
لطالما سُئلت عن لحظة تحولي إلى كاتب، وتعودت على عدم التسرع في الإجابة عملًا بما قالته إحدى الشخصيات في إحدى قصصي إن الفارق بين الحكماء الأفارقة والأوروبيين أن الأفارقة آخر من يجيبون. الحقيقة أن هذا السؤال يستحق وقفة تأمل، لا للتفكير في الإجابة وحسب، بل للتفكير في طبيعة السؤال ذاته. وكما يقول أستاذي العزيز الكاتب البرازيلي جواو غيماريش روسا “قد يتأخر الرب لكنه سيأتي حتمًا”، وفي حالتي لم يصل الرب بعد.
ينطوي هذا السؤال على عيب، إذ لا توجد لحظة يصير فيها المرء حالة معينة مكتملة، ولا يصير أي شخص كاتبًا وكأنه قدر محتوم، بل الخبر هنا أدق: فلا يمكن أن يصير المرء كاتبًا، لكنه إما كاتب وإما أنه ليس كذلك.
رغم ذلك، لا يشبع فضول من يسألني كل هذه الاعتبارات، ولذلك تخليت عن محاولة نقض المفاهيم الخاطئة في ذلك السؤال، فأجيب وأبتكر تفسيرًا جديدًا في كل إجابة.
*
كنت في السادسة من عمري تقريبًا حين أعلن والداي عن رحلتنا إلى منتزه غورونغوسا الوطني بهذه الجملة: “سنذهب لرؤية الحيوانات”، التي مثلت بالنسبة لي وعدًا وهدية، إذ كانا على علم بشغفي بالحيوانات. في ذلك الوقت، حجم العالم كما أعرفه متناهي الصغر، فالحيّ الذي أقطنه كبير بحجم الكون. ولذا، فعيناي وقتها أشد انفتاحًا ويقظة وفي بحث عن كل شيء.
كانت الرحلة إلى هناك طويلة. وفي أوائل الستينيات، تطلّبت منّا الطرق في سوفالا بوسط موزمبيق شجاعة وصبرًا، إذ جعل الإحساس بخوض مغامرة ما من الزيارة تستحق العناء. لذا، جلست في مقعد السيارة القديمة الخلفي، وتشاجرت مع شقيقي على المقعد الملاصق للنافذة.
وما إن دخلنا المنتزه وخضنا مسافة قصيرة حتى ظهر من العدم زوج من الأسود. توقفت سيارتنا فتوقفا على مقربة متر واحد، بحيث يمكن للمرء سماع أنفاسهما حتى والنوافذ مغلقة، مما جعل من منظرهما أشبه بكائنات إلهية من زمن آخر لم أعرفه إلا من الحكايات التي يقصانها علينا والدانا ليلًا.
فتح ذلك المنظر شيئًا فيَّ، ولا يعود مردّ ذلك إلى عظمته المهابة وحسب؛ بل أيضًا لأنني أدركت أني لا أعرف رؤية الأشياء والأمور كما ينبغي. فللرؤية حاجة إلى الصمت، أو ما يشبه تسليم الذات طوعًا، ما يعني أن المرء بحاجة إلى عمى مسبق الإقرار به لكي يرى.
مع ذلك، فإن المدهش أكثر لم يحدث إلا في ما بعد. كنت في المخيم الفارغ بمنتصف منتزه غورونغوسا الكائن في قلب وادي نهر أوريما، حيث تحتل سهلًا فيضيًا واسعًا فوق ما يسمى الوادي المتصدع الكبير، أي الشرخ الذي يفصل القارة الإفريقية، وهذا المنظر أقدم ما نظرت إليه عين إنسان من كوكبنا بعد المحيطات.
طلبت من والدي إيقاف السيارة:
– فلنتوقف هنا، أريد النظر؟
– ما الذي تريد النظر إليه؟
لم أعرف كيفية شرح ذلك، إذ غلبتني الحيرة، فكنت أتطلع إلى الحياة في الأسود، فيما رأيت في ذلك المشهد سرمدية العالم، إذ لم يدفعني المشهد إلى الشعور بالضآلة، بل لم يعد لي حجم، وإخوتي يتذمرون من انعدام أي شيء بالإمكان رؤيته.
