طبيعة المتعة – ديفيد فوستر والاس

صورة

يسعدني في هذه التدوينة أن أقدم أول ترجمة إلى اللغة العربية لواحد من أهم روائيي مابعد الحداثة في الولايات المتحدة خلال القرن العشرين. كبداية، سأتحدث عنه وعن أعماله بإيجاز.

ولد ديفيد فوستر والاس سنة 1962، وهو روائي وقاص وكاتب مقالات، وأستاذ سابق للكتابة الإبداعية. جذب انتباه الوسط الثقافي منذ روايته الأولى “مكنسة النظام” حيث وصفتها صحيفة لوس أنجلوس تايمز بـ:” الجنونية، الإنسانية، والمعيبة بأسلوب رائع.”. بعد استمراره بالكتابة لعشر سنوات مابين القصص القصيرة والمقالات، قدم ملحمته “دعابة لانهائية” في أكثر من 1000 صفحة، وهي تصور المجتمع الأمريكي كمهووس بنفسه وبالمتعة والترفيه، دون حرص على مايرفع من شأنه. ولعلها أعظم نتاجه على الإطلاق. طالما وُصف والاس بأنه مكافح أبدي، على مستوى الكتاب والأشخاص. تحدث عنه الناقد الشهير أنتوني سكوت قائلًا: ” كان والاس من أهم كتاب جيله في الولايات المتحدة لأنه مثل مخاوفهم وتحدياتهم، وأبرزها بطريقة صافية وشجاعة وصارمة. يمكن أن أصنفه بـ( روائي الروائيين ). بقصصه القصيرة وروايته الكبرى (دعابة لانهائية)، قدم نمطًا ونبعًا يستقي منه كتاب الوقت الحالي في مشوار كتابتهم.”. أقدم والاس على الانتحار في 2008 تاركًا ثلاث روايات، ثلاث مجموعات قصصية، وست كتب غير روائية تنوعت مابين مجموعة مقالات وكتب توثيقية.

من ضمن مقالاته، تصف ماريا بوبوفا، وهي ربما أشهر مدونة في العالم، عبر مدونتها brainpickings ، مقالة “طبيعة المتعة” بأنها من أفضل ماكتب. والمقالة عبارة عن تأملات حول دافع الناس للكتابة، ممزوجة بوعي حاد للنفس البشرية، وبما يتأثر به الكاتب أثناء مشواره الأدبي.

أترككم مع المقالة، قراءة ممتعة.

طبيعة المتعة – ديفيد فوستر والاس

ترجمة: راضي النماصي  –  مراجعة: أحمد الحقيل

لعلّ أفضل استعارة تحضر في بالي حول كون الشّخص روائيًّا هي في رواية دون ديللّو[1] “ماو 2″، وذلك حينما يصف فيها كتابًا قيد الإنشاء برضيعٍ مشوّهٍ يطارد الكاتب أينما حلّ ويزحف خلفه: يسحب نفسه على أرضيّة المطاعم الّتي يأكل الكاتب منها، يظهر في نهاية السّرير عند استيقاظ الكاتب صباحًا.. الخ. رضيعٌ مشوه مخيف، رأسه غير مكتمل وبلا أنف، مكسور الذراع، لحوح، مختلّ، ويسيل من فمه سائل المخّ الشّوكي كلّما اشتكى أو صاح بوجه الكاتب مطالبًا إيّاه بالمحبّة، ومطالبًا إيّاه أيضًا بالشّيء الوحيد التي تضمنه بشاعته: انتباه الكاتب كليًّا.

 

المجاز الكامن خلف الرّضيع المشوّه مثاليّ، لأنه يجسّد مزيج الحبّ والنّفور لدى الرّوائيّ نحو شيء يعمل عليه. دائمًا ما تخرج الرّواية مشوهة بفظاعة، وقد خانت بشكلٍ مخيف كل آمالك حولها – صارت صورة كاريكاتوريّة قاسية ومنفّرة لكمال التّصور الذي تملكه عنها – نعم، أنت تفهمني: رضيع بشع لعدم اكتماله. ومع ذلك فهي تبقى لك، يبقى ذلك الرّضيع هو أنت، وأنت تحبّه وتدللـّه، وتمسح عن ذقنه الضّامر بقايا سائل المخّ الشّوكي، وتنظّف القميص الوحيد المتبقّي لديك لأنك لم تغسل ملابسك منذ ثلاثة أسابيع؛ لأنك ترى ذلك الفصل، أو تلك الشّخصيّة وهي تتأرجح أخيرًا على حد اللّقيا والاكتمال، وأنت مرتاع من أن تمضي أي وقت خارج العمل عليها، لأنك لو أشحت بنظرك لثانيةٍ ستفقدها، مما يحتّم بقاء ذلك الرّضيع مشوّهًا. ولكنك تحب ذلك الرّضيع، وترثي لحاله، وتهتم به؛ وفي نفس الوقت تكرهه – وبالفعل تكرهه – لأنه مشوه ومنفر، ولأن شيئًا بشعًا قد حدث له أثناء ولادته، من الرأس حتى كتابته على الصفحة. أنت تكرهه لأن تشوّهه يعني تشوّهك (فلو كنت كاتبًا أفضل لكان رضيعك ممّن يظهرون على إعلانات ملابس الرضّع: مكتملٌ وذو بشرةٍ ورديّة، وجذّاب بشكل يخلب العقول.) وكل نَفَسٍ بشعٍ له هو اتّهامٌ مباشرٌ لك على كافّة المستويات.. ولذلك رغبته ميّتًّا، على الرّغم من حبّك وشغفك به وتدليلك له، وحتى رغبتك في إنعاشه حينما تَسُدُّ بشاعته مجرى تنفّسه، وأنه قد يموت تمامًا.

 

يبدو الأمر برمّته مبعثرًا وحزينًا، لكنّه في نفس الوقت محرّك ونبيل ورائع، ويحثّ على العطاء – كنوعٍ من علاقةٍ أصيلة – وحتّى في ذروة تشوّهه، ينبّهك ذلك الرّضيع إلى ما تظنّ بأنّه أجمل ما فيك ويلمسه: تلك الأمومة المدفونة بداخلك. فأنت تحبّ رضيعك بشدّة، وتريد من الآخرين أن يحبّوه أيضًا، حينما يحين الوقت لذلك الرّضيع المشوّه أن يخرج ويظهر للعالم.

 

إذَنْ، أنت في موقفٍ محيّر: أنت تحبّ الرّضيع وتريد من الآخرين أن يحبّوه كذلك، ولكن هذا يعني أنّك تأمل من الآخرين في الوقت ذاته ألّا يروه بشكل سليم. إذًا، تريد أن تخدع النّاس بشكلٍ ما: تريدهم أن يروه كاملًا، وهو ما تعلم في قلبك أنه لا يمتّ بصلةٍ للكمال.

 

أو أنّك لا تريد أن تخدع أولئك الأشخاص؛ ما تريده هو أن يحبّوا رضيعًا مكتملًا، يليق بإعلانات الرضّع وباهر الجمال، وأن تجدهم محقّين فيما يرونه ويشعرون به. أنت تريد أن تكون مخطئًا بشكل مهول، وأن ذلك الرضيع المشوه ليس سوى تهيّؤات وتوهّمات غريبة من عندك. لكنّ هذا سيعني بأنّك مجنون، لأنّك كنت ترى تلك التشوّهات، وكنت مُطاردًا من قِبَلِها، وكنت ترتعد كلّ ذلك الوقت من تشوّهاتٍ بشعة – وبتشجيع من الآخرين – هي ليست موجودة على الإطلاق. هذا الأمر بسخافة احتمال أنّك ربما تكون الآن مجرّد إصبعي بطاطس مقلية في وجبة “هابي ميل”. يمكنك أن تتخيّل ذلك، ولكن الأمر سيزداد سوءًا: هذا يعني أيضًا أنّك ترى وتحتقر تشوّهاتٍ بشعةٍ في شيءٍ صنعته (وأحببته)، نبع من داخلك، وهو يمثّلك بشكل أو آخر. وأخيرًا، أفضل المتفائلين لن يرى هذا السّلوك سوى نوعٍ من الأبوّة السيّئة؛ سيبدو نوعًا فظيعًا من الاعتداء على النّفس وتعذيبها. لكنّ ذلك ما يمثّل أقصى رغبتك: أن تكون مخطئًا بشكل جنونيٍّ انتحاري.

 

لكنّه يبقى أمرًا ممتعًا للغاية. لا تفهموني خطأ. بالنّسبة لطبيعة تلك المتعة، أتذكّر دومًا تلك القصّة الغريبة الّتي سمعتها في مدرسة الأحد حينما كنت صغيرًا. جرت تلك القصّة في الصّين أو كوريا أو بلد مشابه. تحكي القصّة عن مزارعٍ مسنّ يتواجد خارج قرية في الرّيف، وهو يعمل في مزرعته بمساعدة اثنين: ابنه، وحصانه الحبيب. في يوم ما، كان الحصان، والذي لم يكن محبوبًا بقدر أهمّيته في عملٍ شاق كالزّراعة، قد حلّ لجامه وانطلق عبر التّلال هاربًا من المزرعة. اجتمع المزارعون الآخرون حول صاحب المزرعة ليرْثوا حظّه السّيء، بينما اكتفى المزارع بتجاهل الأمر وقال: “حظٌّ جيدٌّ، حظُّ سيّء، من يعلم؟”. بعدها بعدّة أيام، عاد الحصان وبرفقته عدد من الخيول البرّية. اجتمع أصدقاء المُزارع ليهنؤوه بحظه الرّائع، بينما اكتفى هو بترديد “حظّ جيّد، حظّ سيّء، من يعلم؟”. كان المزارع يردد ذلك ويتجاهل المناسبة مهما كانت. ما أستطيع تذكره هو أنّه في يومٍ ما، وبينما كانوا يهمّون بترويض الخيول، رفس أحدها ابنه بقوّة كافية لكسر رجله. وكالعادة، اجتمع المزارعون ليلعنوا ذلك الحظّ السيّء الذي جعلهم يقومون بإيواء تلك الخيول، والمزارع مثل كل مرة، كان يردّد: “حظّ جيّد، حظ سيّء، من يعلم؟”. بعدها بعدّة أيام، أتى الجيش الامبراطوري الكوريّ – أو شيئًا مثله – ليجنّدوا أبناء القرية الشّباب في المدفعية من أجل معركة قاسية مقبلة، وتركوا ابن المزارع بسبب رجله المكسورة استنادًا إلى قانون ما. وبدلًا من أن يواجه الموت، بقي الولد مع أبيه المزارع. حظ جيد؟ أم حظ سيء؟

 

نحن ندور في مثل هذه الدّائرة من الأحداث في نضالنا من أجل المتعة ككُتَّاب. في البداية، عندما تحاول كتابة رواية ما، فكل ما تبحث عنه هو المتعة فقط. أنت لا تتوقّع أن شخصًا آخر سيقرأها. كل كتابتك هي لأجل أن تستمتع، وتحفز خيالك، وتطلق آرائك الخاصّة، ولتضع على الورق أو تحوّل مالا تحبه في نفسك. وبالفعل، هذا ما يحدث، وهو أمر في غاية السّعادة والمتعة. بعد ذلك، إن كنت محظوظًا، وبدأ الناس يحبون ما تكتب، وبدأت تتلقى المال من أجل الرواية، وترى ما تكتبه وقد تم تنسيقه وتسويقه ومراجعته، بل قد ترى ذات مرة في قطار الصباح فتاة جميلة لا تعرفها وهي تقرأه، يبدو الأمر وكأنه ممتع أكثر من ذي قبل، وذلك للحظة ما. حينها تبدأ الأمور بالتّشابك والتعقّد، ناهيك عن كونها بدأت تصير مخيفة؛ تحسّ بأنك بدأت تكتب لأجل أشخاصٍ آخرين، أو أنك تأمل ذلك على الأقل. لم تعد تكتب منذ الآن لاستخراج ما بداخلك، والذي كان – بما أن أي نوع من الاستمناء تمارسه وحيدا وبإحساس من الفراغ – يبدو جيّدًا. لكن ما الذي يدفع هذه الرغبة الاستمنائية؟ أنت تجد نفسك قد أحببت كون النّاس تعجب بكتاباتك، وتجد نفسك حريصًا بشدّة على أن يحبّ النّاس ما ستكتبه في المستقبل. تستبدلُ الرّغبة في محبة النّاس تلك المتعة الشّخصية المحضة أثناء تقدّمك في مشوار الكتابة، تلك الرّغبة بأن تعرف أن هناك أشخاصًا جميلين يحبّون ما تكتبه ويعتقدون بأنك كاتب عظيم. كان استجلاء ما بداخلك هو الدّافع الوحيد للكتابة. الآن، صار دافعك الوحيد هو العمل الجدّي، والخوف من رفض الناس.

