
في عام 2002، حين كنت على وشك التخرج من الجامعة، دخلت ورشة في أدب القصة والرواية مع الكاتبة والمدربة آفا تشين. جلسنا متحلّقين حول طاولة طويلة في غرفة يتخللها النور وبيد كلٍ منا قصة لنفس الشخص. وفي لحظةٍ ما خلال استراحة، سألتنا آفا عمّا كنّا نتخيل حيواتنا في الكتابة ما إن نتخرج، وما فكرتُ بذلك قط، إذ كنت في حالة إنكار نفسية إزاء ترك الكلية وأصدقائي ولم أرغب بالتركيز على الحياة المجهولة المخيفة في المستقبل، إذ افترضت أني سأنتسب لبرنامج ماجستير في الفنون الجميلة مباشرة ولن أضطر للتفكير في العالم الحقيقي لمدة من الزمن. لم يجب أحد على سؤال آفا، فشرحت إن الوقت الذي تطلب منا الكتابة والتفكير في الكتابة في هذه اللحظة من حيواتنا يمكن تمثيله على هذا النحو، ثم قامت فاردة يديها بأقصى ما يمكن وكأنها تنتظر من أحدنا أن يعانقها.
- “لكن، ما إن تخرجوا إلى العالم..”
ثم بدأت تقرّب بين يديها أكثر فأكثر، ويا لها من مسافة قصيرة بين اليدين، وليس لأحد مساحة يتمثل نفسه داخلها. انعكس شيء من الحزن الكامن في تلك الحقيقة على وجهها، إذ يمكن للكتابة أن تقل.
لم يتكلم أحد منا قط بعد الورشة عمّا ناقشناه، لكني على يقين من أننا على نفس التفكير. حدثت نفسي إني لن أواجه مشكلة في إيلاء الكتابة المرتبة الأولى من اهتماماتي، وأنها ستبقى مركزية مهما تطلبت الحياة مني، حتى أنني لم أفكر في الحصول على وظيفة بعد الجامعة، إذ كنت أتخيل في الثانية والعشرين من عمري حياة كاتبٍ بت الآن أعرف أنها ليست موجودة بالنسبة لمعظم الناس، وما أردت العمل إلا كاتبًا. لم تصدمني مشكلة الاستقلال المالي الشخصي حتى اليوم الذي ركبت فيه السيارة مع والداي للعودة إلى المنزل مجددًا. منحاني يومًا واحدًا للأسى على الحياة الجامعية، ثم نظرت إليَّ أمي خلال وجبة الإفطار في اليوم التالي:
- عليك الحصول على وظيفة بدوام كامل.
لست مدرس كتابة إبداعيّة وليس لدي أطفال، لكني عملت في وظيفة يومية لمدة طويلة تناهز العشرين عامًا. أريد الكتابة، بل أحتاجها، والعمل في وظيفة لإعالة نفسي يبعدني عن الكتابة خلال الشطر الأعظم من حياتي، ولا أزال أحاول معرفة الطريقة الأمثل لفعل الأمرين في وقت واحد، على أن إتقانهما في آن واحد مستحيل، لكن ذلك لا يعني أن محاولة فعل ذلك لا تستحق إبلاء جهد.
عملت بعد الجامعة في متجر كتب كبير، وتقدمت بطلبات تسجيل في درجة ماجستير الفنون الجميلة لدى عدد من الجامعات دون التمكن من الالتحاق بأي منها، مما قضى على خيالي تجاه الكتابة طوال اليوم في [جامعات] ميشيغان أو يونكرز أو آيوا. عملت في متجر الكتب هذا فترات تصل إلى منتصف الليل، فيما حاولت كتابة رواية وفشلت خلال آواخر الليل تحت الشخير المزعج لكلبنا المسن. أتاح لي جدول البيع بالتجزئة البقاء مستيقظًا بين حين وآخر حتى وقت متأخر من اليوم، وشعرت بأن لدي متسع من الوقت للكتابة بإيمان مطلق بكل مشروع أبدؤه وأني سأنتهي منه وسأنشره. لكن لم تعد أي من تلك القصص والروايات موجودة بعد الآن، إذ اندثرت جميعًا مع حاسوبي في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
كان العديد من زملاء العمل كتابًا، فأخذتنا العاطفة فيما بيننا وشكلنا ورشة كتابة، إذ أردنا أن نجعل من الكتابة محور حياتنا، ولم يكن ذلك صعبًا في متجر الكتب، رغم أننا كنا ننسى أننا “نعمل” بين الكتب. وعلى أن العمل في مجال البيع بالتجزئة قد يكون مرهقًا، رغم أن المرء محاط بما يحب، إلا أن أصدقاءه من الكتّاب هناك يبقون في باله.