توسلت إليهم بأن نبقى قليلًا.
ومع ذلك، لن يكفي أي وقت، فليس الوقت ما ينقصني، بل الشعور بذاتي.
*
بالإضافة إلى ما مضى، فقد جعلتني قصص والديّ كاتبًا، ولا يعود ذلك إلى القصص نفسها التي لم أعد أتذكرها، بل الشغف الذي بذلاه في سرد تلك القصص، وهو ما ظلّ في ذاكرتي حيًا وواضحًا كما لو أنهما أمامي الآن، إذ يستدعيان وقتها أصواتًا من الماضي ويوجهان شوقيهما إلى بلادهما باستحضار تلك الأصوات من العدم. تلك الجلسة صارت أشبه بالقدّاس.
بدأ والداي مثل كل المهاجرين في تأسيس عائلة بمثابة بلد، ورويا القصص مثل كل المهاجرين، لكنها لم تكن قصصًا وحسب، بل سفنًا ورحلات عودة إلى الوطن، أما والداي فكانا بحاجة إلى العيش في أرض لا تقع بين ما فقدوه وما اكتسبوه على أرض الواقع، فعاشا في القصص التي روياها، فيذهبون إلى هناك بأذهانهم، ويجلسان على حافة سريري ويؤلفان القصص حين ينتهي اليوم.
ولم يقتصر ذلك على محض سرد وحسب، بل تضمن أداءً وتظاهرا وبأنهما أجدادنا الذين لم نلتق بهم قط، علاوة على أعمامٍ وخالاتٍ وأبناء عمومة وخؤولة على الجانب الآخر من العالم، فخلقا شعورًا بالخلود منبعه ما شاركانا إياه من حديث.
أعود دومًا إلى الأصوات التي سمعتها في طفولتي، إذ تشبثت بي بوصفها ناقصة وأبدية في آن، وعلى أني ابن مهاجرَين إلا أني ابن قصصهما أيضًا.
*
مثّل منزل طفولتي مكانًا للعديد من الأصوات، إذ عشنا طوال طفولتي ومراهقتي في منزل استعماري مبني على أعمدة مع درج أمامي يؤدي إلى شرفة تلتف حول المبنى بالكامل تقريبًا.
قضيت طفولتي بأكملها راكضًا بين منطقتين: المنزل والشارع. لم تغلق جدران المنزل الفضاء؛ بل إنها محض حدود مفتوحة، لا يفصل بين داخله وخارجه إلا تنهد أمي حين تسخط.
أتذكر جزأين من المنزل تحديدًا: المطبخ والشرفة، فيما لم تتبق لدي ذكرى حميمة أو تاريخ مع أي شيء آخر كغرف الجلوس والنوم والممرات، إذ تعتبر تلك مساحات مبنية وظيفتها المرور من خلالها، على النقيض من المطبخ والشرفة، إذ مثّلا مساحتين طبيعيتين وأبديتين ومقدستين.
الشرفة أولًا. كانت أشدّ أماكن منزلنا حيوية، لدرجة أنها أقرب إلى أن تكون جزءًا من الكون ذاته. في عالم تناقضت فيه الأعراق واللغات والثقافات، صارت الشرفة مكان الحديث بين المنزل والشارع، بحيث أضحى الجيران عائلة والغرباء مألوفين.
كانت الشرفة دربًا داخل فناء المنزل، أشاهد فيه والدي هازًّا قصائده بيديه وكأنه يجفف الحبر، فيما أمي توبخه وتشتكي له بأن هناك ما هو أفيد ويمكن القيام به. كانت الشرفة مكانًا يسمح فيه بالكسل والدهشة، لأن الواجبات المدرسية تتم داخل البيت نفسه، في ذلك المكان الآخر.
كنت أحل واجباتي المدرسية جالسًا على أرضية المطبخ، وفي كل عصر نعيش نفس الطقوس: ألعب في الشارع حتى يُطلب من الدراسة، فأعبر الفناء حافي القدمين بجانب شجرة مانجو ضخمة منتشرة الأوراق، وأزحف ببطء عبر الفناء الخلفي حيث تُغسل الأطباق وتُجفف الملابس. أتذكر سيري عبر ذلك الفناء كما لو أن كل شيء مِلْكُ شجرة المانجو والمكان نفسه مخصص للإحاطة بظلها.