 

مهما يعني الكبرياء بالنسبة لك، فتأكّد بأنه دخل في مشوار كتابتك، أو ربما “الغرور” هو ما يعبر عن هذا الشّيء بشكل أفضل. لأنك تلاحظ أن جزءًا كبيرًا من كتابتك صار مجرد استعراض، ومحاولة لحمل الناس على الاعتقاد بأنك شخص عظيم. هذا أمر قابل للتفهّم. فهناك رهان يتعلق بذاتك أثناء الكتابة، وغرورك الآن على المحكّ. تكتشف في هذه اللّحظة أمرًا محيرًا في كتابة الرّواية: يلزم بأن يكون هناك قدر معيّن من الغرور لكي تتمّ الرواية، ولكن أيّ زيادة على تلك الكمّية تكون مميتة حتمًا. في تلك اللّحظة، هناك ما يربو على تسعين بالمائة من كتابتك يجري بإلهامٍ ورغبةٍ ماسّةٍ منك في أن تكون محبوبًا، وهذا ينتج رواية سيئة. والروايات السيئة يجب أن ترسل إلى القمامة، ليس لأيّ سبب فني بقدر ما سيجعلك هذا العمل محطّ كره الناس. في هذه المرحلة من تحوّل متعة الكتابة، الشّيء الذي كان يشجّعك على الكتابة هو نفسه ما يشجّعك الآن على رمي ما تكتبه إلى سلة المهملات. هذه المفارقة/المعضلة قد تستطيع حبسك عالقًا داخل ذاتك لأشهر وربّما لسنوات، وتبدأ إثر ذلك بالعويل والنّدم على حظك السّيء، وتتساءل بمرارة حول تلك المتعة الأولى وأين ذهبت.

 

من نافلة القول – كما أعتقد – هو أنّ الخروج من هذه المعضلة يكمن في بحثك عن الدّافع الأوّل لكتابتك والعودة إليه، وهو المتعة. وإن استطعت العودة إليها، ستجد أنّ تلك المعضلة السّابقة المخيفة لم تكن سوى من نوع من الحظّ الجيد بالنسبة لك، لأن تلك المتعة التي عدت إليها قد انسلخت من شعورك بعدم الرّضا الناتج عن غرورك وخوفك من الفشل، فأنت تتوق إلى مفارقة ذلك الشعّور، والمتعة التي أعدت اكتشافها ستكون أكثر امتلاءً وملئًا للقلب، متعة تجعل العمل كاللّعب، أو تجعلك تكتشف أن المتعة المنضبطة أروع من المتعة اللحظية أو المتعة المتسرعة، أو تجعلك تكتشف بأنّ ليست كل المفارقات تقود للحيرة. تحت إدارة جديدة للمتعة، أصبحت كتابة الرّواية طريقًا للحفر في داخلك، وأن تُظْهِر بدقّة ما لا تريد أن تراه أو يراه الناس؛ وهذا الشّيء الذي لا تريده أن يظهر ينقلب – بشكل أقرب للمفارقة – إلى أن يكون هو نفسه ذلك الشّيء الذي يتشاركه القرّاء والكتّاب ويتحدّثون حوله ويشعرون به. صارت الرّواية بطريقةٍ غريبة تشجيعًا للنفس وطريقةً لقول الحقيقة، بدلًا عن كونها هروبًا عن النّفس أو طريقة لكي تقدّم نفسك بالشّكل الأقصى للحبّ. ما يحدث أثناء هذه العمليّة هو معقّد ومربك ومخيف، وأيضًا شاقّ، لكن قمّة المتعة تكون هناك.

 

الحقيقة التي تؤكّد بأنك تستطيع الحفاظ على متعة الكتابة عن طريق مواجهة مالا يرضيك في نفسك، والّتي استخدمت الكتابة قبلًا لكي تتجنّبها، هي مفارقة بشكل أو آخر، ولكنّها ليست معضلة على الإطلاق. هي هبة، هي نوع من المعجزات، ونستطيع موازاتها بالجائزة الكامنة في تعاطف الآخرين كقدرتنا على موازاة الغبار بالوبر.

[1]  Don DeLillo (1936-الآن) روائي وقاص ومسرحي وكاتب مقالات أمريكي، يعتبر أحد أعمدة الرواية الأمريكية الحديثة بجانب جوناثان فرانزن وفيليب روث وجوناثان ليثيم. (ماو 2) هي رواية أصدرها ديللو سنة 1991، وتعتبر العاشرة في مسيرته الأدبية، وقد حازت على جائزة بن/ فوكنر المرموقة للرواية سنة 1992.

حوار بين أنطونيو سكارميتا وإليانور واكتيل

حوار بين إليانور واكتيل وأنطونيو سكارميتا.

برنامج “في صحبة الكتَّاب” – إذاعة cbc الكندية – 4 أبريل 2010.

ترجمة: راضي النماصي 

في الثامن والعشرين من فبراير 2010، حدث زلزال مروع في تشيلي بمقياس 8.8 ريختر، وهو يعد ثاني أقوى زلزال في تاريخ البلاد بعد زلزال 1960. في هذا الحوار المترجم، نرى أحاديث بينهما حول الزلزال الحالي، ويمهد لأحاديث أخرى حول روايات سكارميتا ومشواره في الكتابة، تاريخ تشيلي السياسي والأدبي، وآراءه في الأدب وتحولات الحكم في بلاده. اللقاء حميمي ويضج بالمشاعر والضحك والمتعة.

 لمن يجيد اللغة الإنجليزية، من الأفضل له أن يستمع للحوار على هذا الرابط

http://www.cbc.ca/player/Radio/Writers+and+Company/2011/ID/1817797673/

تعريف بالمحاورين:

 أنطونيو سكارميتا، روائي تشيلي من أصول كرواتية، وهو من مواليد 1940، كتب روايات عدة بعضها ترجمت للعربية عن طريق المترجم القدير صالح علماني، منها “عرس الشاعر” و “فتاة الترومبون”، وقد حقق من خلالها نجاحًا ممتازًا. لكن روايته “ساعي بريد نيرودا: صبر متأجج” – والتي ترجمها صالح أيضًا – تحولت إلى فيلم بديع باللغة الإيطالية حاز على عدة جوائز أوسكار، واسم الفيلم il postino، كما تحولت إلى مسرحية وتمثيلية إذاعية، وترجمت إلى العديد من اللغات، مما كفل له نجاحًا ساحقًا لايضاهى. حاز العديد من الجوائز الأدبية حول العالم، وتنقل مابين مناصب دبلوماسية وأكاديمية.

 إليانور واكتيل، مقدمة برامج كندية من مواليد مونتريال سنة 1947، عملت في منتصف السبعينات ككاتبة مستقلة في فانكوفر، وأستاذة في جامعة سايمون فرايسر. في خريف 1987، تولت تقديم برنامج إذاعي حول الفنون في تورنتو. أدارت برنامج “في صحبة الكتاب” منذ انطلاقه سنة 1990. حاز برنامجها على عدة جوائز، وحازت شخصيًا على ثمان شهادات فخرية جامعية.

الحوار

–            حدث للتو زلزال في تشيلي بقوة 8.8 على مقياس ريختر، حدثني عما واجهته وقتها؟

–            كان أمرًا سيئًا للغاية. حدث الزلزال فجر الجمعة في الساعة الرابعة، وكنا نائمين تمامًا. كان من السيء أننا لم نستطع المكوث في أسرتنا، وأدركنا وقتها أن الهزة كانت قوية وطويلة مما اضطررنا للخروج إلى الحديقة. ابني الذي يبلغ من العمر عشرين عامًا كان يحتفل مع أصدقائه، وقد نهض مرتاعًا بفعل قوة الزلزال. دام الزلزال لمدة دقيقتين، وبعد ذلك التقطنا أنفاسنا وحاولنا معرفة الأخبار، إلا أننا لم نستطع لأن الكهرباء كانت تتقطع باستمرار. تطلب من شركة الكهرباء طوال اليوم التالي لإصلاح الشبكة. وقتها كنا نحاول البحث عن مذياع لمعرفة ماذا كان يحدث، لكن المذياع والجرائد لم تعطنا معلومات كافية بسبب الرعب. أنا من مواليد تشيلي، وهذا البلد اعتاد كثيرًا على الزلازل، لكن هذا الزلزال كان مختلفًا، كان عنيفًا للغاية، وقد عرفت من اللحظة الأولى أنه سيخلف مأساة لن تمحى.

–            هل تتذكر الزلزال الذي حدث سنة 1960؟

–            نعم، أتذكره، وكان قويًا أيضًا. لكن هذا الزلزال كان أطول وأفظع. كنا نهتز طوال الوقت والأشياء تتداعى من حولنا. أتذكر أنا أحسسنا بالزلزال القديم وارتعبنا منه، لكنه يبدو لاشيء مقارنةً بالذي حدث توًا.

–            صحيح، صحيح. وُلدتَ في أنتوفوجاستو، شمال تشيلي. هل يمكنك أن تحدثني حول تلك المدينة والمنطقة؟ ماالذي كانت عليه حينما نشأت؟

–            حين وُلدت في أنتوفوجاستو كانت تصنف كقرية، أشبه بمدن أخرى ككلاما وكتشوكيكماتا، والتي كانت تحتوي المعادن. والمعادن، خصوصًا النحاس، هو صادرنا الأساسي للعالم. ثروة تلك المنطقة، بل ثروة تشيلي بأكملها، تكمن في تصدير النحاس. حينما كنت صغيرًا، لم تكن المدينة حديثة ومتحضرة كما هي اليوم. كنت طفلًا من عائلة مهاجرة، أتت من جنوب كرواتيا. قدم أجدادي في بداية القرن الماضي، ولم يستطيعوا التحدث بالإسبانية. تعلموها بكثيرٍ من المشقة. و…

–            (مقاطعة) ماالذي أتى بهم إلى تشيلي؟

–            كانت في كرواتيا خلال ذلك الوقت مشكلتان: كانوا يملكون في تلك الأيام كروم عنب، وكانت تعاني بسبب أمراض تسببها حشرة الفيلوكسرا، وتلك الحشرة تتسبب بضرر مهول لكروم العنب، والتي تنتج النبيذ والزيت. لذلك كان هناك فقر مدقع، مما جعلهم يقررون الهجرة إلى أمريكا. المضحك في الموضوع أن وجهتهم لم تكن تشيلي في بادئ الأمر، بل الولايات المتحدة، التي كانت تمثل أرض الوعود، لكن لظرف ما توجهوا إلى تشيلي. قدموا في البداية إلى قريتين هما أنتوفوجاستو في الشمال، وبونتانيراس في أقصى الجنوب.

–            أوه، هذه بالفعل في آخر نقطة من تشيلي.

–            صحيح، كان يمتلك جدي مخزنًا في ناصية الشارع. وكان يبيع فيه البقالة. وجدتي كانت إنسانة فريدة من نوعها لأنها كانت تحب الأدب كثيرًا، وبما أنها لاتستطيع قراءة الأدب بالإسبانية “لكونها كرواتية” كانت تستعيض عن ذلك بسماع التمثيليات (الميلودراما) على المذياع، وتلك كانت تسليتها. بدأت علاقتي بالأدب من خلال الاستماع لهذه الدراما الإذاعية، والتي كانت مثيرة للشفقة ومليئة بالرومانسية والمؤثرات الصوتية – مذياع، بطبيعة الحال -. وبالحديث عن القصّ، كانت جدتي تهتم بشكل خاص بتدوين تلك المسلسلات عندما كنت في الثامنة من عمري. وذلك الاهتمام بدأ يكبر فيّ عندما كبرت.

–            هل شكل الانتماء إلى مجتمع المهاجرين عائقًا لدى أجدادك؟

–            كلا، فتشيلي كانت مضيافة للجميع. في تلك المرحلة كانت البلاد تتطلع للنمو، فبالتالي كل المهاجرين من أوروبا كان مرحبًا بهم، وشكلوا في الوقت ذاته قوة حماية لذلك البلد.

–            هل يتشارك معك أبواك نفس الثقافة؟ هل ولد أبواك في تشيلي أيضًا؟

–            نعم، في نفس المدينة التي ولدت فيها. أبي توفي قبل خمس سنوات، وأمي لاتزال حية.

–            وكيف كانت حياة العائلة وقتها؟

–            كان أبي شخصية مغامرة بطبعها، جرب العديد من الأعمال دون أن يحالفه النجاح في أيٍ منها. كان ذلك سيئًا للعائلة، لكنه كان جيدًا بالنسبة لي ككاتب، لأني واجهت الواقع بأشكال مختلفة. كنا نبحث عن مستقبلٍ أفضل لذا هاجرنا إلى بوينس آيرس في الأرجنتين. الثلاث سنوات التي عشتها هناك والتي بدأت عندما كنت في العاشرة، كانت أسعد أيام حياتي. وقتها تعرفت على لكنات جديدة، أصدقاء جدد، وإلى أدب رائع أيضًا. لأن المكتبات وقتها في بوينس آيرس كانت ممتعة وجذابة، وكانت الآداب كلها حولك منتشرة. ولاننسى كذلك المسرحيات، والأفلام. دور العرض كانت ممتلئة وبكثرة، وكذلك دُور الأوبرا.

