظة الإبداع، فهو لا يعمل من داخل هذه الصورة المعروفة عن نفسه. وقد قلتُ مرة: أنا بهويتي هذه لأنّ كلبي الصغير يعرفني. وهذه العبارة تبدو بسيطة، غير أنّها تمسّ لبّ المسألة. فحين يعرفك الكلب، وحين تعرف أنت أنّه يعرفك، تدخل دائرة التعريف والتثبيت. ومن هنا يبدأ ما يقتل الخلق على شاكلة المدرسة، أي المنطقة التي يغلب فيها التكرار والتصنيف والتعلّم على المغامرة الحيّة. ولهذا قال بيكاسو مرة: لا يهمّني من يؤثّر فيّ، ما دام غيري.
ومن أصعب الأمور أن نفهم العلاقة بين الطبيعة البشرية والعقل. فكلّ عمل إبداعي يستخدم بشرًا وأشياء وأحداثًا ومناظر. غير أنّ هذه المواد، في ذاتها، ليست السرّ. يبالغ الناس كثيرًا في الحديث عن “موضوع” العمل. والحقيقة أنّ الموضوعات معروفة للجميع من بشر، وحيوانات، وأشياء، وأحداث. وأيّ امرأة في قرية صغيرة، وأيّ رجل، وأيّ طفل، يعرفون عن النفس البشرية قدرًا واسعًا. فقد علمتهم الحياة عبر الحبّ والخوف والغيرة والانتظار والطمع والحنين. وليس هذا العلم مما يصنع الرائعة الأدبية.
على سبيل المثال، حين نقول إنّ «هاملت» رائعة، فنحن لا نقول ذلك لأنّ «هاملت» قدّم لنا “علم نفس” بارعًا في ردّ فعله تجاه شبح أبيه. كان في وسع «شكسبير» أن يجعل ردّ فعل هاملت مختلفًا، وربما بدا ذلك مقنعًا أيضًا. فجوهر المسألة لا يتعلّق بأنّ الحدث “واقعي” أو “صحيح نفسيًا”. لو كانت الرائعة تقوم على هذا وحده، لكان أهل أيّ قرية قادرين على إنتاجها، أو على الأقل قادرين على شرحها شرحًا كاملًا. غير أنّهم لا يفعلون ذلك. وهنا نعود إلى مسألة الهوية.
في لحظة الخلق، لا يعود المرء من يراقب نفسه ويشرحها ويتذكّرها. فمتى صار الإنسان واعيًا بنفسه على هذا النحو، ابتعد عن مركز الخلق. ولهذا اكتشفتُ، حين بدأت أُلقي المحاضرات، أنّني في البداية كنت أسمع ما أقول، ثم أخذتُ شيئًا فشيئًا أسمع ما يسمعه الجمهور منّي. وهذه لحظة خطيرة. لأنّ الكلام عندئذٍ يتحوّل من فعل حيّ إلى صورةٍ يتوقّعها السامعون ويعيدون تثبيتها. ومن هنا نفهم سبب ندرة الخطابة الرائعة، وقلة الروعة عبر مسار الأحداث التاريخية. فالخطيب، في الغالب، يسمع أثر كلامه في الآخرين، ويصوغ نفسه بحسب هذا الأثر. وكذلك مرسل الرسالة إذ يكتب وفي ذهنه الشخص الذي سيتلقّى الرسالة. ومن هنا يحضر اثنان: الكاتب، وصورته عند القارئ. وحين تنقسم الذات على هذا النحو، يضعف الإبداع.
كتبتُ مرة أنّني أكتب لنفسي وللغرباء. واليوم أرى أنّ في هذه العبارة قدرًا من الصياغة الأدبية أكثر من الحقيقة الدقيقة. لأنّ الكتابة، متى اتّجهت قصداً إلى “نفسي” أو إلى “الغرباء”، دخلت في منطق الهوية. صار هناك طرفٌ يتوجّه إلى طرف. وصار العمل علاقةً بين اثنين. أمّا الرائعة الأدبية فتبدأ في موضع أسبق من ذلك.
