شروخ – أندري بلاتنك

صباح / مساء الخير جميعًا،

1137132

في عدد هذا الأسبوع من «زهرة الخليج»، ستقرؤون أولى ترجمة للكاتب السلوفيني أندري بلاتنك، عبر قصة بعنوان “شروخ”.

تعريف:

أندري بلاتنك (1943 – الآن)، كاتب ومترجم سلوفيني معاصر، وأحد أرفع المؤلفين شأنًا في بلاده منذ جيل الثمانينات في فن الرواية والقصة القصيرة والمقال. من أعماله «قانون الرغبة»، «متاهة ورقية»، «شريعة الطاو للحب»، «قضمات».

أتمنى للجميع قراءة ممتعة!

ثلاثون سطر – كيم مونزو

صباح / مساء الخير جميعًا،

QM2

في عدد هذا الأسبوع من «زهرة الخليج»، ستقرؤون أولى ترجمة للكاتب الإسباني الكاتالوني كيم مونزو، عبر قصة بعنوان “ثلاثون سطر”.

تعريف:

كيم مونزو (1952 – الآن) كاتب ومترجم وصحفي إسباني من إقليم كاتالونيا، حاز على جائزة برودينتشي بيرترانا عام 1976 والجائزة الوطنية للأدب عام 2000 وجائزة ماريا أنخل أنغلادا عام 2008. من أعماله «سبب ما يحدث»، «خدمة ذاتية»، «غوادالاخارا»، «فداحة المأساة»، «وقود».

أتمنى للجميع قراءة ممتعة!

مهمة قصة الجريمة – أمبرتو إيكو

صباح / مساء الخير جميعًا،

UE

في العدد الحالي من مجلة «الفيصل»، ستقرؤون مقالًا مترجمًا من قبلي (وقلبي) للكاتب الإيطالي الكبير أمبرتو إيكو، بعنوان «مهمة قصة الجريمة». المقال مستل من آخر كتاب مترجم له إلى الإنجليزية بعنوان «يوميات مجتمع سائل»، الذي جُمعت مادته وترجمت بعد وفاته.

للإطلاع على المقال، اضغط(ي) هنا.
أتمنى للجميع قراءة ممتعة!

حول الكتابة، والإلهام، والرفض – كارلوس رويز زافون

بين فترة وأخرى، تقوم جريدة “ذي غارديان” البريطانية المرموقة باستقطاب كتاب مشاهير حول العالم عبر دردشة مباشرة على الانترنت مع العديد من المعجبين في ما يخص كتبهم وحياتهم. وفي يونيو 2012، قامت باستضافة الكاتب الإسباني الشهير كارلوس رويز زافون، وقد صدرت له بالعربية حتى الآن روايتان هما “ظل الريح” و”لعبة الملاك” بترجمة الكبير معاوية عبد المجيد.

أترككم مع الحوار، مع ملاحظة أنني قمت بمحاكاة أسلوب الدردشة قدر ما يمكن دون الإخلال بترابط الجملة السليم باللغة العربية.

قراءة ممتعة!

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

كل كتبك عن قوة القصص. أين تكمن الجاذبية في تأليف كتب عن… الكتب؟

لا أظن جازمًا أنني أكتب عن الكتب، بل عن الناس والقصص واللغة والأفكار. صحيح أن الكتب في رباعية “مقبرة الكتب المنسية” مرتبطة بعالم القراء والكتاب وبائعي الكتب والناشرين وجميع الناس في فلك الأدب، لكنها تحاول الخوض في ثيمات الأدب الكلاسيكية، فهي تطمح لأن تكون عن الحياة. والكتب والأدب، أو الحكي، ليسوا سوى جزءٍ منها.

هل “مقبرة الكتب المنسية” مستلهمة من مبنى واقعي في برشلونة؟
كم تطلب الوقت منك كي تكتب “ظل الريح” منذ الفكرة الأولى وحتى “المخطوط” النهائي؟
علاقة الأب والابن في هذا الكتاب مميزة، هل لديك علاقة حميمية مع أبيك؟

ليس كذلك. فقد راودتني فكرة المقبرة أثناء عيشي في لوس أنجلوس. وقد كان إلهام كبير مستنبطًا من مكتبة كتب مستعملة في لونغ بيتش بولاية كاليفورنيا، وتدعى “أيكرز أوف بوكس – فدانات من الكتب”. لا أعتبر “مقبرة الكتب المنسية” بالنسبة لي استعارة للكتب فقط، بل للأفكار والجمال والمعرفة بالنسبة للناس ولعالم العقل وللذاكرة.. ولكل الأشياء التي تجعلنا بشرًا وتضفي المعنى؛ والكتب، بطريقة ما، رمز لكل ذلك في القصة.