–            خلال الخمسينات؟

–            نعم. أحببت أيضًا كرة القدم، وبدأت أتعلم الشعر بالسليقة. كنت سعيدًا بالفعل، وأود أن أشكر أبي لأنه أخذنا إلى هناك. بدأت العمل لدى محل خضار وفاكهة منذ وصولنا لأنه لم يكن معنا مال، عملت على توصيلها لمنازل مختلفة، وكنت أتقاضى بعض البخشيش، وأستلم مرتبي كل أسبوع. كنت أستطيع بهذا المال أن أشتري مجلات، وأن أذهب للسينما، في ذلك الوقت كنت أحب الآيسكريم، وتستطيعين أن تلاحظي مافعل بجسمي لأنه كان مليئًا بالدهون (يضحك) . كنت مستقلًا، في عمر العاشرة شعرت بالحرية، والاستقلالية، وكان لذلك تأثيره على حياة أبي.

–            وعندما عادت عائلتكم إلى تشيلي، هل توجهتم إلى أنتوفوجاستو؟

–            لا، فقد ذهبنا إلى سانتياجو (العاصمة). توجهت إلى المدرسة الثانوية هناك، وبعدها إلى كلية كانت تسمى “المعهد الوطني”، كانت كلية راقية، ودرست بها لمدة ست سنوات.

–            كيف ذهبت إلى هناك؟ أقصد، بما أن العائلة لم تملك مالًا لذلك، هل ذهبت إلى هناك بمنحة؟

–            كلا، من الأشياء الرائعة التي كانت موجودة في تشيلي قبل حكم بينوشيه والإنقلاب العسكري، أن التعليم بالكامل كان مجانيًا، حتى التعليم الجامعي. كان من الكافي أن تتقدم لمقابلة الجامعة كطالب جيد وتُظهِر اهتمامك بالمعرفة والحياة لتدخل.

–            في ذلك الوقت، ماالذي أردت أن تكون؟

–            في ذلك الوقت؟ عزيزتي إليانور، منذ اللحظات الأولى في حياتي عندما سألت هذا السؤال لنفسي أجبت بأني أريد أن أكون كاتبًا، ولاشيء آخر. منذ كنت في الثامنة، حكمت علي جدتي بأن أكون كاتبًا خلال حديثٍ معها، وقد تقبلت ذلك الحُكم. دعيني أخبركِ أمرًا آخر. حينما كنت في السادسة عشر من عمري، وكنت أنهي دراستي الثانوية، سألني أبي: “ماالذي تريد أن تفعله في حياتك يابني؟”، وأخبرته بلا تردد: ” أريد أن أصبح كاتبًا ياأبي.”، وعلى الفور، لم يقم أبي بما سيقوم بفعله أي أبٍ تشيلي في ذلك الوقت حينما سمع الجواب، وهو إرسال الابن إلى مصحة عقلية (يضحك)، بل قال: “رائع، عظيم، يالها من فكرة جيدة. اسمع، قم بكتابة قصص واقعية أو أشعار، هاك العديد من الدفاتر، اكتب بقلم الرصاص، وأنا سأطبع ماتكتبه يوميًا على الآلة. وستجده مطبوعًا بشكل ممتاز صباح الغد.”، وقد حدث ذلك بالفعل. أخذت تلك الدفاتر، وظللت أستمر بالكتابة كل يوم. وفي يوم ما، قال أبي: “اسمع يابني، هل كتبت مايكفي من القصص لتنشر كتابًا؟”. لم ألاحظ ذلك في بادئ الأمر، لأن الكتابة كانت محض متعة. لم أفكر في ذلك الوقت بنشر كتاب. رددت بأني لا أعرف، لكن ماذا فعل أبي؟ ذهب بكل قصصي وأرسلها لمسابقة وطنية للقصص القصيرة دون أن يخبرني، وتحت اسم مستعار. بعد ذلك بشهرين، كل ناشر في تشيلي كان يبحث عني لينشر لي كتابًا لأني تلقيت الكثير من المديح بخصوص قصصي. هل يمكنكِ أن تتخيلي كم أحببت أبي بسبب ذلك؟

–            نعم، ياله من أمر استثنائي. هل كان والدك قارئًا جيدًا؟

–            كان قارئًا. عندما مات أبي، كنت أحاول البحث عن معلومات بخصوص حياته عندما لم أولد. في أحد المرات، وجدت في جريدة تتبع أنتوفوجاستو بعض القصائد المنشورة باسمه. قرأتها، وكانت ناعمة وحساسة بشكل عجيب. أظن أن له اهتمامًا بالأدب الجميل، وقد فكر: “أنا لن أصبح كاتبًا، ولكن إن كان يريد ابني الكتابةَ، فلم لا؟”

–            ماذا عن أمك؟ هل كان لديها اهتمام بهذا الموضوع؟

–            لاأظن ذلك. أمي امرأة جميلة ومحافظة، وليس لها ذلك الاهتمام الفكري. كانت تحب الاستماع إلى الموسيقى، وخصوصًا موسيقى البوب الرومانسية التي ندعوها “بوليروس”. كانت لديها أغنية محببة اعتدنا أن نرددها دائمًا وهي “نوسوتروس”، وهي أغنية حزينة عن ثنائي لايستطيعان العيش سويًا لسبب مجهول لم توضحه الكلمات. الرجل يقول لفتاته: يجب أن نفترق، أعتذر، ليس هناك مايمكننا فعله.. (يغني مقطعًا من الأغنية).

–            وهل لاتزال تغنيها مع أمك؟

–            حتى الآن. لقد كبرَت بالسن، وفقدت جزءًا من ذاكرتها. لكن في أي وقت أود إسعادها، أبدأ بغنائها وتعود على الفور مبتهجة للحياة.

–            سيد سكارميتا، قلت أنه لوقت طويل كانت تراودك أحلام الهجرة من تشيلي إلى الولايات المتحدة، وتحديدًا نيويورك. لماذا؟

–            لأني لم أعرف كندا وقتها (يضحك). اسمعي، كنت دبلوماسيًا في فترة ما، فمتى ماسنحت لي فرصة أن أسدد هدفًا فعلت.
كأشخاص في ذلك الحين، كنا مبهورين بالثقافة الأمريكية. كان الأمر برمته معقدًا، فمن جهة سياسية، كنا يساريين.. ولم تعجبنا سياسات أمريكا. لكن على الجهة الأخرى، كنا مبهورين بثقافة الأمريكان السريعة: موسيقى الروك آند رول، أفلام هوليوود، صنَّاع أفلام مستقلين، والشعر والنثر. لذلك كنا في ذلك الوقت معجبين بشعراء أمثال والت ويتمان، وقاصين أمثال جاك كيرواك، وروائيين مثل سكوت فيتزجيرالد هم كانوا من نقرأ لهم ذلك الوقت. كنا مغامرين بطبعنا، ونرى أن الحياة في مكان آخر وليس تشيلي. صحيح أنها تحمل مناظر ساحرة، وتحوي الزلازل المثيرة، لكن الفن، والثقافة، الحياة، الشاشة الكبيرة.. كانت خارج البلاد في الولايات المتحدة؛ وهذا كان السبب. عندما لاحت أول فرصة للذهاب، أخذت الباخرة، وذهبت مع أصدقائي هناك للتجوال.

–            هل كان ذلك قبل حصولك على المنحة لدراسة ماجستير الآداب في جامعة كولومبيا؟

–            نعم. لأني كنت أكرر الذهاب إلى هناك بحثًا عن المغامرة. ذهبت أيضًا مع أصدقائي إلى بلدان أمريكا الجنوبية كالبرازيل، البيرو، وبوليفيا، وكنا نعود من هناك لتشيلي. وبقدر مااكتنفت تلك الرحلات من متعة فقد تطلبت أيضًا تضحيات، لأنها كانت محفوفة بالمخاطر. كنا ننام بعض الأحيان في الشارع، كنا لانجد مانأكله، ومرةً جربنا أن نخبز لنأكل. لكني عدت بعد كل ذلك للجامعة، وبدأت دراسة الفلسفة في ذلك الوقت، ومن ثم أتتني المنحة للذهاب إلى جامعة كولومبيا في نيويورك.

–            كيف تغيرت نظرتك إلى تشيلي أثناء عيشك في الولايات المتحدة؟

–            حسنًا، تغيرت كثيرًا. في ذلك الوقت، لم يكن للثقافة اللاتينية ذلك التأثير في أمريكا. في الواقع، كان نشاطهم خاملًا في المحافل الثقافية، وكانوا لايمثلون سوى قوى عاملة في وظائف قاسية وتدفع أجرًا سيئًا. كان لدى تشيلي في ذلك الوقت مسرحيات لاتجلب الانتباه، وكنت – عمومًا – مستمتعًا بحياتي؛ لكن في لحظةٍ ما، أدركت بأنه يجب علي أن أبحث عن جذوري. عدت إلى تشيلي، وبدأت الاستمتاع بالحياة اليومية. بدأت بمعرفة جوانب من تاريخنا، وبدأت بالنظر إلى الناس بعين أخرى: عين التعاطف والاهتمام. وبهذا السلوك، تغيرت اهتماماتي السياسية. بدأت أيضًا بكتابة قصصٍ تقع أحداثها في تشيلي، وبشخصياتٍ شابة.

–            كنت تريد أن تكتبها كذلك كي تصبح كاتبًا أمريكيًا، كجاك كيرواك؟

–            نعم، بالطبع. كانت شخصياته تستمتع بحياتها طول الوقت. على ذكر المتعة، أذكر أني كنت في رحلة إلى بوليفيا، وكنت متوجهًا بقطارٍ إلى لاباز (العاصمة)، وكان هناك العديد من الأشخاص يرقصون في المحطة. قابلت فتاة بتلك الملابس البوليفية…

–            (مقاطعة) المتعددة الطبقات؟

–            نعم. كانوا يرقصون بنشوة. واحدة من الفتيات كانت تخاطبني وتقول: “هي أنت، انزل من القطار.”، ورددت بأني لاأستطيع لأني ذاهب إلى لاباز. كنت في أورورو، وهي مدينة في جنوب بوليفيا. ردت علي بقولها: “لاتذهب، لاحقًا ستموت ويفوتك كل هذا.”، على الفور قفزت من القطار. استقبلتني الفتاة وعلمتني كيف أرقص في هذا المهرجان، أتذكر أنني شربت كثيرًا، وأنني كنت أستمع إلى موسيقى لغتهم، وإلى شعرهم، وكنت مذهولًا للغاية. مثلَت بوليفيا بالنسبة لي ذلك البلد المبشر بالثقافة اللاتينية، ومرجع تلك القارة في الفن والأدب. قلت لنفسي:”يالي من أعمى. كم أحب هذه القارة، وكم أحب هؤلاء الأشخاص.”. وهذا السبب الذي دفعني للعودة إلى تشيلي.

–            بدأت بنشر كتبك بنفسك في أواخر الستينات حينما كنت صحفيًا في سانتياجو، وكناقد أدبي، وكمخرج فني، وكأستاذ للأدب في الجامعة. هل كانت تلك الفترة جيدة للفن والثقافة في تشيلي؟

–            كانت تلك الفترة هي الأفضل على مدى العصور. لأن في ذلك الوقت، كانت الحياة على أقصى تسارعها هناك، وكانت تسير بالحد الأقصى من المتعة. كان هنالك العديد من الحركات السياسية التي تهدف لتحسين معيشة الفقراء، والعديد من الحركات السياسية الجديدة التي لم تتبع الأطر القديمة للشيوعية أو الخطب الإشتراكية الشعبية. كان لديها الكثير من الطاقة الثقافية. صحيح أنها حركات سياسية كما تظهر، لكنها كانت ثقافية أساسًا. أردنا التقدم والحرية، لكننا أردنا فعل ذلك بطريقتنا. كان الأمر برمته يبعث على الحماس. كانت تلك الأيام ممتعة، ومليئة بالاستقلالية.

–            كانت ممتعة إلى أنها لم تعد كذلك (تضحك). كيف كانت الأجواء في السبعينات، حينما كان سلفادور الليندي وحزبه اليساري أول حزب منتخب ديمقراطيًا في تشيلي؟ هل كان هناك دعم للمجتمعات الثقافية والفكرية؟

–            بشكل كامل تقريبًا. الفنانون والأدباء كانوا مستمتعين بالمحافل والأجندة التي كانت تقام لهم، الرجل نفسه كان ملهمًا بحق، وحساسًا، كأنما خلق من أجل الثقافة. كان كل فنان وكاتب يعمل بالاتجاه نفسه، وكذلك سلفادور الليندي وأحزابه السياسية. عندما انتهت تلك الفترة بقتل الكثير من قِبل الجيش واعلان الانقلاب، كان من ضمن القتلى العديد من الفنانين والأدباء. تعلمون جميعًا كيف قتل فيكتور خارا، وهذا لوحده مثال مأساوي لما جرى. قبل شهرين، ظهر تقرير حول كيفية إعدامه، وعن الطلقات التي اخترقت جسده. كان معتقلًا في سجون الجيش، وتم إعدامه بأكثر من ثمانين طلقة، مما قطعت جسده إربًا.