الفعل في الحياة اليومية مباشر وضروري. نحن نتحرّك لأنّ علينا أن نتحرّك، ونتكلّم لأنّ هناك ما يدعو إلى الكلام، ونتصرّف لأنّ ظروف العيش تفرض ذلك. والضرورة جزء من الطبيعة البشرية. أمّا الرائعة الأدبية فليست استجابةً لضرورة من هذا النوع. ينبغي لها أن توجد، هذا صحيح، غير أنّ وجودها لا يأتي بوصفه جوابًا على حاجة عملية. متى دخلت الضرورة بهذا المعنى، بدأ العمل يفقد قدرته على الانفتاح.
قلتُ في حديث سابق عن الرسم إنّ اللوحة توجد لذاتها وفي ذاتها، وإنّ الرسّام يستخدم الناس والأشياء والمناظر لكي يتيح لهذه اللوحة أن تظهر. هذه الموادّ وسائل، لا غايات. والمشكلة اليوم أنّ الكاتب والرسّام صارا شديدي الوعي بالمواد التي يستخدمانها: الحدث، والشخصيات، والمنظر، والشيء. وحين يتضخّم هذا الوعي، يفقد الموضوع حيويته. يصير “موضوعًا” أكثر مما يصير مادّة حيّة للعمل.
لهذا، تبدو كتابة الرواية أو الشعر اليوم أصعب. فالناس يعرفون ما يجري في العالم طوال الوقت: عبر الإذاعة، والسينما، والصحف، والسِّيَر، وكتب الاعترافات. الحدث حاضر في كلّ مكان، وقد فَقَد لهذا السبب دهشته الأولى. قد يثير شيئًا من الانفعال، غير أنّه لم يعد يبعث الرجفة العميقة ذاتها. وكذلك الرسّام لم يعد يستطيع أن يقول ببساطة: أنا أرسم العالم كما أراه؛ فالعالم أُشبِع تصويرًا وتسجيلًا. ولم تعد “الرؤية” وحدها كافية. صار على الفنّ أن يفعل شيئًا آخر.
ومن هنا أيضًا تأتي المفارقة الطريفة في القصة البوليسية. فهذه، في جانبٍ منها، أكثر الأشكال الروائية حداثة. وتبدأ، في العادة، بجثة. أي إنّ الحدث الأساسي وقع قبل البداية؛ كأنّ القصة تزيح صدمة الحياة المباشرة وتتركنا أمام مهمّة أخرى: البحث، لا الصدمة. في الحياة اليومية يهتمّ الناس بالجريمة ذاتها: بالرعب، والمفاجأة، والعنف. أمّا في القصة البوليسية فينتقل مركز الاهتمام إلى التحرّي. وهذا معناه أنّ العمل يتحرّك في منطقة لا تهيمن عليها الطبيعة البشرية الخام وحدها.
أصل في هذه اللحظة من خطابي إلى الفكرة الأساسية: الرائعة الأدبية لا تنبع من الطبيعة البشرية بصورتها المألوفة، ولا من الهوية. إذ أنها تتعلّق بالعقل البشري وبالعمل حين يصبح له وجوده الخاص، لا حين تكون قيمته مستمدّة من علاقته بشيء آخر. وما إن يصير الشيء جزءًا من معرفة شائعة متداولة، حتى يفقد طاقته الخاصة. ومع هذا، يظلّ الناس قادرين، عاجلًا أو آجلًا، على الإحساس بحقيقة الرائعة الأدبية. لأنّ فيها شيئًا يتجاوز الزمان والعادة والبيئة. عادات الأزمنة التوراتية أو اليونانية أو الصينية بعيدة عن عاداتنا اليوم، ومع ذلك تبقى روائع تلك العصور حيّة. لا تبقى لأنّ هويتها محفوظة، ولا لأنّها تعكس طبيعة بشرية نعرفها سلفًا، بل لأنّها وُجدت على هيئة شيءٍ غايته في ذاته.
والحياة اليومية قائمة على العلاقة والضرورة. نحن نعيش بين واجبات وصلات وأدوار وتعريفات. أمّا الرائعة فتقف في جهة أخرى، مع أنّها قد تتحدّث عن هذه الأشياء نفسها. فهي قد تتحدّث عن الحبّ أو الحرب أو العائلة أو الخوف، غير أنّها لا تُبنى بالطريقة التي تُبنى بها علاقاتنا اليومية مع هذه الموضوعات.