يتطلب مني الأمر عادة سنتين لتأليف كتاب من هذا النوع، ولا يعد الـ”ظل” استثناء.

علاقتي بأبي ليست كعلاقة دانيال في الـ”ظل”. صحيح أن بعض آفاقها مشابهة، لكن أبي شخص مختلف تمامًا عن أبي دانيال، وأنا أميل لكاراكس من دانيال فعليًا. C’est la vie. (بالفرنسية: هذه هي الحياة. (المترجم))

ما هو الفرق بين كتابة روايات اليافعين والبالغين؟ أو، هل ثمّت فرق بينها أصلًا؟ وأيهما تفضل ولماذا؟
واضح أن في “مقبرة الكتب المنسية” رسالة رثاء في ما يخص الكتب. ما موقفك في نقاش الكتب ضد الكتب الإلكترونية؟
لماذا تكتب بالإسبانية عوضًا عن الإنجليزية؟ هل تمنحك تلك اللغة شيئًا لا تقدر الإنجليزية عليه؟ وإن كان ذلك صحيحًا، فما هو ذلك الأمر؟

لا أعتقد أن عملية الكتابة مختلفة جدًا بين كتب اليافعين والبالغين. فأنا أحاول الكتابة للناس الذي يحبون القراءة، ولا أقلق كثيرًا تجاه أعمارهم. فالعمر بالنسبة لقارئ خاصية نسبية للغاية. أحب كتابة الكتب للقراء الذين يحبون الأدب واللغة والحكي… ولا أطلب منهم بطاقة هوية كي أتفقد أعمارهم. وأود الاعتقاد بأنني، بطريقة ما، أكتب للقراء بجميع الأعمار.

ليس لدي نقاش أو أطروحة بشأن الكتب ضد الكتب الإلكترونية. فالكتب كتب، وليست المنصة التي توَزَّع من خلالها. أي سيمفونية لموزارت هي الموسيقى، ليست القرص المدمج أو الشريط أو ملف MP3  أو FLAC. بل الموسيقى. والأدب نفس الشيء تمامًا بالنسبة إلي. فهو مرتبط بالعمل الفني، باللغة، بالإبداع.

أكتب بالإسبانية لأنني إسباني. فقد ولدت في برشلونة، والإسبانية والكتالانية لغتيَّ الأم. أعتقد أن على كاتب السرد القصصي محاولة الكتابة باللغة التي تعلم القراءة والكتابة عبرها.  لأن هناك أمرًا مهمًا للغابة بشأن تلك الرابطة ولن ترغب بالعبث به. كل اللغات تمنح شيئًا وتأخذ آخر. فاللغات الرومانية كالإسبانية والإيطالية والفرنسية والكاتالانية والبرتغالية تملك – فيما أظن – مدى هائلًا من الدهاء والتفاصيل، بينما توفر الإنجليزية – مثلًا – الترابط والدقة. وآمل فقط أن أصير طليقًا في كل لغاتي.

أذكر لنا بعض ما تستلهمه دومًا ككاتب؟

أستلهم الحياة وتجربتي الشخصية وذكرياتي وما أراه بداخلي ومن حولي.. كما أني ملهم بالأدب، وبالموسيقى والجمال بشكل عام. أنا مغرم بالجمال، والكافيين يقوم بعمل جيد.

ما هي مكتبتك المفضلة حول العالم؟
هل هناك إلهام من الحياة الواقعية لـ“مقبرة الكتب المنسية”، مثل مكتبة مهجورة أو غرفة قراءة صغيرة مجهولة؟
إن استطعت إنقاذ كتاب واحد، فماذا سيكون؟

أحب مكتبات عديدة، وأحدها تدعى “أتينيو برشلونة”، نادٍ أدبي بعمر قرن في منطقة القرية القديمة. لكن أعطني مكتبة وستجدني منحازًا لها.

إن استطعت انقاذ كتاب… مممممممم. أظن أن الإجابة الصائبة سياسيًا هي كتاب كلاسيكي أو كتاب رائع نحبة جمعًا. وبما أن هذا العالم كبير وشرير بلا قلب والرب يحب الأشرار، سأدع توأمي الشرير يختار، وسيختار إنقاذ كتابٍ لي، بقدر ما لا يستحق ذلك الكتاب كما يبدو. الكتاب مثل ذلك، مواطنون محزنون.