–            (مقاطعة) تم الاحتفاظ بما تبقى من جثمانه..

–            قاموا بتحليل المتبقي من خلال تقرير علمي عالي الدقة، لدرجة أنهم عرفوا توقيت كل طلقة وماهي الطلقة الأخيرة. كان أمرًا مهولًا. الآن ماأود قوله هو، ومن خلال هذا المثال، أن حماس المثقفين والشباب كان مليئًا بالحركة والحرية، لدرجة أنهم دفعوا حياتهم ثمنًا لذلك في مناسبات عديدة.

–            أنطونيو سكارميتا، الفترة التي قادت إلى انتخاب سلفادور الليندي كانت الفترة التي جرت فيها أحداث روايتك الأشهر “ساعي بريد نيرودا: صبر متأجج”. ولعل العنوان الأكثر شهرة عند القراء هو “ساعي البريد”، وذلك بسبب الفيلم الجميل الصادر سنة 1994 “Il postino”. القصة تستعرض أحد أيقونات تشيلي الثقافية، وهو الشاعر بابلو نيرودا. هل كنت تكن قدرًا كبيرًا لنيرودا، كشخص وكشاعر؟

–            نعم، ولازلت. من بين العديد من الشعراء في كلا الأمريكتين، يبقى نيرودا شاعري المفضل بفارق بعيد عن غيره. وكان أيضًا من تشيلي، وهذا سبب آخر لكي أحبه. لذلك كتبته، وأحببته ككاتب وقارئ، بدأت بدراسته بشكل عميق، ودرَّست شعره لطلابي حينما كنت أستاذًا مساعدًا بالجامعة. عندما نشرت كتابي الأول، قررت الذهاب إلى إيسلانيدا، وهي قرية صغيرة ساحلية تبعد 200 كيلو متر عن سانتياجو، وأخذت معي كتابي الأول. كان عبارة عن مجموعةٍ قصص قصيرة بعنوان: “الحماس”، كان ذلك العنوان مقصودًا. لاحظت في ذلك الوقت أن كل النثر في تشيلي هو نثر محافظ، كئيب، مليء بالشخصيات المسنة والتي تحتضر. وأردت أن أظهر للناس أن الحياة رائعة، وتبعث على الحيوية والمرح والأمل والمغامرة، أردت أن أظهر ذلك منذ بداية الكتاب، أي الغلاف. أخذت الكتاب إلى نيرودا، وطلبت منه أن يقرأه. قال لي:”حسنًا أيها الشاب، أود أن أقرأه، ولكن ليس الآن. سأقرأه خلال شهرين، عد بعد شهرين وسأخبرك حول رأيي في الكتاب.”، لكني عدت بعد أسبوعين. طرقت الباب، وعندما أتى نيرودا إلى الباب قلت له:”مرحبًا، هذا أنا. هل قرأت كتابي الأول، الذي أهديته لك؟”، رد علي بـ:”نعم، قرأته.”، لم أستطع الانتظار فقلت:”ومارأيك به؟”، نظر إلي وقال: “جيد.”، من دون أي حماس. لكن، مجرد سماعي كلمة “جيد” من شفتيه كان كافيًا ليجعلني سعيدًا. كدت أن أقفز من الفرحة، ولكن نيرودا – وأتذكر ذلك جيدًا – أتبع قائلًا: “ولكن، ماقلته لايعني شيئًا. لأن كل كتابٍ أول لمؤلفٍ تشيلي هو كتاب جيد.”

–            (تضحك) .. هل استمررت بالتعرف عليه شخصيًا؟ أو أمضيت وقتًا معه؟

–            يظن بعض الناس من خلال روايتي والفيلم المقتبس عنها أنني صديق حميم لنيرودا، بينما في الحقيقة لم أكن كذلك. طوال حياتي لم أرَ نيرودا سوى اثنتي عشرة مرة تقريبًا، فيما عدا ذلك لم أره على الإطلاق، ولم أزره بشكل منتظم. في نهاية حياته، عندما كانت الحكومة برئاسة حزب “وحدة الشعب”، خضنا عددًا من الاجتماعات المتكررة لنرى كيف يمكن للمؤلفين المبدعين والفنانين انقاذ حكومة سلفادور الليندي من كارثة محققة. لذلك كتبنا منشورًا مشتركًا إلى المجتمع الدولي نطلب فيه المساعدة لتجنب الانقلاب، ووقتها قابلت نيرودا مرات أخرى. في مرات عديدة، حينما كنا نجتمع مع نيرودا، تكلمنا عن أشياء لايتكلم عنها المثقفون عادةً. تكلمنا عن علاقات حبنا في الماضي والحاضر، عن شعراء آخرين يعيشون في سانتياجو وعلاقات الحب التي لديهم، عن الرحلات، عن أعداء نيرودا، وعن شعراءٍ يكرههم نيرودا. اعتدت أن أمازحه بأن أحور بعض الكلمات في شِعره لتظهر قصائده بشكل مضحك. كانت علاقة جميلة في ذلك الوقت لأني كنت صغيرًا في ذلك الزمان ومستقلًا. لم أنتمي لأي حزب سياسي، وهو كان شيوعيًا حادًا. كانت العديد من مقابلاته مع رؤساء حزبه والعديد من الشخصيات الدولية تتسم بالجدية، لذلك حينما كنت أقابله كان يعلم بأننا سنحظى بالكثير من المتعة والضحك. وربما لهذا السبب كتبته في “ساعي بريد نيرودا” بتلك الشخصية الظريفة، وأعتقد بأنها أتت من تجربتي وأحاديثي معه. لايشك أحد في أن نيرودا الحقيقي كان رجلًا كبيرًا بشخصية مؤثرة، بينما نيرودا الذي في الرواية كان يُرى بعيني ساعي بريد حالم في قرية تشيلية.

–            من ضمن الرسائل التي أتى بها ماريو إلى بابلو نيرودا، كانت هناك برقية من الحزب المركزي الشيوعي تفيد بترشيحهم له للرئاسة، وهذا ماحدث بالفعل سنة 1970 إلى أن تنازل عن ترشيحه وقام بدعم سلفادور الليندي. وهناك العديد من الأحداث الحقيقية الأخرى، كرسائله الدبلوماسية إلى أصدقائه، وحيازته لجائزة نوبل عام 1971. ماالذي دفعك إلى طرح هذه المعالم بأعين سكان شبه أميين من تشيلي ..

–            (مقاطعًا) لأن تلك الأحداث كان لها تأثير في حياتي، حياة نيرودا، والحياة في بلادي عمومًا. الرواية نفسها تُعد استعارة أيضًا، تلك الاستعارة تعبر عن الحياة الغنية بالأحداث في تشيلي خلال فترة قصيرة جدًا من الزمن. وبما أن الرواية بأكملها مبنية على علاقة بين شخصين غير متكافئين، قررت أن أستخدم هذه الأحداث المتصلة: انتخاب سلفادور الليندي، ذهاب نيرودا إلى باريس، ومن ثَمَّ الإنقلاب؛ في النهاية تلك النهاية المأساوية لماريو خيمينيث ساعي البريد. وكل تلك الأحداث كان لها تأثيرها في بلادي.

–            لأننا نرى في غلاف الرواية الخلفي تلك الأزمات والمعارك الوحشية التي جرت سنة 1973، والتي دمرت أحلام نيرودا والكثيرين غيره بتشيلي ماركسية واجتماعية، كيف كان تفاعلكم تجاه الأحداث التي مرت على نيرودا خلال تلك الفترة، من مرضه وحتى العناية به في المستشفى والهجمات على منزله، وغيرها؟

–            في أيام الإنقلاب، ومنذ أيامه الأولى، كنا نأمل بغد أفضل. في تلك الأيام المأساوية كان الكل يريد أن ينجو بحياته، كانوا يركضون ويختبئون ولم يعيروا اهتمامًا كبيرًا بمن لم يقطن سانتياجو. كان نيرودا يعيش وقتها في إيسلانيدا. بالمناسبة دعيني أخبركِ أمرًا، تُوفي نيرودا بعد عشرة أيام فقط من الإنقلاب، عشرة أيام من موت سلفادور الليندي. وحين مات، أحضر جثمانه إلى سانتياجو في سيارة إسعاف. وصلت جثته في المستشفى، وفي اليوم التالي حضرت جنازته. في ذلك الوقت، كان كل من يرتبط به في خطر، لأنه كان من المحتمل أن يقتل. هكذا بكل بساطة. في يوم الجنازة، قدم العديد من الأشخاص لمرافقة جثمان الشاعر إلى المقبرة. أعتقد بأن كل من مشى مع الجثمان إلى المقبرة هو بطل وعلى قدر كبير من الشجاعة، لأنه يخاطر بحياته وأكثر من ذلك. عندما وصلت الحشود إلى المقبرة، بدأت بغناء “النشيد الشامل”.

–            هل كنت هناك؟

–            لا، لم أكن هناك، كنت مختبئًا. أعتذر، لست من هذا النوع من الأبطال أبدًا، وأقر بذلك. أحترم كل من ذهب إلى هناك في ذلك الوقت. كنت أفعل شيئًا آخر، ليس بذلك الشيء الاستفزازي كمرافقة الجثمان، كنت مشتركًا بنوع آخر من المقاومة، وليس بذلك البطولي. كنت بالاشتراك مع عدة رفاق نخبئ بعض الأشياء المهمة.

–            أنطونيو سكارميتا، تغيرت حياتك بشكل متسارع بعد الانقلاب على سلفادور الليندي في سبتمبر سنة 1973، أرغموك على مغادرة تشيلي، ماالذي حدث لك بالضبط؟

–            ليس من الدقيق أن نقول بأني أرغمت على مغادرة تشيلي. في ذلك الوقت، اعتقدت بأنه من الأفضل أن أغادر البلاد، لأنه لم تكن هناك إمكانية للكتابة بحُرية. لم تكن هناك صحافة مستقلة، الكتب كانت ممنوعة، طرد الأساتذة من جامعاتهم، كنا بلا وظائف. سألت نفسي:”ماالذي أستطيع فعله هنا؟” ولم أعرف الإجابة، لذلك قررت الرحيل. ذهبت إلى برلين الغربية، لأن مدير الجريدة التي أعمل عندها في ذلك الوقت أعطاني تذكرة، وعرض علي منحة لكتابة نص فيلم كان يخطط له. ولهذا السبب انتقلت إلى ألمانيا. في ذلك الوقت، لم أعرف كلمة ألمانية واحدة، والمضحك أنني كنت أدرس الفلسفة، وفي ذلك الوقت كانت لفلسفة مارتن هايدغر شعبيتها، وكنت خبيرًا بها. كنت أعرف بعض الكلمات التقنية الفلسفية بالألمانية بينما لاأستطيع قول نعم أو لا بالألمانية.

–            إذًا لم تشعر بالتهديد لو بقيت في تشيلي؟

–            لا، شعرت بالتهديد والرعب. والسبب أن بعض أصدقائي ممن بقوا، وكانوا معي في نفس الجامعة ويشاطرونني نفس الأفكار، قد أحضروا إلى السجن، وتعرضوا للتعذيب. واحد منهم قد قتل، رأيت بعضهم وهم يقفزون أسوار السفارات الأجنبية ليهاجروا من البلاد. لذلك أعتقد بأني قد قمت بحركة ذكية حين غادرت.

–            هل كانت لديك فكرة حينما قدمت إلى برلين، بأن إقامتك ستطول؟

–            في أول الأيام، لا. كنت محطَّم المشاعر، ولم أعتقد بأن عنفًا كهذا سيطول. وأن هناك حلًا قريبًا لتشيلي. لكن مع السنوات، أيقنت بأن الحل سيستغرق سنين عديدة. منذ البداية قررت أن أفتح قلبي وعقلي للثقافة الأجنبية: تعلمت اللغة الألمانية، قرأت الرومانسيات الألمانية، بدأت العمل لصناعة الأفلام الألمانية، قمت بمقابلات، قررت أنه إذا كنت أريد الحرية لبلادي، فعلي أن أخبر العالم بما يحدث هناك، وهذا بالضبط مافعلته، فعملت بجد. أخبرت الإعلام بمشاكلنا وخيبتنا، وحاولت أن أثير التعاطف لمن يناضل في تشيلي من أجل الحرية، وساعدت في إنشاء بعض المعاهد لنشر الثقافة الديمقراطية.