ومن أعسر ما في الرائعة أيضًا مسألة البداية والنهاية. فالعمل العظيم، في أعمق طبقاته، لا يبدو كأنه يبدأ من نقطة ثم ينتهي عند نقطة أخرى. إنّه يفتح مجالًا من الوجود أكثر مما يقدّم حكايةً مغلقة. ولهذا ينشغل الكتّاب والفنّانون اليوم بمشكلة البداية والنهاية، وبالتجريد، وبالترقيم، وبالحروف الكبيرة والصغيرة، وبفكرة التاريخ نفسها. هم لا يعرفون تمامًا ما الرائعة، غير أنّ بعضهم عرف ما ليست الرائعة. والرائعة نفسها، عبر العصور، عانت هذه المشكلة: هي تحتاج في الواقع إلى بداية ونهاية لكي تظهر في العالم، غير أنّ حقيقتها أوسع من البداية والنهاية.
وقد قلتُ في موضع من هذه المحاضرة: أنا أتوقّف. وهذه الجملة نفسها تكشف المشكلة. فالتوقّف ضروري، مع أنّ العمل العظيم لا يُحسّ في عمقه بوصفه شيئًا “انتهى”.
ثمّة مسألة أخرى: التذكّر. لا أدري هل شرحتُ ما سبق بوضوح كامل. وربما ازداد الأمر التباسًا لأنّني كتبتُ هذه الأفكار طوال الصيف، وأنا الآن أتذكّر ما كتبتُ. والتذكّر، في رأيي، منبع الكتابة الثانوية. تبدأ الكتابة حية، ثم يدخل التذكّر، فتبدأ الجمل تتكاثر من خارج اللحظة الخلّاقة. وإذا استرسل الكاتب في هذا المسار، تشوّش العمل. أمّا حين يكتب من غير أن يستدعي نفسه وصوره وذاكرته على هذا النحو، فقد يبدو عمله غامضًا لبعض الناس في البداية، غير أنّ وضوحه الحقيقي يظهر مع الزمن. هذه سمة من سمات الرائعة. أمّا العمل الذي يبدو واضحًا من أول وهلة بسبب اعتمادِه على التذكّر، فغالبًا ما يفقد حيويته سريعًا.
ولهذا تكون الكتابة الشارحة مملّة في كثير من الأحيان، لأنّها تعتمد على ما هو معروف ومحفوظ. ولهذا تكون الرسوم الإيضاحية المقلّدة مملّة أيضًا، لأنها تنقل الشكل الذي نتذكّره عن الشخص أو الشيء بدل أن تخلق حضوره من جديد. ومتى بدأت الذاكرة تعمل بهذه الطريقة داخل الفعل، صار الناتج مقبولًا وربما محبوبًا، غير أنّه يفقد الحياة. والرائعة قد تزعج، وقد تُقابَل بالنفور، غير أنّها لا تكون باهتة.
لماذا، إذن، يندر وجود الرَّوائع؟ لأنّ الناس يعيشون، في أكثر أحوالهم، داخل الهوية والذاكرة. يعرفون أنفسهم كما يعرفهم غيرهم. يحملون صورتهم معهم، ويتصرّفون من خلالها. ولهذا يحتاجون إلى الذاكرة لكي يثبتوا وجودهم. ومن يحتاج إلى هذا التثبيت على الدوام يعجز، في الغالب، عن خلق رائعة.
وقد قيل عن العباقرة إنّهم يظلون شبّانًا إلى الأبد. وقلتُ مرة: ما جدوى أن يكون المرء صبيًّا إذا كان سيكبر فيصير رجلًا؟ أقصد بهذا أنّ الانتقال المتّصل الذي تطمئنه الذاكرة ليس هو منبع الرائعة. فالصبيّ والرجل، حين نجعلهما سلسلةً متماسكة تؤكّد الهوية، نبتعد عن تلك المنطقة الحرّة التي يولد فيها العمل العظيم. والرائعة ليست استمرارًا مطمئنًا من هذا النوع. إنّها حضور، لا سيرة.