لم يدم انزعاجي طويلاً لأن التواجد في المطبخ ممتع بقدر اللعب في الشارع، حيث النساء يتجمعن حول طاولة خشبية كبيرة في المنتصف، وأحيانًا يطأن يدي ويتعثرن في دفاتر ملاحظاتي، وقد شاهدت تنانيرهنّ الطويلة ترفرف مثل الستائر.
كن يتحدثن بهدوء أقرب إلى الهمس، ويتمتمن، ويبحن بالأسرار، ويتبادلن الألغاز، في جوّ أشبه بسكون معبد في ذلك المكان المنعزل، حيث يسري التناغم دونما إحساس بأفعال متتالية، ومن يشاهده يحس به ولا يكتفي برؤية ما بالخارج.
*
أتذكر حادثة أخرى خلّفت بداخلي شعورًا عميقًا. كنت في التاسعة من عمري تقريبًا عندما قاطع مدرس في المرحلة الابتدائية الدرس لقراءة شيء كتبه. كان مقالاً، ولم يكتبه على أنه واجب منزلي لنا، بل تمرينًا بسيطًا يراد منه الكتابة لأجل الكتابة ذاتها وحسب.
حلت الموجة الأولى من الحيرة علينا بمجرد شرحه ما يفعله، إذ أن الأصل أن نكتب – نحن الطلاب – المقالات ونقرأها بصوت عالٍ، ومن حقه أن يصححنا. لماذا عرَّض هذا البالغ نفسه لدور معكوس وقرر فعل ما يفعله مَنْ ما زال يتعلم؟
أتذكر الأمر وكأنه حدث بالأمس: كان المعلم رجلاً طويل القامة، وعلى سمته الجدّ، وصعد إلى المنصة حاملاً بين أصابعه المرتعشة دفتراً مدرسياً. بدا وكأنه تحول إلى صبي صغير في منتصف الامتحانات. بدا وكأنه عمود علمٍ أعزل.
بعدها، أعلن عنوان المقال، وكان ذلك مفاجأة لأنه بدا طفولياً تقريباً، إذ سيتحدث عن يدي والدته. وتساءلنا عن دافع مشاركة بالغ (وخاصة من يتمتع بمثل هذه السلطة) شيئاً عاطفياً إلى هذا الحد، بيد أن ما سمعته أثار ما هو أكثر من الحيرة: لقد تحدث عن والدته كما قد أتحدث شخصيًا عن والدتي، إذ عرفت أيضاً الأيدي نفسها التي طبعها العمل وتجعدت بفعل مصاعب الحياة وتجاهلت أي مرهم تجميلي.
انتهى المقال دون أي حيلة أو أسلوب أدبي، إذ كانت نهاية بسيطة، ويمكنني ذكرها تقريبًا عن ظهر قلب: “هذا ما أريد أن أخبرك به يا أمي، أن أخبرك بمدى فخري بيديك المتصلبتين، وأنني أتذكر فقط المودة في إيماءاتها”. ظهر عنصرٌ عميقُ الصدقِ في مقاله وجعله مختلفًا عن المقالات الموجودة في كتبنا المدرسية، إذ لم تبرز أي عبرة أخلاقية ملحقة بختام مثل علم مرفوع، وما عاد ذلك النص محاضرة بقدر ما أنه درسٌ نتعلم منه دون أن ندرك أننا نتعلم، إذ أطلق ذلك الدرسُ العنانَ لتجلٍّ غريب في داخلي حول قوة الكتابة، وكم المشاعر المكنونة في الكلمة المكتوبة.
*
هل توجد لحظة يصير فيها المرء كاتبًا؟ لربما توجد العديد من تلك اللحظات، وإن استحال الوصول إليها إلا بالممارسة.
ولربما أن الواحد منا يصير كاتبًا بالنظر إلى العالم كما لو أنه ينظر إليه أول مرة، والكشف عما يُنتَظَرُ الكشف عنه.
التعليقات (١)