–            ماأصعب شيء مر عليك خلال تلك الفترة؟ ماهو أكثر شيء افتقدته؟

–            كان يمور في داخلي حزن عميق، فتشيلي بلد جميل مليء بالأمل، ولايستحق كل هذا العذاب. مجرد التفكير بالأشخاص المعذبين في تشيلي يجعلني أمرض. كان خليطًا من الحزن والقهر، وفي نفس الوقت، تذكرت بأنه كانت لدي عائلة في تشيلي السابقة، كانوا راضين بمكانهم وبماهم يعيشون فيه، وكتبت عن ذلك في ساعي البريد، وبعدها ذلك الدمار التي امتد. بعدها قررت أن أكتب وأنا أنظر لأولادي، الأمر غريب لأن أول قصة كتبتها في برلين كانت بعنوان “لم يحدث شيء”، وهي قصة عن تجربة قهر بعيون فتى له خمسة عشر عامًا فقط. بصوته، أعتقد بأني كتبت القصة من زاوية مختلفة. لأن قصة العائلة بأكملها ومسارها، مكتوبة بشخصية ساذجة، ومن دون ذلك النفَس الكئيب لأدبيات القهر. لذلك استطعت أن أكتب شيئًا غير اعتيادي في ذلك الوقت. قصة حول القهر لكن بطابع أقرب للكوميديا، ونجحت.

–            أنطونيو سكارميتا، عشت في برلين الغربية مابين 1975 إلى 1989، حينما عادت تشيلي للديمقراطية بعد 14 عامًا من الحكم العسكري. هل رأيت أنه من المناسب أن تعود إلى هناك بمجرد عودة الأمور إلى نصابها؟

–            غادرت برلين إلى تشيلي لأن شيئًا مثيرًا قد حدث: الناس قد استعادت حريتها من بينوشيه. كان الموقف جنونيًا، لأن بينوشيه اعتقد أنه سيفوز ضد خصمه، بينما اكتفى خصمه بطرح سؤال بسيط: “هل ترضون بأن يحكمكم لثمان سنوات أخرى؟”، كان واثقًا لأن الإعلام كان يعمل على صنع بروباجاندا له، والتلفزيون كان يذيع لصالحه، أمضى في الحكم خمسة عشر سنة دون منافس، لذلك اعتقد أن الأمر سهل، وأنه سيفوز لا محالة. قامت الأحزاب السياسية المعارضة، بمساعدة العديد من الطلاب والفنانين والمؤلفين ، بحملة رفضٍ بديعة، مليئة بالمرح، وبأمل أن يسقط بينوشيه. كان الأمر مفاجئًا، وسقط بينوشيه، وها نحن ننعم بالديمقراطية إلى اليوم. إذًا، عدت لتشيلي بعد الحملة، لكن الحملة كانت تهمني، لأنها أرتني كيف يمكن لها أن تصنع القوة التي غيرت المجتمع.

–            خلال مكوثك في برلين، هل استطعت أن تزور عائلتك وأصدقائك في تشيلي؟

–            مرة واحدة فقط، وكانت تجربة سيئة سنة 1985، في تلك السنة اختُطف ابن ممثل كنت أعمل معه من قِبل شرطة بينوشيه، وقتل. قاموا بنحره. كنت صديقًا جيدًا لأبيه، وتسبب ذلك الحادث لي بألم فظيع ذلك الوقت، مرت قبل تلك الحادثة اثنا عشرة سنة على الانقلاب. مرت تلك السنوات الثقيلة ومازالوا يقتلون الناس بتلك الطريقة الوحشية. في تلك اللحظة فقدت الأمل باسترجاعنا للديمقراطية. لكن غيرت رأيي بعد سنتين، حينما رأيت الجماهير تتحرك للخلاص.

–            روايتك الأخيرة المنشورة بالانجليزية دارت حول فترة الديكتاتورية في سانتياجو، والعنوان الإنجليزي للرواية هو “الراقصة واللص”، تحوي مفاهيم عديدة حول الجاسوسية والخيانة والتعقيد في العالم الذي صنعته، سقوط نظام بينوشيه واسترجاع الديمقراطية، وتغلب الخير على الشر، هل يمكنك أن تحدثنا حول الإلهام لكتابة هذه الرواية؟ وماالذي أردت أن تستعرضه وتريه للقارئ؟

–            عندما عادت الديمقراطية، كانت هناك العديد من المشاكل التي لم تحل. هناك ناس عانوا ولاسبيل لاسترجاع مافقدوه. وهذا بالضبط ماحدث في “الراقصة واللص”. شخصية الرواية الرئيسية هي طالبة في المرحلة الثانوية، تود أن تنهي دراستها وتصبح راقصة محترفة. تعلمت الرقص في أكاديمية جيدة، ونجحت بالأكاديمية وقامت بالرقص على مسارحٍ شهيرة في سانتياجو وبوينس آيرس. كانت هذه الشابة تعاني لأنها لم تجد قوى لمساعدتها على إكمال الطريق، فيكتوريا – وهذا هو اسمها – هي ابنة رجل قتل في زمان الديكتاتورية، وأكملت حياتها من دونه، وأمها امرأة مكتئبة لم تعرف ماالذي تفعله بعد أن قتل زوجها في ظروف قاهرة. ومن المحتمل أن فيكتوريا لن تدرك حلمها في أن تكون راقصة محترفة. إذًاً، هي شخصية تعاني من ظلال الماضي، بكل ذلك الحمل على كتفيها، وبكل ذلك الإكتئاب. وجدت هذا الإكتئاب في عدة أشخاصٍ في تشيلي.

–            عندما طُردت من المدرسة، كان أحد المدرسين يذكر البقية بمقتل والدها وكيف تم. ردت المديرة بأن “ذلك الأمر حدث قبل 17 سنة، والآن تشيلي ديمقراطية منذ زمن. متى نتوقف عن لوم بينوشيه بكل شيء؟”، وهنا يبرز سؤال معقد، ماهي رؤيتك؟

–            لايمكن للديمقراطية أن تكون  كاملة. لكن، في بلد يعيش ديمقراطيته الأولى بعد حكم مجرم سفاح، يقتل الناس ويفكر بطريقة مختلفة كما يعتقد، من يرسل الناس إلى المعتقلات، من يعذب، لاتستطيع القول بأنه لايلام. في تشيلي الآن هناك حكومة اجتماعية ديمقراطية لعشرين عامًا، وعما قريب سيكون هناك تغيير. الحكومة الجديدة ستنصب خلال الأيام القادمة وهي ممثلة للجبهة اليمينية، والتي تدار من قبل أشخاص عملوا مع بينوشيه. لابأس، لايهمني الأمر، ولاأمانع، ويمكنني أن أسامح وأنسى. لكن، سيكون الأمر مختلفًا. لأن الديمقراطية التي فرضت نفسها بالقوة ستُستخدم من قبل ناس دعموا بينوشيه. لابأس، يجب أن أتعايش مع هذا الأمر لأنهم تغيروا، ويجب أن نثق فيهم. لكن، هناك فرق حينما نختلف في آرائنا بمناخ ديمقراطي، وبين اختلافنا أيام بينوشيه. قتل بينوشيه مع رفاقه كل من يعارضونه محاربًا للديمقراطية. الديمقراطية أمر جيد حتى مع رفاق بينوشيه.

–            عندما أعود وأقرأ تاريخ تشيلي أيام الانقلاب، أجد أن هناك بلدًا مقسمًا، وتفاوتًا مهولًا في الطبقات. إلى أي مدى ترى البلد حاليًا في انقساماتها؟ هل لازالت تعيش الماضي؟

–            لا، لم تعد كذلك. أعتقد بأن الأشخاص التي قسوا على المجتمع قد تغيروا، وتضرروا بما يكفي من نظام بينوشيه. هم الآن مقتنعون بأن الديمقراطية هي النظام الأمثل لحكم البلاد، وقد طوروا الآن اقتصادًا مذهلًا على النقيض من الموجود أيام الديكتاتورية، وهم الآن مقبولون أمام العالم. أؤمن بأن هناك مستقبلًا أفضل لتشيلي، الأشخاص الذين لم يتواصلوا فعلوها الآن بسبب الديمقراطية منذ عشرين عامًا وهم يجنون ثمار مافعلوا.

–            كانت فرصة رائعة لأني قابلتك، شكرًا جزيلًا.

–            شكرًا لكِ، وأرجوك أن تعذري إنجليزيتي.. كنت عائدًا للتو من زلزال.

–            (تضحك).

أنطونيو سكارميتا

إليانور واكتيل

لماذا نقرأ الأدب؟ – ماريو بارغاس يوسا

يوسا، كما أتمنى لو أراه.

خلال الفترة الماضية، عملت على ترجمة نصين لروائيين أحبهما كثيرًا، وهما البيروفي ماريو بارغاس يوسا، والروسي-الأمريكي فلاديمير نابوكوف.

هذا النص كتبه يوسا في مجلة نيو ريبابليك، وسبق رفع ترجمته من خلال موقع جريدة آراء الكويتية.. لكني أضعه هنا مخافة أن تضيع الصفحة، فيضيع الجهد. وأظن أن هذا العذر مقبول 🙂

هذا النص بعنوان: لماذا نقرأ الأدب؟

دائمًا ما يأتيني شخص حينما أكون في معرض كتاب أو مكتبة، ويسألني توقيعًا، إما لزوجته أو ابنته أو أمه أو غيرهم، ويتعذر بالقول بأنها “قارئة رائعة ومحبة للأدب”. وعلى الفور أسأله: “وماذا عنك؟ ألا تحب القراءة؟”، وغالبًا ما تكون الإجابة: “بالطبع أحب القراءة، لكني شخص مشغول طوال الوقت”. سمعت هذا التعبير العديد من المرات، وهذا الشخص وبالطبع الآلاف مثله لديهم أشياء مهمة ليفعلوها، فهناك التزامات كثيرة ومسؤوليات أكثر في الحياة، لذلك لا يستطيعون إضاعة وقتهم الثمين بقراءة رواية أو ديوان شعر أو مقال أدبي لساعات. استنادًا إلى هذا المفهوم الواسع، فإن قراءة الأدب هي نشاط كمالي يمكن الاستغناء عنه؛ لا شكّ بأنه يهذب النفس ويزودها بالأخلاق الحميدة وبالإحساس بمن حولها، لكنه في الأساس ترفيه، ترف للأشخاص الذين يملكون وقت فراغ. هو شيء يمكن وضعه بين الرياضات أو الأفلام أو لعبة شطرنج؛ وهو نشاط يمكن أن نضحي به دون تردد حينما نرتب «أولوياتنا» من المهام والواجبات التي لا يمكن الاستغناء عنها في سعينا الحياتي الشاق.

يبدو بشكل واضح أن الأدب شيئًا فشيئًا يتحول إلى نشاط نسوي. في المكتبات، وفي المؤتمرات الخاصة بالكتّاب، وحتى في كليّات العلوم الإنسانية، نرى بوضوح أن النساء أكثر من الرجال. وهذا الأمر يُفسَّر عادةً أن نساء الطبقة المتوسطة يقرأن أكثر لأنهن يعملن لساعاتٍ أقل، لذلك يستطيع العديد منهن تخصيص وقت أكثر من الرجال لقراءة القصص والتفرغ للوهم الذي تخلقه الكتب. وأنا – بشكلٍ ما – أتحسس من التصنيفات التي تفصل النساء والرجال بشكل جامد، وتنزع لكل من الجنسين طبعه الخاص ونتائجًا تترتب من هذه الطباع. لكن مما لا يشك فيه أحد هو أن قراء الأدب في تناقص، وأن غالبية الباقين من القراء هن نساء.

هذا الأمر يحدث في كل مكان تقريبًا. في إسبانيا – على سبيل المثال – كشفت إحصائية حديثة أقامها اتحاد الكتاب الإسبان أن نصف السكان لم يقرؤوا كتابًا من قبل، وكشفت أيضًا أن النساء ضمن الأقلية التي تقرأ يتعدين الرجال بنحو 6.2%، وأن هذا الفارق يزداد مع الوقت. أنا سعيد من أجل أولئك النسوة، لكني أشعر بالأسف للرجال، وللملايين ممن يستطيعون القراءة لكنهم اختاروا تركها.

هم لا يثيرون الشفقة لأنهم يجهلون المتعة التي تفوتهم فحسب، بل أيضًا لأني مقتنع بأن مجتمعًا بلا أدب أو مجتمعًا يرمي بالأدب – كخطيئة خفيَّة – إلى حدود الحياة الشخصية والاجتماعية هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته. أود أن أطرح تفنيدات لفكرة أن الأدب نشاط للمترفين، وأن أعرضه كنشاطٍ لا يستغنى عنه لتشكيل المواطنين في مجتمع حديث وديمقراطي، أي مجتمع مواطنين أحرار.