وليس عسيرًا جدًا أن نكون، في لحظة ما، بلا هوية بالمعنى المعتاد. العسير حقًا أن نعرف ذلك وأن نحتمله. قد يبدو هذا مستحيلًا، غير أنّ وجود الرَّوائع يبرهن أنّه ممكن. فالرائعة تعرف، بطريقتها، أنّ الهوية ليست الأصل، وتظهر في لحظة يغيب فيها هذا التثبيت المعتاد للذات.
هذا هو معنى الرائعة الأدبية.
ومن هنا نفهم ندرتها. كلّ شيء تقريبًا يعمل ضدّها. الحياة نفسها تدفعنا نحو الهوية: الواجبات، والملذّات، والطموح، والزهو، وحبّ الظهور، والرغبة في الاطمئنان. المتع المهدّئة تؤكّد الهوية، والمتع المثيرة تؤكّدها كذلك، والكبرياء والزهو يدوران حولها. ثم يأتي التفكير نفسه، وهو يعتمد في كثير من الأحيان على الذاكرة، فيزيد هذا التثبيت. ومن هنا تصبح الهوية أكثر الأشياء رسوخًا في وعينا، ويصبح الابتعاد عنها نادرًا.
ومع ذلك فالرائعة، في معظم الأحيان، تتناول الهوية نفسها. تتناول ما يفعله الناس بأنفسهم، وكيف يرون ذواتهم، وكيف يعيشون أدوارهم. غير أنّها، وهي تفعل ذلك، لا ينبغي لها أن تكون أسيرةً لهذه الهوية. كنتُ أفكّر في شيء، ثم رأيتُ شيئًا، فسألت نفسي: هل يمكن أن نرى الشيء من غير أن نحوّله فورًا إلى صورة معروفة نضع لها اسمًا ومكانًا؟ هنا تكمن المشكلة. فاللحظة التي تحدث فيها الرؤية ليست شيئًا بسيطًا يمكن الإمساك به بكلمة جاهزة. والرائعة لا تملك زمنًا بالمعنى المعتاد أكثر مما تملك هويةً بالمعنى المعتاد، مع أنّها تنشغل بالزمن والهوية معًا.
وحين يقول المرء ما يريد قوله، يطرأ على الكلام خلل غريب: إمّا أن يفقد صدقه، وإمّا أن يصير صادقًا بطريقة زائدة تقتله. وهذه هي مشكلة الزمن. وقد قلتُ مرة إنّ أكثر ما يزعجني هو الطريقة التي يموت بها الشيء ما إن يُقال. فالتلفّظ يضع التجربة في الزمن، والزمن يبدّلها.
والزمن شديد الأهمية هنا، فهو خالق الهوية، لأنّ الهوية تقوم على الاستمرار والتذكّر. وهو كذلك يعرقل الإبداع من جهة أخرى. فحين يظلّ المرء يتذكّر نفسه، يبقى داخل صورته. وحين يبقى داخل صورته، يتعذّر عليه الخلق. أمّا في لحظة الخلق نفسها، فهو لا يتذكّر نفسه بهذه الطريقة. ومع هذا فإنّ العمل قد يتحدّث عن الزمن والهوية. إنّه يتناولهما موضوعًا، غير أنّهما لا يكونان حاكمين للحظة التي يُخلق فيها.
نحن نعيش في الزمن والهوية، هذا صحيح. غير أنّنا، في أعمق ما نكون، نعرف موضعًا آخر. الجميع يعرف ذلك على نحوٍ ما. غير أنّ معرفة هذا الموضع مخيفة، لأنّها تسحب من الإنسان أسوار الطمأنينة. والناس، مع أنّهم يُفتنون أحيانًا بالفزع، يحتاجون في حياتهم إلى السكينة أكثر. ولهذا تظلّ الرَّوائع قليلة.