تركت متجر الكتب في السادسة والعشرين من عمري، وحصلت على وظيفة تتضمن ساعات عمل أشد استقرارًا في مكتب الخدمة المدنية بجامعة حكومية. كنت على علم بأن حياتي في الكتابة ستتبدل، ولم يعد بمقدوري البقاء مستيقظًا حتى وقت متأخر ينام فيه الجميع ويبقى المرء فيه بمفرده، إذ يندهش من كمّ الكتابة المنجَزَة في أواخر الليل وبواكير الصباح. لكن، مع وظيفتي الجديدة، تحتّم علي الاستيقاظ في الساعة السابعة صباحًا، ولذا كان من اللازم تخصيص وقت للكتابة بين العودة إلى المنزل والخلود إلى السرير في ساعة معقولة، إذ أنني لست ممن يمكنهم السهر ثم الاستيقاظ في الوقت المحدد للعمل.
صرت مدخل بيانات بمستوى أساسي في قسم القبول بالجامعة، وراقت لي فكرة كوني محاطًا بخزائن الملفات وأكوام الأوراق. تخيلت وقتها أنني مثل كافكا كادحًا بجد في معهد التأمين ضد حوادث العمل. كانت تلك الوظيفة لدفع الفواتير لا لمنح حياتي معنى، إذ أن المعنى ينتظرني في المنزل، ولم يزعجني أحد في حجيرتي ريثما أنتهي من كتابة البيانات على الحاسوب. وحين يصير الوقت بطيئًا، أفتح مسودة بريد إلكتروني وأكتب فقرة صغيرة تمثل جزءًا من رواية مرتقبة سأعيد كتابتها دون أن تُنشر لاحقًا حين أعود إلى المنزل. كنت أكتب ما إن تنتابني الرغبة بعد العمل، وأحيانًا أثناء الجلوس على الأريكة فيما تضيء شاشة التلفاز دون صوت.
لم أنشئ حتى جدولًا زمنيًا ثابتًا حتى كتبت نصًا على يقين بأنه سيكون أخيرًا الرواية التي طالما رغبت بكتابتها. كنت في الخامسة والثلاثين من العمر وتحت خوف من أني لن أنتهي من مسودة رواية.
اقترح عليّ أحد الأصدقاء الانضمام معه إلى تظاهرة “شهر كتابة الرواية الوطني” التي لم ترق لي قطّ بصفتي كاتبًا بطيئًا، فمضيت عكس طبيعتي كاتبًا الكلمات دون الحكم على جودتها وتعديت حاجز الخمسين صفحة، حيث تعودت في السابق أن أقف عالقًا. لكن تحت اكتفاء يعتريني في أحيان إزاء إضافة أي فقرة لما سبق، كتبت نصًا مريعًا بسرعة كبيرة، ولا أظن أنني سأكتب هكذا مرة أخرى، لكن الكتابة بتلك الطريقة على تخطي حاجز لم أتخيل أني سأتخطاه. إن عانى أحد مع تخصيص وقت للكتابة بعد العمل، فمن المستحسنِ التفكيرُ بالكمية بدلًا عن الجودة: اكتبوا بأسرع ما يمكن حين تسنح فرصة للجلوس.
تضمن ذلك المشروع ضمن مخلفاته كل ما شغل بالي وما أردت قوله. علمتني الرواية حال الكتابة بوظيفة يومية والإنجاز بداعي الضرورة، ولم أشرع في التأملات مثلما فعلت لسنين رغم أني لم أدرك أنني كنت أتأمل. اهتممت بالفوضى التي خلقتها وأردت العثور على كتاب جيد كامن فيها.
كنت أعود إلى شقتي في عليّة المنزل وأواجه كتابي كل ليلة، وقررت اتباع جدول زمني لإكمال العمل المطلوب إزاءه، فأبدل ملابس العمل وأرتدي ملابس النوم حتى لا أخضع لإغراء مغادرة الغرفة، وعاهدت نفسي على الكتابة بعد عشاء مبكر جدًا.
كنت أجلس على المكتب وأعمل في السابعة مساء، وأعانني العيش في تلك الشقة المظلمة على الانفصال عن العالم الذي كنت فيه بجسدي قبل الكتابة بقليل، إذ لم أر من النافذة سوى قمم الأشجار والسماء.
حدثت نفسي بالعمل لمدة ثلاثين دقيقة، إذ لا تبدو مدة مخيفة. (بالمناسبة، أوصي بجدولة وقت الكتابة على فترات لا تزيد عن الثلاثين دقيقة، وقد لا تتعداها بأي حال.)، وكنت أجد ما يثير الاهتمام في تلك المسودة خلال الثلاثين دقيقة ممّا يشبه ما كان في بالي حقيقةً لكتابي. ألصقت تلك الجُمل في مستند جديد ووسعتها طيلة عام، ثم راجعت تلك الرواية لمدة نصف ساعة إلى ساعة كاملة كل ليلة طوال السنوات الأربع التالية.
