لا أحد يثير الشفقة أكثر من صحفي يقرّر فجأة أن يُخرج من الأرشيف كاتبًا ميتًا ليعلنه «من رواد الفكر السعودي» (وذلك من باب الترويج لكتاب له عنه – عفوًا، أقصد، بدون سبب -.)
يحدث هذا كل مرة: يعجز إعلاميو الوسط الثقافي عن تفسير حيويته الراهنة، أو التعاطي حول كتاب جديد (مع أن الكتب التي تثير الاهتمام بأقلام سعودية كثيرة هذا العام)، فيبحث عن قضية تثير الاستقطاب وفق ديدنهم التعيس كل مرة، إما بتساؤلٍ باطنه حسد وغل تجاه رواج كاتب لم “يمش وفق طريقهم” – مع أن هذه الحالة ليست عربية فقط، بل عالمية -، أو بعث أبٍ رمزيٍّ يعلّق عليه فضل أي سمة من سمات هذا الوسط، ولو كان هذا الأب مجرد كاتب محدود الفكرة، أو مجرّد صدًى لأسئلةٍ مستوردة من مصر والشام.
عبدالله القصيمي ليس مفكرًا كبيرًا، بل ضجيج أُسيءَ تضخيمه. من يقرأه بعين نقدية يجد خطابةً غاضبة أكثر من فكر، وجدلاً يائسًا أكثر من تحليل. مشكلتنا ليست معه وحده، بل مع من يصرّ على إحياء فكرة أن السعودية لا يمكن أن تُنتج فكرًا أصيلًا إلا إذا استعانت بـ”رائد” من الماضي، كأن الإبداع لا يتحقّق إلا بسلالة فكرية متوهَّمة.
الحقيقة أن السعودية، بكل حداثتها، لا تملك تراثًا أدبيًا عريقًا كالذي تمتلكه مصر أو روسيا أو أمريكا، لكن هذا لا يعيبها. فبلاد مثل كوريا الجنوبية أو حتى كندا لم يكن لها «أجداد أدبيون» كبار بالمعنى التقليدي، ومع ذلك أصبحت من أغزر البيئات إنتاجًا للأدب الراهن المتميز، لأن النهضة لا تحتاج إلى نسبٍ أدبي، بل إلى وعيٍ جديد ومناخٍ حر.
إنّ ما يحدث اليوم في المشهد السعودي لا يُفَسَّر بمنطق «الريادة»، بل بمنطق التحوّل الاجتماعي والاقتصادي الذي أطلق أجيالًا تكتب من التجربة لا من العقدة مهما كانت المخرجات ورد الفعل عليها. هذه الأجيال لا تحتاج إلى القصيمي ولا إلى أي تمثالٍ قديم يُعاد تلميعه كل هنيهة من الزمن لتذكير الناس بأننا «كنا هناك أولًا».
في الفكر، كما في الأدب، لا فضل للولادة المبكرة.
الفضل كلّه لمن يبقى حيًّا في العقول بعد أن يزول الغبار عن «الرواد».