في صباحٍ بدا خاليًا من الوقت، كما لو أن الساعات توقفت احترامًا للغائب، وصل خبر رحيل ماريو بارغاس يوسا.

رحل الكاتب الذي كان صوته يتردد في أروقة الرواية كما يتردّد ضوء بعيد في بيتٍ مهجور.

يوسّا، الذي عاش أغلب عمره وهو يدوّن جراح الإنسان وصراعاته، لم يكن فقط روائيًا من أميركا اللاتينية، بل كان – في قلوبنا – ذلك الغريب الذي جلس ذات مساء على الطاولة المقابلة في المقهى، وأخذ يروي، كما لو أن الحكاية تخصّنا.

كاتبٌ حمل حياته مثل حقيبةٍ قديمة، ملأها بأسئلة لا إجابات لها، وبقصص تتقاطع فيها السياسة بالعاطفة، والتاريخ بالمصير الفردي.

قرأت له حفلة التيس، فشعرتُ أن الرعب السياسي يمكن أن يُكتب بلغةٍ لا تصرخ.

ثم جاءت الفردوس على الناصية الأخرى، وهناك كان فلوبير وغوغان شبحين يتكلّمان بلسانه، يتقدمان في الرواية كما يتقدّم الظلّ في الغرفة المقفلة،

وكان يوسا يكتب ذاته، لا كما عاشها، بل كما أراد أن تُفهم: قلقًا، حُرًا، ناقمًا على كل قيد، حتى حين يسكنه.

ثم قرأت له مقاله البديع لماذا نقرأ الأدب؟،

فهمت، عندها، أن القراءة ليست هواية، بل ملجأ.

وأن الرواية، حين تُكتَب بصدق، تصبح شجرة نجاة، أو رئةً ثانية.

في مقاله هذا، قال ما معناه: “من دون الأدب، تصبح الحياة مرآةً لا تعكس شيئًا.”

رابط المقال: [لماذا نقرأ الأدب؟ – بقلم يوسا]

كان يوسا يتنقّل بين المواقف كما يتنقّل المسافر بين نوافذ القطار.

أحبّ الثورة، ثم اكتشف وجهها الآخر. خاصم أصدقاءه، وهاجم السلطة التي صفق لها يومًا.

لم يكن مستقيمًا كما تحبّ القواميس، لكنه كان صادقًا كما تحبّ الحياة.

هو من أبناء “البووم”، أولئك الذين كتبوا بلغةٍ تشبه الانفجار الداخلي.

ومع ماركيز وفوينتس وكورتاثار، ساهم في إعادة تشكيل الرواية، لا كشكل، بل كقدر.

اليوم، وقد غاب،

لا نكتب رثاء، بل نكتب شكرًا.

نقول له: شكرًا لأنك مررت من هنا، لأنك تركت الكتب مفتوحة، والأبواب بين الإنسان وأخيه الإنسان مشرّعة.

وداعًا يا ماريو،

سنعود إليك كلما احتجنا إلى لغة لا تخون،

وكلما أردنا أن نقرأ العالم بعينٍ لا تخاف.

روابط إضافية

عن ذلك اليوم – ألفارو بارغاس يوسا

حوار مع ماريو بارغاس يوسا عن الأدب وحركة #metoo