يعتريني حماس شديد للعودة إلى المنزل والكتابة حين تتبقى لي ثلاث ساعات على انتهاء نوبة العمل، وسرعان ما يزول ذلك الحماس بمجرد العودة إلى المنزل. أتمنى عيش حياة تسمح لي بمطاردة الإلهام والكتابة بمجرد الرغبة، لكن تلك الحياة ليست متاحة لي، وهنا يحل دور الالتزام بالجدول الزمني بحسب ما يحدد كل شخص لنفسه. أنا ابن برج الجدي، ومن سماتنا أنّنا ما إن نضع مهمة في تقويم – ولو ذهنيًا – فإن رغبة بإتمامه تعترينا بقدر أكبر من الخجل من عدم الإتمام. ومع ذلك، أشعر أحيانًا بتعب شديد. لا أطلب من أي أحد أن يكتب كل يوم، ولكن لربما يجب إلى النظر إلى مشروع الكتابة كل يوم، والتحلي باللطف مع الذات، فأنتم متعَبون، وتكافحون في ظل الرأسمالية، ويهمكم الفن في مجتمع لا يهتم به، ولذا لا بأس من إشاحة النظر عن مهمة الكتابة في أيام، لكن ليس بأكثر من المعقول.
للكاتب رغبته، والكتابة تثري حياته وتحيره وتتحداه بطرق لن يقدر عليها العمل مطلقًا. قد تبكيه الوظيفة من شدة التوتر، لكن الكتابة تبكيه لأنها تدفعه نحو ما يخاف منه، فهي – بالتالي – تستحق الاهتمام. قد يعتريه تعب شديد في ليلة ما، لكنه سيجلس نصف ساعة (أو أكثر) للكتابة، أو يكتفي بنظرة إزاء الرواية أو القصة، إذ تبقيه مثل تلك النظرات على تواصل معها ومع مكان كتابته. وإن كان تحت رغبة حقيقية بإنهاء ما كتب، فسيضطر إلى رفض بعض دعوات العشاء، وربما نسيان الذهاب إلى النادي الرياضي – مثلي – لأسابيع، إذ يستحيل إنجاز كل شيء، إلا في نطاق إلقاء نظرة أو إضافة جملة، ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى جملة أخرى، وهكذا دواليك.
دائمًا ما أتخيل صباحات هادئة من أيام السبت أكتب خلالها فقرات متتالية، لكني – في غالب الأحيان – أخصص يوم السبت لما لا يتطلب استغراقًا في التفكير. وبما إني جعلت من كتابة القصص جزءًا من أسبوع العمل، فلا أخجل من اعتبار السبت إجازة، وقضاء وقت مع زوجتي أو عائلتي اللطفاء في ما مضى بما يكفي لتفهّم حاجتي لتخصيص وقت للكتابة خلال أيام الأسبوع. وإن كان أحد يرغب في تخصيص عطلة الأسبوع للكتابة، فعليه أن يمضيها في البيت – ما استطاع – ويغلق هاتفه. أما إن حظي بأطفال، فقد تكون عطلة الأسبوع أضيق مما يكفي.
كنت أفكر كثيرًا في الكتّاب الآخرين خلال سنوات عملي الأولى. وإن كنت مثلي، فأنت تحت مطاردة ظنون بتقدم الآخرين في مشاويرهم فيما أنت متأخر، وكون آخرين يعيشون حياة الكتابة فيما ترتب الملفات وترد على رسائل البريد الإلكتروني. وبينما تجلس في حجيرة أو ضمن اجتماع، ينهي أحد أصدقائك روايته في غابة ما، ويسافر آخرون ويذهبون إلى معتزلات كتابة لمدة شهر، فتحس أنك لست كاتبًا حقيقيًا. هذا شعور سام، وعليك غسله بالقراءة والابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي (وهذا الأصعب عليَّ شخصيًا)، وحتمًا بالكتابة؛ إذ ستعيد الكتابة تركيزك على الهدف الكامل من العمل في وظيفة يومية: إعالة الذات والكتابة. توجد العديد من أنواع حيوات الكتّاب، وتتضمن حياتك وظيفة يومية، وكل منا يخوض حياته بطريقته الخاصة ومساره المميز وسرعته المختلفة.