نحن نعيش في عصر تخصص المعرفة، وذلك بفضل التطور الهائل للعلوم والتكنولوجيا، وبفضل تقسيم المعرفة إلى وحدات صغيرة وعديدة. وهذا الاتجاه الثقافي سيستمر بالنمو لسنوات قادمة. للتأكيد، فإن التخصص له منافع عديدة. فهو يسمح باكتشاف أعمق وتجارب أعظم وأكبر، وهو محرك التقدم والتنمية. غير أن له أيضًا عواقبه السلبية، فهو يمحي الصفات الفكرية والثقافية بين الرجال والنساء، والتي تسمح لهم بالتعايش، والتواصل، والإحساس بالتضامن فيما بينهم. يؤدي التخصص إلى نقص في الفهم الاجتماعي، وإلى تقسيم البشر إلى جيتوات[1] من التقنيين والأخصائيين. إن تخصيص المعرفة يتطلب بالتالي لغة دقيقة ورموزًا تزداد غموضًا كل مرة. وبالتالي، فإن المعلومة تصبح أكثر عزلة؛ وهذا هو التخصيص والتقسيم الذي كان يحذرنا منه المثل القديم: “لا تركز كثيرًا على غصن أو ورقة، وتنسى أنهما جزء من شجرة. ولا تركز على الشجرة فتنسى أنها جزء من غابة”. يخلق الوعي بوجود الغابة شعورًا بالجماعة وإحساسًا بالانتماء، ذلك الشعور الذي يربط المجتمع ببعضه ويمنع تفككه إلى عدد لا يُحصى من الأجزاء بسبب هوس الخصوصية الأناني بالنفس. لم يخلق هوس الأمم والأشخاص بأنفسهم إلا الارتياب وجنون العظمة، وتشويهًا في الواقع هو ما يولّد الكراهية، الحروب، وحتى الإبادات الجماعية.

لا يمكن للعلم والتكنولوجيا في عصرنا الحالي أن يكمل بعضهما الآخر، وذلك للثراء اللامتناهي من المعرفة وسرعة تطورها، والذي قادنا إلى التخصصات وغموضها. لكن لطالما كان الأدب وسيبقى واحدًا من القواسم المشتركة لدى التجربة البشرية، والتي يتعرف البشر من خلاله على أنفسهم والآخرين بغض النظر عن اختلاف وظائفهم، خطط حياتهم، أماكنهم الجغرافية والثقافية، أو حتى ظروفهم الشخصية. استطاع الأدب أن يساعد الأفراد على تجاوز التاريخ؛ كقرَّاء لكلٍ من ثيرفانتس، شكسبير، دانتي، وتولستوي. نحن نفهم بعضنا عبر الزمان والمكان، ونشعر بأنفسنا ننتمي لذات النوعية، لأننا نتعلم ما نتشاركه كبشر من خلال الأعمال التي كتبوها، وما الذي يبقى شائعًا فينا تحت كل الفروقات التي تفصلنا. لا شيء يحمي الإنسان من غباء الكبرياء والتعصب والفصل الديني والسياسي والقومي أفضل من تلك الحقيقة التي تظهر دائمًا في الأدب العظيم: أن الرجال والنساء من كل الأمم متساوون بشكل أساسي، وأن الظلم بينهم هو ما يزرع التفرقة والخوف والاستغلال.

لا يوجد من يعلمنا أفضل من الأدب أننا نرى برغم فروقنا العرقية والاجتماعية ثراء الجنس البشري، ولا يوجد ما هو مثل الأدب لكي يجعلنا نكافئ ونمجد فروقنا بوصفها مظهرًا من مظاهر الإبداع الإنساني متعدد الأوجه. صحيح أن قراءة الأدب مصدر للمتعة، ولكنه أيضًا مصدر لمعرفة أنفسنا وتكويننا عبر أفعالنا وأحلامنا وما نخاف منه بكل عيوبنا ونقائصنا، سواء كنا لوحدنا أو في خضم الجماعة، وسواء كانت تلك الملاحظات تبدو ظاهرة للعيان أو تقبع في أكثر تجاويف الوعي سرية.

هذا المجموع المعقد من الحقائق المتعارضة – كما يصفها أشعيا برلين[2] – يشكل جوهرًا للحالة الإنسانية. في عالم اليوم، لا يوجد هذا المجموع الضخم والحي من المعرفة في الإنسان إلا في الأدب. لم تستطع حتى فروع العلوم الإنسانية الأخرى – كالفلسفة أو الفنون أو العلوم الاجتماعية – أن تحفظ هذه الرؤية المتكاملة والخطاب الموَحَّد. خضعت العلوم الإنسانية أيضًا لتقسيم التخصصات السرطاني، وعزلت تلك التخصصات نفسها في أقسام مجزأة وتقنية بأفكارٍ ومفرداتٍ لا يستوعبها الشخص العادي. يود بعض النقاد والمنظرين تحويل الأدب إلى علم، وهذا ما لن يحصل أبدًا، لأن الكتابة القصصية لم توجد لتبحث في منطقة واحدة من تجربة الإنسان. وُجدت الكتابة لكي تثري الحياة البشرية بأكملها من خلال الخيال، والتي لا يمكن تفكيكها، أو تجزئتها إلى عددٍ من المخططات أو القوانين دون أن تضمحل. هذا ما قصده مارسيل بروست حينما قال أن “الحياة الواقعية، هي آخر ما يكتشف وينوَّر. وأن الحياة الوحيدة التي تعاش بكاملها هي الأدب”.

لم يبالغ بروست عندما قال ذلك، ولم يكن كلامه مجرد تعبير عن حبه لما يجيد. كان يقدم قناعته الخاصة بأن الأدب يساعد على فهم الحياة وعيشها بطريقة أفضل، وأن العيش بطريقة أقرب للكمال يتطلب وجود الآخرين بجانبك ومشاركتهم الحياة.

هذا الرابط الأخوي، الذي ينشأ بين البشر بسبب الأدب، يجبرهم على التحاور ويوعيهم بالأصل المشترك وبهدفهم المشترك، وبالتالي فهو يمحو جميع الحواجز التاريخية. ينقلنا الأدب إلى الماضي، إلى من كان في العصور الماضية قد خطط، استمتع، وحلم بتلك النصوص التي وصلت لنا، تلك النصوص التي تجعلنا أيضًا نستمتع ونحلم. الشعور بالانتماء لهذه التجربة البشرية التراكمية عبر الزمان والمكان هو أعظم إنجاز للثقافة، ولا شيء يساهم في تجددها كل جيل إلا الأدب.

كان بورخيس ينزعج كثيرًا كلما سُئِلَ “ما هي فائدة الأدب؟”. كان يبدو له هذا السؤال غبيًا لدرجة أنه يود أن يجاوب بأنه “لا أحد يسأل عن فائدة تغريد الكناري، أو منظر غروب شمس جميل.”. إذا وُجد الجمال، وإذا استطاع هؤلاء ولو للحظة أن يجعلوا هذا العالم أقل قبحًا وحزنًا، أليس من السخف أن نبحث عن مبرر عملي؟ لكن السؤال جيد بالفعل، لأن الروايات والقصائد لا تشبه بأي حال تغريد الكناري أو منظر الغروب؛ فهي لم توجد عن طريق الطبيعة أو المصادفة، بل هي إبداعات بشرية. ولذلك فمن اللائق أن نسأل كيف ولماذا أتت إلى العالم، وما فائدتها ولماذا بقت كل هذه المدة.

تأتي الأعمال الأدبية – في البداية كأشباح بلا شكل – أثناء لحظة حميمية في وعي الكاتب، ويسقط العمل في تلك اللحظة بقوة مشتركة بين كل من وعي الكاتب، وإحساسه بالعالم من حوله، ومشاعره في ذات الوقت. وهي ذاتها تلك الأمور التي يتعامل معها الشاعر أو السارد في صراعه مع الكلمات لينتج بشكل تدريجي شكل النص، وإيقاعه، وحركته وحياته. صنعت اللغة هذه الحياة المصطنعة، وللدقة هي حياة مُتخَيلة، وحتى الآن يسعى الرجال والنساء لتلك الحياة. بعضهم بشكل متكرر، والبعض الآخر بشكل متقطع؛ وذلك لأنهم يرون أن الحياة الواقعية لا ترقى لهم، وغير قادرة على تقديم ما يريدون. لا ينشأ الأدب من خلال عمل فردٍ واحد، بل يوجد حينما يتبناه الآخرون ويصبح جزءًا من الحياة الاجتماعية عندما يتحول، وبفضل القراءة، إلى تجربة مشتركة.

تكمن إحدى منافع الأدب للشخص في المقام الأول في اللغة. المجتمع الذي لا يملك أدبًا مكتوبًا يعبر عن نفسه بدقة أقل، وبشكل أقل وضوحًا من مجتمع يحمي طريقة التواصل الرئيسية له، وهي الكلمة، بتحسينها وتثبيتها عن طريق الأعمال الأدبية. لن تنتج أي إنسانية بلا قراءة ولا مصاحبة للأدب إلا ما هو أشبه بمجتمع صم وبكم وناقص الفهم، وذلك لعلته اللغوية؛ وسيعاني من مشاكل هائلة في التواصل نظرًا للغته البدائية. وهذا يقع على مستوى الأفراد أيضًا، فالشخص الذي لا يقرأ، أو يقرأ قليلًا، أو يقرأ كتبًا سيئة، سيتكون لديه عائق مع الوقت: ستجده يتحدث كثيرًا ولكن المفهوم قليل، لأن مفرداته ضعيفة في التعبير عن الذات.

وهذا الأمر لا يعني وجود قيد لفظي فقط، ولكن أيضًا وجود قيد في الخيال والتفكير. هو فقر فكري لسبب بسيط، لأن الأفكار والتصورات التي يمكن من خلالها فهم حالاتنا لا يمكن لها التكون خارج اللغة. نحن نتعلم كيف نتحدث بعمق وبدقة وبمهارة من الأدب الجيد. لن يجدي أي انضباط آخر في أي فرع من فروع الفن ماعدا الأدب في صناعة اللغة التي نتواصل بها. أن نتحدث جيدًا، أن يكون تحت تصرفنا لغة ثرية ومنوعة، أن نجد التعبير الملائم لكل فكرة ولكل شعور نود أن نتواصل به، يعني بالضرورة أن نكون جاهزين للتفكير، وأن نعلِّم ونتعلم ونناقش، وأيضًا لأن نتخيل ونحلم ونشعر. بطريقة خفية، تردد الكلمات صداها في جميع أفعالنا، حتى تلك الأفعال التي لا يمكن أن نعبر عنها. وكلما تطورت اللغة – وذلك بفضل الأدب – ووصلت لمستويات عالية من الصقل والأخلاق، زادت من مقدرة الإنسان لعيش حياة أفضل.

عمل الأدب حتى على صبغ الحب والرغبة والجنس بصبغة الإبداع الفني. لم يكن الشبق ليوجد بدون الأدب. الحب والمتعة سيكونان أسوأ بحيث ينقصهما الرقة والروعة. سيفشلان في تحقيق الحالة القصوى التي يمنحها الأدب. لذلك فإني لا أبالغ حينما أقول أنّ الثنائي الذي يقرأ لغارثيلاسو، بترارك، جونجورا أو بودلير[3] يقدران المتعة ويعيشانها بخلاف الثنائي الذي صار أبلهًا بمشاهدة ما يسمى بـ«الأوبرا الصابونية[4]» في التلفاز. لن يتعدى الحب والرغبة في عالمٍ أمّي ما ترضى به الحيوانات، كما أنها لن تتجاوز الوفاء بالأساسي من الغرائز.

وبطبيعة الحال، لا يمكن لوسائل الإعلام السمعية والبصرية أن تعلم الناس كيف يستخدمون الإمكانيات الهائلة للغة بمهارة وثقة. على النقيض من ذلك، تعمل وسائل الإعلام على الحط من قدر الكلمة إلى منزلة أقل بجانب الصورة، والتي تعد اللغة البدائية لتلك الوسائط، وتعمل أيضًا على تقييد اللغة بالتعبير الشفوي إلى الحد الذي لا يمكن الاستغناء عنه بعيدًا عن البُعد الكتابي للغة. أن تصف فيلمًا أو برنامجًا تلفزيونيًا بالأدبي فهذه مجرد طريقة لبقة عوضًا عن وصفه بالممل. لهذا السبب، من النادر أن نرى العامة ينجذبون لمثل هذه البرامج. وحسب ما أعرف، فإن الاستثناء الوحيد لهذه القاعدة هو برنامج بيرنار بيفو[5] «فاصلة عليا» في فرنسا. وهذا يقودني إلى الاعتقاد بأن الأدب ليس فقط متطلَّبًا لمعرفة كاملة باللغة واستخدام أكمل لها، بل أن مصيرها مرتبط بشكل لا ينفصل بمصير الكتاب، ذلك المنتج الصناعي الذي يعتبره الكثيرون بأنه قد عفا عليه الزمن.

هذا الحديث يقودني إلى بيل جيتس، كان في مدريد منذ فترة ليست بالطويلة وزار الأكاديمية الملكية الإسبانية، والتي قد عقدت شراكة مع مايكروسوفت. ضمن أشياء أخرى، طمأن جيتس أعضاء الأكاديمية وأكد بأن الحرف «fl» لن يحذف من برامج الحاسب، كان ذلك الوعد يكفل لأربعمائة مليون متحدث بالإسبانية أن يتنفسوا الصعداء بما أن حذف حرف أساسي مثل هذا سيؤدي إلى مشاكل كبرى. على كل حال، بعد تنازله الودي للغة الإسبانية، أعلن جيتس قبل أن يغادر مقر الأكاديمية في مؤتمر صحفي أنه يتوقع تحقيق حلمه الأكبر قبل أن يموت، وهو وضع حد للورق، ومن ثم للكتب.

