«مانشستر على البحر».. وعلى الحزن وفلسفة الندم أيضًا!

movieposter

          يعود المخرج كنث لونرغان (54 سنة) إلى السينما العالمية بشكل مدوي في فيلمه الثالث فقط، وهو يعد معدلًا شحيحًا بالقياس إلى سنّه. كان الأول قد صدر في عام 2000 بعنوان «يمكنك الاعتماد علي» – وهو فيلم جميل وأنصح بمشاهدته –، ثم أتى بعده فيلم عادي «مارغريت» ومن ثم هذا الفيلم الذي لن أصفه بأقل من أعجوبة.

          لدينا «لي تشاندلر» (كايسي آفلك)، عامل نظافة إنطوائي ولديه مشاكله الخاصة في التواصل مع الناس، والتي تتضح من عدة مشاهد في البداية. يتلقى اتصالًا من قرية “مانشستر” – التي نشأ فيها وكانت له حياة حافلة فيها إلى أن انتقل – يخبره بأن أخاه «جو تشاندلر» (كايل تشاندلر) قد أصيب بنوبة قلبية أخرى، وما إن يصل حتى يبلغ بوفاته. يقوم بترتيب الجنازة ويخبره محامي أخيه المتوفى أنه الوصيّ على ابن أخيه «باترك» (لوكاس هيدجز) مما يضعه في صراع معه لأجل الانتقال بجانب تضامن الأغلبية مع «باترك» وبقائه في مانشستر، فهم يريدون التمسك بأماكنهم ولديهم بالفعل ما يسوغهم لذلك، بينما يريد «لي» العودة إلى بوسطن ولكن دون سبب حقيقي أو مسوغ، إلى أن يظهر السبب فيما بعد في عدة مواجهات مع بقية الشخصيات تنبؤنا أن الناس ليسوا سواء فيما يتعلق بتقبلهم للمصائب، وأن الندم قد يشلّ بعضهم عند مواجهة الحياة السابقة / الماضي فيما بعد.

          هناك خفة لا تصدق في هذا الفيلم، فحين يغتاظ المشاهد من برود الشخصية الرئيسية[1] في المشهد الحالي تظهر مشاهد من حياته الماضية بشكل مفاجئ – ودون تهويل تقني – ترينا شخصًا يقف على النقيض تمامًا بمرحه ومحبته للحياة، والتي تقوده شخصيته إلى ما هو عليه الآن في سلسلة أحداث مأساوية. كذلك ينتهي كل انفعال في مشاهد الفيلم بوصف الناس له بأنه “أخ جو” أو “لي”، إذ أن ماضيه لا يدعه حتى بعد تلك السنوات، وقد ساهم تنافر طباع «لي» مع طبع البقية في جعل القصة أكثر مصداقية. تكمن خفة الفيلم في الأدوار الطبيعية والمشاهد التي يمكن أن تراها في حياتك. عم يساعد ابن أخيه بعد فتور العلاقة بينهما، زواج ينهار، التعنيف الأسري الذي يتصدى له شخص عابر – وبالمناسبة فقد كان المخرج –، كل هذه تأتي كتوليفة عبقرية من لونرغان بحيلة ذكية  تكمن في إبطاء دفن الجثة لاعتبارات مناخية. حتى مواجهته عن طريق الصدفة مع زوجته بعد طلاقهما وما حدث بينهما لم تأخذ أكثر من دقيقتين – على عكس المتوقع –، وكان أغلب ما قيل بينهما عبر الإيماءات ولغة مهزوزة، لكنها قالت الكثير مما كان سيضعف الفيلم لو عُبّر عنه بالكلمات. ولعل الخليط يأتي من كون الجميع قد غفروا له ما حدث إلا هو، لم يستطع أن يغفر لنفسه.

          المذهل في الفيلم بجانب خفته على الصعيد التقني هو خلوه من الأداء الدرامي أو محاولة تفسير الحياة بجمل رنانة. لا شيء سوى الحياة كما تحدث وكما نراها بأكثر من عين حسب موقفنا منها. نهاية الفيلم كانت عالية فنيًا رغم رتابة أحداثها، لتأتي بفيلم قريب للقلب ونال العديد من الجوائز حتى الآن.