والرائعة نفسها لا تولد من الفزع. لأنّ الخالق، متى استولى عليه الفزع بوصفه فزعًا متذكَّرًا ومسمّى، عاد إلى زمنه وهويته، وعندئذٍ يفسد العمل. قد يبدو الناتج عظيمًا، وقد يترك أثرًا قويًا، غير أنّ أثر الفزع المتذكَّر يضعف روعته الحقيقية. ولهذا ضربتُ مثلًا بمشهد أثر قدم «فرايداي» في «روبنسون كروزو». فهذا المشهد، عندي، من أنقى الأمثلة على غياب الزمن والهوية في لحظة العمل. ومن هنا تأتي قوّته. ليست القوة هنا قوّة رعبٍ مباشر فحسب، بل قوّة حضورٍ صافٍ لم تُفسده بعدُ آلية التفسير والتذكّر.
ولهذا كلّه تظلّ الرَّوائع قليلة. فلكي توجد رائعة، ينبغي للإنسان أن يعرف، بطريقة ما، هذا الموضع الخالي من الهوية والزمن، وأن يظلّ قادرًا في الوقت نفسه على الكلام والعيش داخل العالم كما لو كانا موجودين. هذه بساطة شديدة، ولهذا تبدو نادرة إلى هذا الحد.
ما جدوى أن يكون المرء صبيًّا إذا كان سيصير رجلًا؟ من جهة الرائعة، لا جدوى في هذا التسلسل حين يتحوّل إلى مجرّد استمرار زمني يثبت الهوية. فالرائعة لا “تواصل” على هذا النحو. هي تكون كما هي، وتقف. والناس لا يرضون بأن يكونوا صبيانًا ثم رجالًا، بل يريدون أن يكونوا أيضًا أبناءً وآباءً، وأن يحملوا كلّ هذه الأدوار في صورة واحدة متّصلة. وهذا كله ينتمي إلى الزمن. أمّا الرائعة فتنتمي إلى مكان آخر.
وكلمة “آنيّ” في كلامنا اليومي كلمة كاشفة. لأنّ ما هو آنيّ يخضع للزمن الظاهر، أمّا الرائعة فلا تستمدّ حقيقتها من هذا النوع من التوقيت.
ثمّة أمر آخر. نحن نعرف أنفسنا من الداخل، غير أنّنا، حين نراها أو نحاول أن نراها كما نرى غيرنا، نحوّلها إلى صورة. والهوية قائمة على هذا التعرّف. غير أنّ التعرّف نفسه يزيّف الشيء، لأنّ أحدًا لا يطابق تمامًا الصورة التي نحملها عنه، ولا حتى صورته عن نفسه. ومن هنا تصير الكتابة عند كثيرين محاولةً لتثبيت ما يكونه الشخص. وكلّما زاد هذا التثبيت، زاد حضور الهوية، وضعف إمكان الخلق. الهوية، في هذا المعنى، شيء يُرى ويُعرَّف، وليست شيئًا يُعاش من الداخل في لحظة العمل. ومتى صار العمل أسيرًا لهذا المرئيّ المعرَّف، غدا “آنيًّا” وفَقَد روعته.
ولو غابت الهوية تمامًا، لتعذّر حكم الناس وإدارتهم. غير أنّ العالم قائم على الحكم والتنظيم والتصنيف، ولهذا يندر أن يخلق الرَّوائع. فالحكم شأنه الهوية، والرائعة شأنها شيء آخر. ولهذا تكون الحكومات شاغلة، غير أنّها نادرًا ما تكون مثيرة للاهتمام بالمعنى الذي تكون فيه الرائعة مثيرة.
وثمّة فرق أخير بين الكتابة قبل الجمهور والكتابة بعده. قبل أن يكون هناك جمهور، تبدو كلّ جملة مكتوبة مهمّة بمقدار الجملة الأخرى، ويعتزّ الكاتب بكلّ ما كتب. أمّا حين يظهر الجمهور، فإنّه يخلق صورةً للكاتب، ويجعل بعض ما كتب أهمّ من بعض. ومن هنا تدخل الهوية مرة أخرى. يدخل ذلك “الأنا” المعروف، ذلك الشخص الذي يعرفه الآخرون، أو كما قلتُ من قبل: الذي يعرفه كلبه الصغير.
وهكذا أصل إلى النهاية. يمكن أن يُقال أكثر من هذا، غير أنّني أكتفي بالقول إنّ الرَّوائع رَوائع على هذا النحو، وإنّ وجودها نادر جدًا