يرى جيتس بأن الكتب أشياءٌ عفا عليها الزمن، وقال بأن شاشات الكمبيوتر قادرة على القيام بمهمات الورق الذي يستطيع عملها. أصر أيضًا أنه بالإضافة إلى كونها أقل مشقة من ناحية الاستعمال، فشاشات الكمبيوتر تأخذ مساحة أقل، وهي أسهل للتنقل، وأيضًا بأن نقل الأخبار والآداب إلى هذه الشاشات سيكون له فائدة بيئية لإيقاف تدمير الغابات، وأن صناعة الورق هي أحد أسباب التدمير. أكد أيضًا بأن الناس سيستمرون بالقراءة، لكن على شاشات الكمبيوتر، وبالتالي سيكون هناك المزيد من الكلوروفيل في البيئة.

لم أكن حاضرًا خلال خطاب جيتس، وعلمت بكل هذه التفاصيل عن طريق الصحافة.  ولو كنت هناك، لأعلنت استهجاني لجيتس كونه قد أعلن بوقاحة نيته إرسالي أنا وزملائي الكتّاب إلى خط البطالة. ولكنت تنازعت معه بقوة بخصوص تحليله. هل تستطيع الشاشة حقًا استبدال الكتاب من جميع الجوانب؟ أنا لست متأكدًا. أنا واعٍ تمامًا للتطور الهائل الذي سببته التكنولوجيا الجديدة في مجال الاتصالات وتبادل المعلومات، وأعترف بأن الانترنت يؤدي لي مساعدة لا تقدر بثمن كل يوم في عملي؛ لكن امتناني لهذه الراحة لا يتضمن اعتقادًا بأنه يمكن للشاشات الإلكترونية أن تستبدل الورق، أو أن القراءة بالكمبيوتر يمكن أن تفي للقراءة الأدبية. هذه فجوة لا أستطيع تخطيها. لا أستطيع قبول فكرة أن تحقق القراءة غير الوظيفية، التي لا نبحث بها عن معلومة أو تواصل سريع، توفر نفس تلك الأحلام ومتعة قراءة الكلمات مع نفس الإحساس بالحميمية، ومع نفس التركيز العقلي والعزلة الروحية التي يمنحها الكتاب.

ربما يصدر تحيزي هذا لكوني لم أمارس القراءة الالكترونية، وكوني تعاملت بعلاقة أدبية طويلة مع الكتب والورق. لكني على الرغم من أني أستمتع بتصفح أخبار العالم من خلال الانترنت، لا يمكن أن أذهب للشاشة لكي أقرأ شعرًا لجونجورا، أو رواية لخوان كارلوس أونيتي[6] أو مقال لأوكتافيو باث[7]، لأنني موقن بأن أثر تلك القراءة لن يكون مثل القراءة بالورق. أنا مقتنع، بالرغم من أني لا أستطيع إثبات ذلك، بأن مع اختفاء الورق سيعاني الأدب من ضربة مهولة، وربما مميتة. كلمة «أدب» لن تختفي بالطبع، لكنها ستدل على نصوص هي بعيدة عما نسميه أدبًا هذه الأيام، كبعد الأوبرا الصابونية عن مسرحيات سوفوكليس وشكسبير.

لا يزال هناك سببٌ آخر لمنح الأدب منزلته الهامة في حياة الأمم. بدون الأدب، سيعاني العقل النقدي، وهو المحرك الحقيقي للتغيير التاريخي والحامي الأقوى للحرية، من خسارة لا تُعوّض. هذا بسبب أن الأدب الجيد كله متطرف، ويطرح أسئلة حادة عن العالم الذي نعيشه. في كل النصوص الأدبية العظيمة، وغالبًا دون قصدٍ من الكتّاب، توجد نزعة تحريضية.

لا يقول الأدب شيئًا لمن هم راضون بما لديهم، لمن يرون الحياة بما يعيشونها الآن. الأدب هو قوت الروح المتمردة، هو إعلان عدم الانقياد، هو ملجأ لمن لديهم القليل جدًا أو الكثير جدًا في الحياة. يبحث الشخص منا عن ملاذه في الأدب حتى لا يكون هادئًا ومطمئنًا. أن تركب جنبًا إلى جنب مع ذلك السائس الهزيل وذلك الفارس المرتبك في حقول لامانشا، أن تبحر على ظهر حوت مع الكابتن آهاب، أن تشرب الزرنيخ مع إيما بوفاري، أن تتحول إلى حشرة مع غريغور سامسا، هذه كلها طرقٌ اخترعناها لنجرد أنفسنا من أخطاء وإملاءات هذه الحياة الظالمة، هذه الحياة التي تجبرنا دائمًا أن نكون الشخص نفسه، بينما نتمنى أن نكون مختلفين لكي نرضي رغباتنا التي تتملكنا.

يهدئ الأدب هذا الاستياء الحيوي للحظات، لكن في هذه اللحظات الخارقة، في هذا التعليق المؤقت للحياة، هذا التخييل الأدبي ينقلنا لخارج التاريخ، ونصبح مواطنين لأرض لا تنتمي للزمان، وبالتالي هي أرض خالدة. فنصبح أكثر حساسية، وثراء، وأكثر تعقيدًا وسعادة، وأكثر وضوحًا مما نحن عليه في حياتنا الرتيبة. عندما نغلق الكتاب ونتخلى عن الخيال الأدبي، نعود إلى وجودنا الفعلي ونقارنه بالأرض المذهلة التي غادرناها توًا. ويا للخيبة التي تنتظرنا! لكن هناك إدراكًا هائلًا ينتظرنا، وهي أن الحياة المتخيَّلة من الرواية أجمل وأكثر تنوعًا، أكثر فهمًا وأقرب للكمال من الحياة التي نعيشها ونحن واعون، تلك الحياة التي تحدها الظروف وضجر الواقع. بهذه الطريقة، نرى الأدب الجيد الحقيقي دائمًا كهدّام، كمتمرد ومقاوم، أي أنه تحدٍ لما هو موجود.

كيف لا يمكن أن نشعر بالخداع بعد قراءة «الحرب والسلام» أو «البحث عن الزمن المفقود» ونعود إلى عالمنا ذو التفاصيل التافهة، هذا العالم المليء بالحدود والموانع التي تقف بانتظارنا في كل مكان وفي كل خطوة لتفسد خيالنا؟ أكبر مساهمة للأدب في التقدم البشري فوق مهمته لاستمرارية الثقافة ولإثراء اللغة – دون قصد، وفي معظم الحالات – هي تذكيرنا بأن العالم جُعل سيئًا، وأن من يدعي العكس من الأقوياء والمحظوظين يكذب، وأن الكلمة يمكن أن تُطوَّر وتكون أقرب للعوالم التي يستطيع خيالنا ولغتنا تشييدها. يجب أن يحتوي المجتمع الحر والديمقراطي مواطنين واعين بالحاجة المستمرة للكلمات التي نعيشها ونحاول – بالرغم من أن المحاولة تكاد تكون مستحيلة – أن نجعلها تشبه العالم الذي نود أن نعيشه؛ وليس هناك من وسيلة أفضل من قراءة الأدب الجيد لإثارة عدم الرضا عما يوجد الآن، وتكوين مواطنين ناقدين ومستقلين عمن يحكمهم، ويمتلكون روحية دائمة وخيالًا نابضًا.

مع ذلك، أن يُسمى الأدب بالتحريض لأنه يحسس وعي المواطن لعيوب العالم لا يعني بالضرورة – كما يبدو أن الحكومات والكنائس تفكر، ولذلك أنشأت الرقابة – أن النصوص الأدبية ستثير اضطرابات اجتماعية أو تسرع نشوء ثورات. لا يمكن التنبؤ بالتأثير الاجتماعي والسياسي لقصيدة أو رواية أو مسرحية، لأنها لم تصنع بشكل جماعي من عدة خبراء. تصنع هذه الأعمال من قِبل أفراد وتُقرأ من قِبل أفراد ممن تختلف استنتاجاتهم بشكل كبير عندما يكتبون أو يقرأون. لذلك من الصعب، بل من المستحيل، أن تنتج أنماطًا وردود أفعال دقيقة في اتجاه واحد. فضلًا عن ذلك، قد تكون القيمة الجمالية لعمل أدبي ما سببًا في حدوث القليل من العواقب الاجتماعية. يبدو أن هناك رواية متواضعة لهارييت ستاو[8] قد لعبت دورًا حاسمًا في تنبيه الوعي السياسي والاجتماعي لفظاعات العبودية في الولايات المتحدة. إذًا، واقع ندرة تأثيرات الأدب لا يعني أنها ليست موجودة. ما يجب أن نعرفه هو أنها آثار صنعت من قِبل مواطنين تغيرت شخصياتهم جزئيًا بسبب الكتب.

فلنعد صياغة التاريخ بلعبة رائعة. ولنتخيل عالمًا بدون أدب، أي إنسانية لم تقرأ الشعر ولا الروايات. في هذا النوع من الحضارات الضامرة، بقواميسها الهزيلة التي تحفل بالآهات وإيماءات القرود على حساب الكلمات، من المؤكد أن بعض الصفات لن توجد. وتشمل تلك: حالم كيخوتي، مأساوي كافكاوي، سوداوي أورويلي، ساخر رابيلي، سادي، ماسوشي، وكلها ذات أصول أدبية. وللتأكد من ذلك، سيبقى لدينا مجانين، وضحايا جنون عظمة واضطهاد، وأشخاص بشهوة عادية وتجاوزات فاحشة، وأناس منحطين لدرجة الحيوانات يستمتعون بتلقي الألم وتسليطه. لكننا لن نستطيع أن نرى ما خلف هذه السلوكيات المتطرفة المحظورة من قبل قواعد المجتمعات، تلك الخصائص الأساسية في الإنسان، لم نكن لنرى السمات الخاصة بنا؛ لذلك نحن مدينون لمواهب ثيرفانتس، كافكا، أورويل، رابيليه، دو ساد، وماسوش[9] لأنهم استطاعوا كشفها لنا.

عندما ظهرت رواية «دون كيخوته دي لامانشا»، سخر قراءها الأوائل من هذا الحالم المتطرف كما سخرت منه بقية الشخصيات في تلك الرواية. اليوم، نحن نعرف أن إصرار ذلك الفارس ذو الوجه الحزين على رؤية عمالقة بينما كان هناك طواحين هواء، وعلى التصرف بطريقة تبدو سخيفة، هو الشكل الأعلى للكرم، وهو تعبير عن مظاهرة تجاه بؤس هذا العالم على أمل تغييره. تفوح مفاهيمنا عن المثالية والمثاليين بمعانٍ إيجابية ثانوية، ولن تكون هذه المعاني ما هي عليه، ولن تُحترم وتكون واضحة، لو لم تجسد في بطل الرواية بتلك القوة المقنعة لثيرفانتس العبقري[10]. يمكن أن يُقال نفس الشيء عن الأنثى الصغيرة الأقرب لكيخوته، إيما بوفاري، والتي قاتلت بحماس لتعيش الحياة الرائعة من الفخامة والشغف، والتي عرفتها وقرأت عنها من الروايات، كفراشة اقتربت كثيرًا من ضوء اللهب واحترقت بالنار.

فتحت تلك الإبداعات لكل أولئك الأدباء المبتكرين العظماء أعيننا على آفاقٍ مجهولة لحالاتنا البشرية، جعلتنا نستطيع اكتشاف وتفهم الهوة البشرية المشتركة. عندما نقول كلمة «بورخيسي»، فإن تلك الكلمة تستحضر فصل عقولنا عن منطق الواقع وتدخلنا إلى عالمٍ مذهل، إلى عقلية دقيقة وأنيقة وغامضة أشبه بالمتاهة، بكل تلك المراجع والإشارات الأدبية، والتي لا نشعر بالغرابة تجاه شخصياتها. لأننا نتعرف فيها على رغباتنا الخفية وحقائقنا الحميمة الخاصة بشخصياتنا، والذي أخذت شكلها بفضل الإبداع الأدبي للويس خوسيه بورخيس. عندما نذكر كلمة «كافكاوي» تتبادر إلى الذهن – كميكانيكية التركيز في الكاميرات القديمة – كل مرة شعرنا بها بأننا مهددون، كل مرة شعرنا بأنا أفراد لا نستطيع الدفاع عن أنفسنا ضد كل أجهزة السلطة القمعية التي سببت الخراب للعالم الحديث، كل الأنظمة السلطوية، والأحزاب العمودية، والكنائس المتعصبة، والبيروقراطية الخانقة. لم نكن لنستطيع فهم الشعور بالعجز لدى الفرد المعزول والإحساس برعب الأقليات المضطهدة والتي تعاني التمييز من القوة الطاغية التي يمكنها سحقهم والقضاء عليهم من دون تلك القصص القصيرة والروايات لذلك اليهودي المعذَّب من براغ، الذي كتب بالألمانية وعاش دائمًا على اطلاع على ما حوله وما عليه.