هل هناك نصيحة لمؤلف جديد؟
هل تستمع إلى الموسيقى حين تكتب؟
أهناك هواية يمكنك الاعتراف بها؟

اكتب واكتب واكتب، ثم أعد الكتابة حتى الموت. اعمل بجد. تعلم حرفتك. لا تستسلم. ثابر. لا تكن متكبرًا أو حسودًا أو كارهًا بغل. اعمل بجد لأجل أهدافك، واكتب من قلبك، لكن تأكد أن تلك الكتابة مرت بدماغك قبل أن تصل إلى أصابعك. هل ذكرت عدم الاستسلام؟

الموسيقى أكثر ما أقدره في العالم، لذا علي أن أكون حذرًا إذا ما كتبت أثناء الاستماع، لأن عقلي يتجول في موسيقى الجوقات وأي موسيقى ذات وتر خفيض.  صحيح أنني أقوم بالاستماع إلى الموسيقى في بعض الأحيان، لكن بطريقة منضبطة بعمق.

هوايات يمكن الاعتراف بها؟ عزف الموسيقى وكتابتها، ومشاهدة سيرورة العالم، ومطاردة الجمال والمعرفة والتبطل المطلق.

ما هو الكتاب الذي ألهمك حين كنت شابًا؟
هل هناك كتاب بعينهم قد ألهموك كي تصير كاتبًا بنفسك؟
ما هو مشروعك القادم؟

لا أستطيع الإشارة الى كتاب ألهمني بعينه. أقول أنها كانت كل الكتب، وعالم القراءة، والأدب والحكي بشكل مجمل. والأمر ينطبق بذاته تجاه الكتاب، فهناك ما لا يحصى منهم.

أعمل الآن على الكتاب الرابع والنهائي في “مقبرة الكتب المنسية”. تمنّ لي الحظ!

هل لديك روتين للكتابة؟
كيف تعمل مع مترجمي رواياتك؟ هل هناك تصرفات تحريرية في الإصدارات المترجمة من كتبك؟

أعمل في مكتبي/استديوهي ساعات طوال، بمعدل خمسة أيام في الأسبوع، وستة أو سعبة في بعض الأحيان. أعيد الكتابة بقدر ما أكتبه وباستمرار. أتجول حول الغرفة، وأحدث نفسي. أتحرك من طاولة الكتاب إلى بيانو أملكه في المكتب. ألعن معوقاتي. أشرب الكافيين بكثرة. أفكر بمشوار مهني تجاه الرسم على الجدران… بعدها أعيد الكتابة مرارًا، فأعمل لمدة أشهر على النهاية حتى يقترب ما أملكه بأكثر قدر ممكن إلى ما حددت فعله.

أعمل مع بعض مترجمي بقرب، وفي بعض الأحيان أقوم بعدة تصرفات تجاه الترجمات عبر إعادة كتابة بعض الأجزاء والتأكد أن ما ستقرؤونه قريب بقدر المستطاع إلى النسخة الأصل. وفي أحيان أخرى أتركهم كي يذودوا عن أنفسهم ولتفترسهم الوحوش. هكذا أعمل.

كمؤلف أدب يافعين شاب ذي ملف مليء برسائل رفض المخطوطات، كنت أتساءل عن عدد ما تلقيتَ منها قبل أن تصل إلى كل من الوكيل المهم وصفقة النشر، وهل أحسست بالهزيمة؟

نشرت كتابي الأول قبل أكثر من عشرين عامًا، لكن صحيح أن أعمالي قد رُفضت كثيرًا، وكل الكتاب يتلقون ذلك. فلا تكن منهزمًا منهم، وواصل العمل. أكمل التعلم ولا تستسلم أبدًا، فالكتاب يكتبون مهما حدث. وصحيح أنك تشعر بالهزيمة، لكن ليس إذا كنت كاتبًا، لأن الكتاب يكتبون، أما النشر فمسألة مختلفة. ابق قويًا، وكن صريحًا تجاه نفسك واعمل بجد، وسيعثر عليك العالم فيما بعد.

كيف ترى انتقالك إلى لوس أنجلوس؟ هل يوفر ذلك منظورًا آخر تجاه كتابتك؟

انتقلت إلى لوس أنجلوس في عام 1994، وعشت هناك لحوالي عشر سنوات. أظن أن مغادرة الموطن والذهاب إلى بلد آخر تعلمك الكثير، وليس أقل ما تعلمك عن نفسك. أرى أن ذلك كان أمرًا جيدًا قمت به. والآن أمضي وقتًا مساويًا في لوس أنجلوس بقدره في برشلونة أو حول أوروبا. وأنا متأكد من أن لوس أنجلوس قد منحتني منظورًا مختلفًا تجاه كتابتي، وذلك يتطور رغمًا عن أي شيء مع الوقت بغض النظر عن المكان على ما أعتقد. لربما غيرني العيش بها كإنسان بشكل عام، مما يعني تغيري ككاتب حتمًا. لكني الآن أتساءل عن مصيري لو بقيت في برشلونة أو انتقلت إلى طوكيو أو باريس… إنها أكوان مختلفة.