تلقن الكتابة بوظيفة يومية الكاتب درسًا قيمًا يكمن في الصبر، إذ لا خيار أمام الكاتب الموظف إلا تحديد وتيرة العمل، وعليه أن يفكر في الكتابة بدلًا من الجلوس والكتابة، وأن يسجل ملاحظاته أو يدونها خلال ذلك. يكتب أحد أصدقائي قصصه القصيرة في ذهنه أثناء يوم العمل، ثم يعود إلى المنزل ويكتب منها مسودة سريعة. خلال فترات مراجعة النص الشاقة، كنت أهرب إلى العمل من أفكار كتابي الثقيلة على النفس، وما إن أعود إلى المنزل تعاودني القدرة على الجلوس مرة أخرى.
ولا تزعجني فكرة ترك قصة ما لمدة شهر (أو خمسة أشهر) مثلما أزعجتني من قبل، إذ كنت أنتظر لفترة طويلة كي أعود إلى المنزل وأكتب وأنتهي من العمل على نصٍ ما وأمضي قدمًا في أهدافي من وراء الكتابة، ولكني قبلها أنتظر أثناء انهماكي في وظيفتي. لقد أبطأني ذلك، وأنا بطيء بالسليقة، وقد تسبب ذلك في مرات معينة بالإحباط أو الاكتئاب، لكن الحبو بالكتابة بدلًا من الركض بها أثناء دوامي أعدّني نفسيًا لمراجعة روايتي ببطء ونشرها في ما بعد. اعتراني اليأس إذ تحتم على تخصيص جدول زمني للكتابة والانتظار حتى العودة إلى المنزل، إذ لا أملك الوقت بأكمله، ولا أحد منا يملكه، فنحن أناس مشغولون؛ ولذا حرصت على الجلوس ولو لنصف ساعة.
مع ذلك، ستبقى المشاكل والانقطاعات والارتباكات موجودة. قالت الكاتبة جيني أوفيل ضمن حوار في مجلة باريس ريفيو عام 2014:
- من الغريب في حياة الكاتب انعدام الوصول إلى نقطة يقين وإتقان يحدث فيها نفسه قائلًا “حسنًا، الآن فهمت طريقة الإنجاز”، ولهذا يتوقف العديد من الموهوبين عن الكتابة، إذ يصعب تحمّل هذا الجهل.
دائمًا ما أفكر في هذه الجملة، وعلى أنها حقيقة مؤلمة إلا أن العزاء في كون كاتبة مثل أوفيل تقولها. في البداية، كنت أتعامل مع الكتابة مثل شخص لا يعرف كيفية البدء مطلقًا، وعلى علم بخيبة الأمل التي تأتي مع إدراك أن ما تعلمه من كتابة النص السابق قد لا يعينه على كتابة النص الجديد، وأنه – وإن أتمّ كتابة نص ما ونشره – لم يتقن الكتابة بالعموم.
والآن، أظن أن تلك الجملة تعبر عن شعوري إزاء التوفيق بين العمل والكتابة، فقد لا يناسب جدول العمل على النص الجديد ما كان مناسبًا للنص القديم، وبات كل يوم يشبه فتح مسودة رواية أو قصة أكتشف منها لغزًا آخر وأحله، فأحاول كل يوم معرفة كيفية شغل الوظيفة والجلوس للكتابة في نفس الوقت، وأفكر في ما تعلمته عن عيش الحياة هكذا. لربما أننا نتعلم طريقة ما بأنفسنا عبر المعايشة اليومية، بالطريقة التي تعلّمنا بها بعض الكتب الثقيلة كيفية قراءتها (أو كتابتها).
أصابت آفا تشين حين قالت إن جزء الكتابة في حيواتنا سيتقلّص، لكني الذي فهمتُها بالخطأ. صحيحٌ أن وقت الجلوس والكتابة يقلّ، لكن الكتابة ذاتها ما زالت متدفقة عبر كل شيء، وباتت حياةً توأمَ تحومُ في وضح النهار، وصارت أشد أهمية بالنسبة لي من ذي قبل، فهي في بالي الآن لتذكّرني بتفحّص كل شيء، وأن الوظيفة ليست مجرد عمل بل جزء الحياة الذي يغذي الكتابة. أنا الآن في وظيفة جديدة ولدي زملاء متعاونون ويعرفون أنني كاتب. إنهم قرّاء! أحس أكثر بكوني كاتبًا في هذه الوظيفة، وقد جلبت كتبًا إلى مقر العمل ووضعتها في غرفة الاجتماعات، كما ألصقت اقتباسًا من جوي وليمز على مكتبي. ومع ذلك، فليس أغلب وقتي ملكي، ولذا فما أملكه من الوقت يجب أن يُخصَّصَ للكتابة.
لا أملك نصيحة سحرية للكتاب الآخرين ممن يعملون في وظائف، لكن ما أستطيع قوله إن الكتابة تستحق تحمل الجهل بما هو قادم، ووتيرة العمل البطيئة، والانتظار، والتحولات في وقت المرء وتخصيص شيء منه، وفعل أقصى ما بالمستطاع للاستمرار بها طوال العمر.