صفة الأورويلي، وهي الصفة الأقرب للكافكاوي، تعطي تنبيها لتلك السخافة الرهيبة التي صُنعت من قِبل الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، تلك الديكتاتوريات الأكثر توحشًا وتعقيدًا في التاريخ، في تحكمهم بأفعال وأحاسيس المجتمع. في رواية 1984، وصف جورج أورويل في جو بارد موحش تلك الإنسانية المحكومة للأخ الأكبر، الحاكم المُطلق، والذي بواسطة مزيج مخيف من الرعب والتكنولوجيا، محق الحريات والمساواة والعفوية، وحول المجتمع إلى خلية نحل من البشر. في هذا العالم الكابوسي، تم تطويع اللغة لصالح السلطة، وحُولت إلى “خطاب جديد”، خالٍ من أي ابتكار وموضوعية، خطاب ممسوخ إلى سلسلة من التفاهات التي تضمن عبودية الفرد للنظام. صحيح أن نبوءة 1984 لم تمر حتى الآن، وأن الشيوعية الشمولية في الاتحاد السوفيتي ذهبت مع الفاشية الشمولية في ألمانيا وأماكن أخرى، وبعد ذلك بوقتٍ قصير بدأت تتداعى في الصين، وفي كوبا وكوريا الشمالية اللتين تنتميان للماضي. لكن الخطر لم يُمْح بعد، وكلمة «أورويلي» ستبقى لتصف الخطر، ولتساعدنا على فهمه.

ويبقى أيضًا خيال الأدب واستعاراته أداة ثمينة لمعرفة أكثر الجوانب الواقعية المخفية في البشر. ولكن ما تعرضه الكتب الأدبية ليس ساحرًا على الدوام، بل ربما ما نرى أنفسنا فيه من خلال الروايات والقصائد ما هو إلا مرأى وحوش. يظهر ما أتحدث عنه حينما نرى التصوير الوحشي الفاحش فيما كتبه دو ساد، أو تلك الجروح الغائرة والتضحيات الفظيعة التي تملأ الكتب اللعينة لكلٍ من ماسوش وباتاي[11]. قد تصبح مثل هذه المشاهد مهينة ووحشية إلى درجةٍ لا تقاوم، ولكن الأسوأ فيها ليس الإهانة أو الدم المراق أو مجرد الحب الممزوج بالتعذيب، بل الأسوأ هو أن نكتشف أن ذلك العنف والإفراط ليس غريبًا عنا، بل هو جزء عميق في الإنسانية. تلك الوحوش التواقة للانتهاك والإثم تقبع في أكثر تلاقيف وجودنا خفية، وهي تسعى في الظل لكي تظهر متى ما سنحت الفرصة، وتفرض سيادة الرغبة الجامحة التي تدمر بدورها العقلانية والمجتمع وحتى ذاتها أيضًا. وبذلك، نتأكد بأنفسنا أن العلم لم يكن السبّاق إلى كشف مثل تلك الأماكن المظلمة في العقول، والتي تشكلها رغبة دفينة بتدمير النفس والجميع، وإنما الأدب الذي اكتشف ذلك وعرّاه لأول مرّة. أي عالم من دون أدب سيبقى أعمى عن هذه الأعماق الخطرة، والتي نحتاج أن نراها في أسرع وقت.

لن يكون هذا العالم من دون أدب سوى عالم غير حضاري، بربري يخلو من العاطفة، وذو خطاب جلف جاهل ومأساوي، ويعيش من دون شغف وجلف حتى في حبه. هذا الكابوس الذي أحذر منه وأرسم معالمه، سيكون سمته الأساسية الانسياق وتسليم عالمي لبني البشر إلى السلطة. بهذا المنطق، سيكون عالمًا حيوانيًا. ستحدد الغرائز الأساسية لدى الإنسان مشواره اليومي باتجاه سدّ الجوع والشقاء لكي يبقى، وستحدده بالخوف من المجهول وإشباع الحاجات المادية. لن يكون هناك مكان للروح في هذا العالم. وفوق ذلك، ستولد رتابة العيش المسحوق الإحباط وستلقي بظلال شريرة للتشاؤم، وسينمو شعور بأن الحياة البشرية ما كان لها أن توجد، وأنها ستكون هكذا دائمًا، وأن لا أحد يمكنه تغييرها.

عندما يتخيل الواحد منا هذا العالم، تقفز إلى ذهنه تلك المجتمعات الصغيرة التي يختلط فيها الدين بالشعوذة، والتي تعيش على هامش التطور في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وأوقيانوسيا. لكن فشلًا مختلفًا يخطر في بالي. الكابوس الذي أحذركم منه لن يكون نتيجة قلة التطور، بل سيكون نتيجة التحديث والتطوير المفرط. نتيجة للتكنولوجيا وتبعيتنا لها، قد نتصور مجتمعًا في المستقبل وهو ممتلئ بالشاشات والسماعات، ومن دون كتب؛ أو في مجتمع يعتبر الكتب – وأقصد هنا الأعمال الأدبية – ما كانوا يعتبرون الخيمياء: ذلك الفضول القديم، والشيء الذي يُمارس في سراديب ومقابر حضارة الإعلام وسلطته من قِبل أقلية عُصابية ومضطربة. وأخشى أن هذا العالم المعرفي، على الرغم من ازدهاره وقوته، وهذا المعيار العالي من المعيشة والإنجاز العلمي، من شأنه أن يكون غير متحضر بعمق وسيكون خالي الروح. ستكون إنسانية آلية تركت حريتها بمجرد أن تخلت عن الأدب.

ليس من المرجح، بالطبع، أن هذه اليوتوبيا المروعة سوف تأتي. نهاية قصتنا ونهاية التاريخ لم تكتب بعد، ما سيأتي لاحقًا مرهون برؤيتنا وبإرادتنا. ولكن إن أردنا أن نتجنب فقر خيالنا، ونتجنب اختفاء ذلك الاستياء الثمين الذي يهذب حساسيتنا ويعلمنا التحدث ببلاغة ودقة، وأن نقاوم أي مساهمة لإضعاف حريتنا، فيجب أن نتصرف. وبعبارة أدق، يجب أن نقرأ.

[1]  Ghetto – هو اسم لأحياء اليهود القديمة في أوروبا، والتي كانت توصف بالعشوائية والضيق.

[2]  أشعيا أو إيزايا برلين Isaiah Berlin (1909-1997)، فيلسوف بريطاني-روسي ومؤرخ أفكار، ومن أهم مفكري القرن العشرين. من مؤلفاته المترجمة: “الحرية” و”ضلع الإنسانية الأعوج” و”جذور الرومانتيكية”.

[3]  بالترتيب: غارثيلاسو Garcilaso (1501-1536) شاعر وجندي إسباني. بترارك Petrarch  (1304-1374) شاعر إيطالي. جونجورا  Gongora (1561-1627) شاعر إسباني. شارل بودلير Charles Baudelaire (1821-1867) شاعر فرنسي.

[4]  هو تعبير عن المسلسلات الدرامية الطويلة مثل “The Bold and The Beautiful”، وسميت بالصابونية لكثرة إعلانات الصابون التي كانت تتخللها.

[5]  Bernard Pivot هو صحافي وإعلامي فرنسي، متخصص في تقديم البرامج الثقافية في فرنسا. ويشغل حاليًا رئاسة أكاديمية الغونكور، صاحبة أرفع جائزة أدبية فرنسية.

[6]  Juan Carlos Onetti (1909-1985) أحد أهم روائيي الأوروغواي في القرن العشرين، وأهم رواية له “الوداعات”.

[7]  Octavio Paz (1914-1998) شاعر وكاتب مكسيكي، حاز على جائزة نوبل للآداب سنة 1990.

[8]  هارييت ستاو Harriet Beecher Stowe (1811-1896) هي روائية أمريكية، والرواية التي يقصدها يوسا هي «كوخ العم توم – Uncle Tom’s Cabin» والتي صدرت سنة 1852. تُرجمت للعربية عن طريق منير البعلبكي.

[9]  بالترتيب: ميغيل دي ثيرفانتس  Cervantes(1547-1616) كاتب إسباني، ويعد لدى كثير من النقاد مؤسس فن الرواية. فرانز كافكا Franz Kafka (1883-1924) كاتب نمساوي، وصاحب أحد أهم الروايات في تاريخ الأدب “الإنمساخ”. جورج أورويل  George Orwell(1903-1950) كاتب إنجليزي، وصاحب رواية «1984» الشهيرة. فرانسوا رابليه François Rabelais (1483-1553) كاتب فرنسي. ليوبولد ماسوش أو مازوخ Leopold Masoch (1836-1895) كاتب نمساوي.

[10]  يشير يوسا هنا إلى تغير قراءة الناس للأدب عبر الزمن، فتأمل!

[11]  Georges Bataille (1897 – 1962) كاتب فرنسي.

دعوة المسافر

يمر على بالي حديث دعوة المسافر و دعوة المظلوم كثيير ، بس ماعمري سألت نفسي ليه هالاثنين دعوتهم مستجابة بلا شك – كما يروى في الحديث – ؟ ممكن نفهم ان دعوة المظلوم لأن الله سبحانه و تعالى عادل و لايقبل الظلم . لكن المسافر لماذا ؟؟ خطرت لي اشارة لطيفة بينهما و ودي أشارككم إياها .
خطر ببالي أنه ورد ذكرهما في حديث واحد ممكن لأن المسافر غالباً ( وحده ) و لا من صاحب ، فيكون وقت الدعاء مخلص النية و موحد الخطاب بلا سهو و في كامل احترامه لمن يخاطب – جل في علاه – فلذلك هيئت له بعض أسباب الإجابة ، خصوصاً إن كان مسافر لعمل خير كـصلة الرحم أو عمرة أو أو أو ….
و المظلوم في وقتٍ ما ، ماتلقى أحد يصدقه أو يلتفت له .. لأننا تعودنا رفع الظلم عن أنفسنا و نسبه للناس . فالمظلوم الحقيقي إذا كان (وحده) دعا و علق كل أسباب رفع مظلمته بيد الواحد القهار – لاشريك له – بإخلاص الدعاء و الإنابة فتتيسر له دعواته .
هنا ينكشف سر يغفل عنه الكثير وقت الدعاء : أخلص و وحّد .
ما أطلب منك إنك تسافر أو تتعرض لمظلمة ، لكن إن دعيت .. فأخل قلبك ، و كن وحيداً ، و أخلص .
كن مع الله ( وحدك ) و أبشر بالتوفيق ، إنه ولي ذلك و القادر عليه .

هواتف المكتبات في المنطقة الشرقية

كما ذكرت في القسم المتعلق بي ، فأنا من طلاب جامعة الملك فهد في الظهران .

بحكم محبتي للقراءة ، كثيراً ماكنت أنوي شراء كتاب جديد و لكن حين أصل المكتبة لا أجده ، مما كان يسبب لي إزعاجاً خصوصاً حينما أكون ذاهباً لمكتبة المتنبي في قلب الدمام و لا أجد شيئاً ، و هي مسافة بعيدة قليلاً.

وجدت هذه القائمة منذ زمن لدى محاسب في فرع مكتبة العبيكان القديم ( الواجهة البحرية ) و أخذتها و وضعتها في صفحة مجموعة إقرأني التطوعية على موقع فيسبوك . حدثتها للتو بعد نقل مكتبة العبيكان لفرعها الجديد في مجمع الظهران .

والآن ، كلما أردت شراء كتاب جديد ، اتصلت قبل المشوار و هكذا أوفر الوقت و الجهد

ملاحظات :

–          القائمة في المقام الأول للمكتبات لا للقرطاسيات .

–          تستطيع الاتصال على أي فرع من فروع جرير و العبيكان و هو يدلك على الكتاب بأي فرع آخر ، حيث أن الفروع مرتبطة بنظام واحد .

–          يوجد فرع آخر لمكتبة المتنبي في الدمام ، لكن لايوجد له هاتف .

المكتبة

الفرع

الهاتف

العبيكان

الدمام

8091882

 

مجمع الظهران

8686272

 

الاحساء

5843868

 

مجمع الاحساء

5620074

 

الجبيل

3477788

 

حفر الباطن

7211118

جرير

الظهران

8686342

 

الخبر – الواجهة البحرية

8943311

 

الخبر – مجمع الراشد

8890019

 

الدمام – الواجهة البحرية

8090441

 

الدمام – طريق الخبر السريع

8408778

 

الجبيل

3401555

 

الاحساء

5311501

المتنبي

الدمام – شارع المستشفى

8413000 – تحويلة 102

 

 

8411395

المجتمع

الخبر – حي الخبر الشمالية ش 16

8941136 – تحويلة 12

الهجرة

الخبر – شارع الظهران

8983004

الرشد

الدمام – شارع الخزان

8428410

الأصمعي

الدمام

8227838

ابن هين

 الثقبة

8949606

ابن الجوزي

الدمام

8428146

المريخ

الخبر

8280897

 

الدمام

8280897

 

 

8270710

الوطنية الحديثة

الخبر – مجمع الراشد

8993363

 

الدمام – مجمع العثيم

8644470

 

الجبيل

3470503

هذا ما تيسر لدي ، سأكون سعيداً باستقبال أي إضافة 🙂

راضي