متعة المشيب (بلا مزاح)  – أوليفر ساكس

dsc0788-2-low-res

6 يوليو 2013

حلمتُ البارحة بالزئبق على هيئة قطرات هائلة تصعد وتهبط. الزئبق هو العنصر الثمانون <في الجدول الدوري>، وقد كان حلمي مجرد تذكيرٍ بأنني سأبلغ الثمانين يوم الثلاثاء.

لطالما اختلطت العناصر وأعياد الميلاد بالنسبة لي منذ الصبا، ففي الحادية عشر من عمري كنت أقول “أنا صوديوم” (الصوديوم هو العنصر 11)، والآن أنا ذهبٌ في التاسعة والسبعين. قبل بضع سنوات، حين أعطيت أحد الأصدقاء قنينة من الزئبق في عيد ميلاده الثمانين – وكانت قنينة مميزة بحيث لا تسرّب أو تتكسر –، رمقني بنظرة غريبة، لكنه أرسل رسالة ساحرة فيما بعد، وقد كتب فيها نكتة “آخذ قليلًا منها كل صباح لأجل صحتي”.

إنها ثمانون عامًا! أكاد لا أصدق ذلك. أحس أحسانًا أن الحياة تتعلق بابتداءها، ثم الإحساس بها قرب النهاية فقط. كانت أمي الطفلة السادسة عشر من ثمانية عشر ابنًا وابنة، وأنا كنت أصغر أبناءها الأربعة وأكاد أكون الأصغر بين أبناء الخؤولة الكثر من جهتها، كما كنت أصغر ولد في صفي خلال المرحلة الثانوية. وقد استعدت هذا الشعور بكوني الأصغر عمرًا، حتى وإن كنت أشيب من أعرف الآن.

ظننت أنني سأموت في الحادية والأربعين حين مررت بفصل خريفٍ سيء وكسرت أحد ساقي أثناء تسلق الجبال وحيدًا. ضمدت تلك الساق بأفضل ما يمكن ثم بدأت أدفع نفسي بحمق باستخدام ذراعيّ نحو أسفل الجبل. في الساعات التي تلت ذلك، ساورتني الذكريات بخيرها وشرها، وكان أغلبها مشوبًا بالامتنان تحديدًا لما منحني الآخرون، وكذلك لأني صرت قادرًا على منح شيء بالمقابل؛ فقد نُشِرَ كتاب «يقظات»[1] قبل ذلك بعام.

أشعر وأنا في الثمانين تقريبًا – مع قليل من الاعتلالات الطبية والجراحية دون أن تعيقني أي منها – بالسعادة لأني حي، حتى أن جملة من نوع “أنا سعيد لأنني لست ميتًا” تخرج عفويًا حين يكون الجو مثاليًا. (وهذا ما يناقض قصة سمعتها من صديق حين كان يتمشى مع سامويل بيكيت[2] في باريس خلال صباح ربيعي مثالي، فقال له “ألا يجعلك نهار كهذا سعيدًا لأنك حي؟” فأجابه بيكيت “لن أذهب بأحاسيسي بعيدًا إلى حيث تقول”). أنا ممتن لكوني خضت عدة تجارب – بعضها رائع والآخر فظيع – وقدرت على كتابة دزينة من الكتب، واستقبال رسائل بلا عدّ من أصدقاء وزملاء وقراء، والاستمتاع بما سمّاه ناثانيال هاوثورن “معاشرة العالم”.

وأنا نادم على أنني ضيعت (وما زلت أضيع) الكثير من الوقت، وعلى أنني ما زلت خجولًا بقدر ممض في الثمانين مثلما كنت في العشرين، وأنني لا أتحدث أي لغة أخرى سوى لغتي الأم، ولم أرتحل أو أجرب الانخراط بوسع في ثقافات أخرى بقدر ما كان عليّ ذلك.