          ختامًا، لعل من الطريف الإشارة إلى أن مات ديمون قد شارك في إنتاج هذا الفيلم أيضًا، ولكن يبدو أنه لم يقبل الدور الرئيسي بما أنه لم يخطف أو يضيع.

 [1]  أميل لهذه التسمية عوضًا عن “بطل الفيلم”، لأن حمولة كلمة “بطل” في اللغة العربية قد لا تتسق مع شخصيات كثيرة رئيسية في الأفلام، مثل روبرت فورد في فيلم «اغتيال جيسي جيمس» (الولايات المتحدة، 2007).

وريث تشينوا أتشيبي صيادًا للسمك

    ليس ذلك رأيي لوحدي، بل هذا ما تلهج به أوساط الأدب العالمية مؤخرًا عن الكاتب والأكاديمي النيجيري الشاب تشيغوزيي أوبيوما، الذي بلغ ثلاثين عامًا منذ فترة بسيطة ويتصدر مشهد الأدب الأفريقي حاليًا بجانب مواطنته تشيماماندا نغوزيي أديتشي. يمكن تلمس ذلك منذ الشروع في قراءة روايته الأولى «صيادو السمك» الحائزة على جائزة منحة «فاينانشال تايمز/أوبنهايمر» العالمية وجائزة معرض إدنبره للكتاب – فئة الإصدار الأول، كما وصلت كذلك للائحة القصيرة لجائزة «بوكر» البريطانية سنة 2015 والتي اختطفها الجامايكي مارلون جيمس عن رواية «تاريخ مقتضب لسبع جرائم قتل»، بالإضافة إلى القائمة القصيرة لجائزة «الغارديان» في فئة الإصدار الأول. أشاد به أحد أعلام الأدب الأفريقي الكبار، وهو الصومالي المرشح باستمرار لجائزة نوبل للآداب نور الدين فرح عبر تصريحٍ ظهر مؤخرًا بأنه “ذو أسلوب فصيح بشكل هائل في الكتابة بجانب موهبته العظيمة، وأن لديه ما يجعله في مصاف أفضل أفراد الجيل القادم من المؤلفين الأفارقة الشباب”، بالإضافة إلى العديد من الإطراءات من كبرى الصحف والمجلات والملاحق الأدبية حول العالم.
تحكي «صيادو السمك» حكاية أربعة أشقاء في نيجيريا خلال منتصف التسعينات – وذلك إيان الحكم العسكري للجنرال ساني أباتشا – على لسان أصغرهم المدعو بينجامين، ويتداخل فيها عنصر الإثارة والتأمل في الذات وفترة الصبا والرشد والعلاقات الأسرية – بين الإخوة على وجه الخصوص – عبر نبوءة عجوز مجنون يقابلونه حين يتهربون من الدراسة لصيد السمك في نهر قريب أثناء غياب أبيهم. كتب أوبيوما رواية ذات مهارة قوية في سرد القصص والتلاعب باللغة عبر مستويين، كما أنها قادرة على شد انتباه القارئ مع الإبقاء على هوية الأجواء الأفريقية بإشكالاتها الاجتماعية والدينية والسياسية والجمال الثقافي الهائل التي تتسم به القارة السمراء.
لأوبيوما حتى الآن هذه الرواية فقط بالإضافة لبعض النصوص على شبكة الإنترنت، كما أنه يعكف على كتابة رواية أخرى هذه الأيام بعنوان «الصقَّار»؛ وهو أستاذ مساعد في مجال الكتابة الإبداعية بجامعة نبراسكا الأمريكية. ستصدر ترجمة هذه الرواية إلى اللغة العربية قريبًا عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر في دولة قطر، وندعو دور النشر العربية لالتقاط النتاج القادم لهذا الكاتب الواعد وترجمته في خضم غرقنا بنتاج القارة العجوز والأمريكيتين خلال الأعوام الماضية.
فيما يلي ترجمة شخصيّة لمقطع من الفصل الأول للرواية:
“كنا صيادي سمك.
    أصبحنا أنا وأخوتي صيادي سمك في يناير عام 1996 حين انتقل والدي إلى خارج أكور، وهي قرية تقع غربي نيجيريا وقد عشنا فيها طوال عمرنا. نقله عمله في البنك المركزي النيجيري إلى فرع يقع في يولا – قرية تبعد عنا أكثر من ألف كيلومتر شمال البلاد – منذ الأسبوع الأول في نوفمبر الفائت. أتذكر الليلة التي عاد بها أبي حاملًا رسالة النقل. كان ذلك يوم الجمعة، ومنذ الجمعة مرورًا بالسبت كان والداي يتبادلان الاستشارات همسًا كما لو أنهما راهبين شرقيين. في صباح الأحد صارت أمي مخلوقًا آخر، إذ كانت تتحرك كفأر مبتل وتجول بعينيها في أرجاء المنزل. لم تذهب إلى الكنيسة، بقيت في المنزل وغسلت مجموعة من ملابس أبي وكوتها بينما يعتري الحزن وجهها. لم يقل أيٌّ منهما كلمة لنا ولم نطلب منهما ذلك في المقابل. فهمنا فيما بعد أنا وأخوتي – إكينا وبوجا وأوبيمبي – أننا قد نغرق المنزل حزنًا إذا ما سألنا بطيني البيت – أي أمي وأبي –، إذ كانا يكتمان الأمر مثلما يحبس بطينا القلب الدم. لذلك فقد تركنا التلفزيون في دولابه ذا شكل الرقم ثمانية في غرفة الجلوس خلال أوقات كهذه وذهبنا لغرفنا كي ندرس أو نتظاهر بالدراسة، ولم نسألهما عن أي شيء بينما كان القلق يغمرنا. حاولنا بما نستطيع لاحقًا أن نجمع أي معلومة عما يحدث.
    مع غسق السبت بانت بعض المعلومات من همهمات أمي كما يظهر زغب الفرخ: “أي عملٍ يحمل رجلًا على الابتعاد عن أبناءه بينما يشبون؟ حتى لو ولدت بسبع أيدي، فكيف سيمكنني الاعتناء بهؤلاء الأطفال لوحدي؟”
    على الرغم من أن تلك الأسئلة المحمومة لم تكن موجهة لأحد، فقد كان من الواضح أن أبي هو المعني بها. كان جالسًا على أريكة كبيرة في الصالة بينما تغطي صحيفته المفضلة «الغارديان» وجهه وهو يقرؤها ويستمع لأمي في نفس الوقت. ومع أنه قد سمع ما تقوله، إلا أن أبي كان يصم أذنيه عن أي كلام لا يوجه له مباشرة، أو ما كان يسميه بـ”الكلمات الجبانة”. كان سيكمل قراءته، وربما سيتوقف كي يحتفي أو يشجب شيئًا مما ورد في الصحيفة بجمل من نوع “واو، فيلا رجل عظيم! يا إلهي!” أو “يجب أن يُطرَد روبين أباتي”؛ كل ذلك لأجل أن يعطي انطباعًا بأن ندب أمي يتطاير في الهواء، وأن لا أحد يعير انتباهًا لنشيجها.”

chigozie-obioma-and-the-fishermen

حول لائحة “مان بوكر ٢٠١٦” القصيرة

     صدرت قبل ساعات اللائحة القصيرة لجائزة “مان بوكر” هذا العام بست روايات موزعة بين ثلاثة بلدان: المملكة المتحدة – كندا – الولايات المتحدة، وذلك بحضور اسم وحيد معروف للعرب هو البريطانية ديبورا ليفي؛ في حين بقي الجنوب أفريقي الحائز على نوبل جون كويتزي في القائمة الطويلة.

     تبدو الحظوظ ميّالة بشكل كبير للأمريكيين بول بيتي وروايته “الخيانة – The Sellout” وأوتيسّا مشفق بروايتها “آيليين – Eileen”؛ خصوصًا وأن الأول فاز مؤخرًا بالجائزة الوطنية للكتاب في فرع الرواية وكون الثانية مرشحة في القائمة القصيرة لذات الجائزة. يضاف إلى ذلك كونهما الأعلى مقروئية بين الروايات الستة حتى الآن.

shortlist-website-image

هذه ليست نهاية الكتاب؛

13876197_829358347195512_3896844723033347788_n

      عنوان شيّق وجذاب لحوار أجراه جان-فيليب دي توناك بين أمبرتو إيكو وجان-كلود كارييه على أكثر من ٣٠٠ صفحة حول طبيعة الكتب وأهميتها للمجتمع وهوس اقتنائها (ببليومانيا) وتاريخ إتلافها وإمكانية بقائها في الحقبة الالكترونية التي نعيشها الآن وأهمية الكتب الورقية كقطع فنية، بالإضافة لتاريخهما الشخصي حول الكتب التي اقتنوها والتي باعوها والتي يودون امتلاكها لاحقًا. لا يخلو هذا الحوار الطويل من المتعة والظرف بجانب الثقل التاريخي والفكري في مناقشة تلك المواضيع بين الشخصين، إذ أنه حوار متبادل وليس استجوابًا لواحد منهما.

          كان الكتاب من أجمل ما قرأت مؤخرًا، وسأعكف على ترجمته على شكل حلقات قد تطول في المدونة أو غيرها🙂

      من باب التعريف، جان-كلود كارييه هو كاتب سيناريو فرنسي كبير وروائي وممثل حائز على عدة جوائز أوروبية وعالمية. شارك بكتابة السيناريو والتمثيل في عدة أفلام مع لويس بونويل وعباس كياروستامي وفيليب كوفمان وفيرناندو ترويبا وعتيق رحيمي، بالإضافة للفيلم المقتبس من رواية “الطبل الصفيح” للألماني غونتر غراس وفيلم “خفة الكائن التي لا تحتمل” المقتبس من رواية التشيكي-الفرنسي ميلان كونديرا. وهو زوج الكاتبة نهال تجدد التي ترجم لها الأستاذ خالد الجبيلي مؤخرًا رواية “الرومي: نار العشق” الصادرة لدى منشورات الجمل ببيروت.

      أمبرتو إيكو هو…. لا حاجة للتعريف به 😀

حديث حول الكتاب الأول

مرحبًا..
كنت في جمهورية الصين الشعبية لرحلة عمل، مما جعلني لا أتحدث عن الكتاب كما يجب بحكم الرقابة الشديدة على شبكة الانترنت هناك.
الخبر وما فيه هو أن كتابي الأول سيصدر بمشيئة الله تبارك وتعالى عن دار أثر للنشر والتوزيع بمدينة الدمام/ المملكة العربية السعودية.
الكتاب ببساطة عبارة عن تسعة نصوص اخترتها بنفسي وترجمتها لتسعة من كبار الكتّاب حول العالم، وتدور هذه النصوص في فلك القراءة وممارستها. الجدير بالذكر هو أن هذه النصوص تجمع بين شهرة المؤلف وجمال المحتوى وكونها تترجم للمرة الأولى على الإطلاق، وقد نجحت في ذلك في جميع النصوص.
المؤلّفون التسعة هم (حسب ترتيب الكتاب للنصوص تاريخيًّا):
فيرجينيا وولف – رديارد كيبلنغ –  هنري ميللر – هيرمان هيسه – فلاديمير نابوكوف – ماريو بارغاس يوسا – جوزيف برودسكي – نيل جايمان – ألبرتو مانغويل.
ما يميز هذه المجموعة عن غيرها هي أنها مختارات حول القراءة، وهي أول مجموعة باللغة العربية بهذا الخصوص. كما أني لم أجد باللغة الإنجليزية مجموعة نصوص مختارة حول القراءة إلا في كتابين فقط؛ مما يعكس أهمية الكتاب في هذا المجال.
قراءة ممتعة!

قراءة في رواية ” مقهى الشباب الضائع ” – باتريك موديانو

“مقهى الشباب الضائع” – باتريك موديانو: الهمس حينما يخبر بالكثير.

قراءة: راضي النماصي

هل تحققت أمنية أبي العتاهية بفضل إشارة من نيتشه وكتاب لموديانو، عريس نوبل الجديد؟ أم أن الشباب، والذي من المفترض أن يختار العود الأبدي باقتناع، قد اختار العدم بنفسه؟

اصطدمت بمفهوم “العود الأبدي” لأول مرة في رائعة ميلان كونديرا (خفة الكائن التي لاتحتمل)، وأثارت تلك الفكرة الغريبة اهتمامي. فمن نيتشه، مرورًا بالهندوسية، وأخيرًا بميرتشيا إلياده، تتمثل تلك الفكرة في صورة إشارات متوالية تدعي إمكانية تكرار الحدث بلا نهاية.

بحسب لجنة جائزة نوبل للأداب، فقد ذكرت عن الفائز لهذا العام مايلي: “بسبب تمكنه من فن الذاكرة الذي أنتج أعمالا تعالج المصائر والهوية والفقدان والأمل”. وهنا أشهد له بذلك. فموديانو يكتب عن الفقدان والذاكرة باحتراف، وإن لم تكن المعالم المحسوسة واضحة كالزمان والمكان، كما في هذه الرواية. هنا لايحدث شيء مميز: تدور القصة حول شابة غامضة تتشكل صورتها من خلال عدة رجال يسردون قصصهم معها، وكيف يرونها طوال سير خط الرواية الزمني. ولكن مع موديانو، مايهم هو الذي لم يُروَ، وماالذي يحس به القارئ بين السطور: عالم من الشباب الضائع، ذوي الماضي المظلم، تمر من خلالهم ظلال لزمان مضى، وأحاسيسًا تذوي، ومشاعر فياضة تتمثل في صورة فتاة وحكايتها. يتظاهر كل من الرواة الأربعة بالمسؤولية عن إيضاح تلك المعالم الزمنية، والتي لاتعد غامضة كثيرًا.

كما أسلفت، ينطلق موديانو بصوتٍ أقرب للهمس من خلال أربعة فصول لرسم صورة لفتاة غامضة تدعى جاكلين ديلانك. كل فصل ترويه شخصية من الرواية، ومن خلالها يكتشَّف جانب من شخصيتها الرئيسية، والتي تحمل اسمًا مستعارًا هو “لوكي”.

يبرز لنا في الفصل الأول طالب في مدرسة المعادن يروي أحداثًا تظهر فيها شخصيات قليلة في مقهى “كوندي”؛ صنعت تلك الأحداث نوستالجيا ضخمة تجاه فتاة غامضة لايعرف اسمها، بل الاسم المستعار الذي كانوا ينادونها به في مقهى “كوندي”، والذي كان يتردد عليه في شبابه. كانت تعتبر تلك الفتاة الأنثى الكاملة، والحب الذي لايوصف بالنسبة له. وفي محاولة لكشف المزيد من معالم شخصيتها، تقع له العديد من المواقف دون أن ينسى في ثناياها شبابه الذي يعتز به.

المحقق كيزلي هو الراوي الثاني، وهو الصوت الذي يحكي حكايته الخاصة مع “لوكي” في الفصل الثاني. يُعد المحقق صوتًا جامدًا يحتوي الحقيقة بأكملها. فهو يعطينا اسم “لوكي/جاكلين” الحقيقي، وكذلك معلومات عن ماضيها. ولكن، بينما نعتقد أن هذا المحقق يقوم بإنهاء الرواية عبر كشف بعض أقنعة ماضيها، يقوم، وبما يشبه السحر، بتركها تفلت من يديه، هاربة دون أية تفاصيل خلفها.

تنطلق “لوكي/جاكلين” متحدثة عن نفسها في الفصل الثالث، كاشفة عن أجزاءٍ من ماضيها. تتيح لنا تلك المقاطع من ماضيها فهم جنوحها الدائم للهروب، سواء مما رواه طالب مدرسة المعادن أو المحقق.

في الفصل الأخير، تقوم شخصية رولاند بكشف ختامي عن الأدوار التي لعبتها الشخصيات طوال الرواية، دون أن يزيح غموض الرواية الكلي. يساعدنا رولاند لكي نرسم خريطة لباريس؛ باريس الأحلام والآمال، باريس ذات “المناطق المحايدة” حيث يتيه العاشقون، حيث الحنين المستمر والمشاعر الفياضة للأشخاص الذين نلتقيهم باستمرار، وليست تلك الجديدة حيث نقابل وجوهًا لأول مرة عن طريق المصادفة كل يوم.

مايميز هذه الرواية بشكل فعلي هو الغموض، والصوت الهامس المشترك بين كل الرواة. ليس وقت وقوع الأحداث وحده مبهمًا، بل أيضًا جغرافية باريس. فالقارئ هنا يحتاج حتمًا لخارطة حينما يقرأ الرواية، أو أن يكون باريسيًا ليستمتع بالرواية. أيضًا نجد العواطف تغير منظور الشخصيات باستمرار حول الشباب الضائع، والمتمثل في صورة الشخصية الرئيسية “لوكي/جاكلين”. بقي أن أقول أن الترجمة مزعجة للغاية.