أشعر بأن علي محاولة إتمام حياتي، مهما كان يعني “إتمام الحياة”. فبعض مرضاي ممن تخطوا التسعينات من أعمارهم ومن تعدى المئة يقولون ما يشبه صلاة سمعان في إنجيل لوقا[3] عبر جمل من نوع “لقد عشت حياة كاملة، والآن أنا مستعد للرحيل”. بالنسبة لبعضهم، ذلك يعني الرحيل إلى الجنة – ولطالما كانت ]الوجهة[ الجنة بدلًا عن الجحيم، رغم أن سامويل جونسون[4] وجيمس بوزويل[5] ارتجفا حين التفكير في الذهاب إلى الجحيم وغضبا من ديفيد هيوم[6] الذي عاش هانئًا بلا معتقدات كهذه؛ فأنا لا أؤمن بوجودٍ لما بعد الموت إلا في ذكريات الأصدقاء، وأمل بأن بعض كتبي ستبقى “ناطقة” للناس بعد مماتي.

غالبًا ما كان يحدثني و. هـ. أودن[7] عن ظنه أنه سيعيش إلى الثمانين ثم “يرحل” (وقد عاش حتى السابعة والستين فقط). وعلى الرغم من أنه مات منذ أربعين سنة، إلا أنني أحلم به كل فترة، وبوالديّ ومرضى قدامى قد ذهبوا كلهم، لكنهم ما زالوا محبوبين ومهمين في حياتي.

في الثمانين، يلوح طيف الجلطة أو الخرف، كما أن ثلث من يعرفهم المرء قد ماتوا – وغيرهم الكثير – إثر إصابة جسدية أو عقلية عميقة، ليحاصروا <بعد ذلك> في حيز مأساوي وضيق. كما تصبح أمارات الرحيل بيّنة للغاية، وانفعالات المرء أبطأ بقليل، والأسماء في الغالب أكثر تملصًا، وعلى طاقاته أن تصير مقتصَدة أكثر. لكن برغم ذلك، قد يحس المرء أحيانًا بأنه ممتلئ بالنشاط والحياة وليس “عجوزًا” بالمرة. لربما أكمل بالحظ سنوات أكثر – بحال سليمة أكثر أو أقل – وسأوهب حرية استمرار المحبة والعمل، أهم شيئين في الحياة، كما يصر <سيغموند> فرويد.

وحين يزف أجلي، أرجو أن أموت أثناء عملي كما فعل فرانسيس كريك[8]. فحين قيل له أن سرطان القولون عاد، رد على ذلك بصمت مطبق، فقد نظر ببساطة إلى المدى لمدة دقيقة ثم استمر بقطار أفكاره. ولما ضُغِطَ بسبب التشخيص عقب أسابيع، قال “ما كان لشيءٍ بداية إلا وله نهاية”. وحين مات في الثامنة والثمانين من عمره، كان ما يزال مندمجًا بالكامل في أقصى أعماله إبداعًا.

كان أبي – الذي عمّر حتى الرابعة والتسعين – يقول على الدوام إن الثمانينات كانت أحد أكثر عقود عمره متعة، إذ لم يشعر بضيق حياته العقلية وتصوراته، بل بتوسعها؛ مثلما بدأت أحس تجاه نفسي. فالمرء لا يخوض تجربة الحياة الطويلة عبر معيشته فقط، لكن مع حيوات الآخرين أيضًا. وقد رأى أفراحًا ومآسي، وانفجارات وعدة إعلانات إفلاس، وثورات وحروب، وإنجازات عظيمة وشكوكًا عميقة كذلك. كما شهد صعود نظريات كبرى حتى انهيارها بفعل حقائق لا تتزحزح، وصار أكثر وعيًا بسرعة زوال الأشياء وربما بالجمال أيضًا. في الثمانين، يمكن للمرء أن يتّخذ مطلًا عاليًا فيمتلك حسًا حيًا وأبهج بالتاريخ لم يقدر على امتلاكه في عمر أقل. أستطيع أن أتخيل ما يبدو عليه قرن من الزمان شاعرًا به في عظامي، وهذا ما لم أقدر عليه حين كان عمري 40 و60 عامًا. لا أفكر بالمشيب على أنه مرحلة أمر وتتطلب من المرء أن يتحملها بشكل ما ويجني أفضل ما بها، بل كمرحلة من الدعة والاستقلال، متحررًا من صدوف الأيام الأُوَل، وأيضًا لأجل استكشاف ما أود، ولربط أفكار ومشاعر حياة كاملة معًا.

أتطلع قدمًا لبلوغ الثمانين.

[1]  أحد أشهر كتب أوليفر ساكس. جمع فيه بين المذكرات والطب النفسي، وقد تحول إلى فيلم شهير من بطولة روبن ويليامز وروبرت دي نيرو.

[2]  كاتب إيرلندي (1906-1989)، وأحد أشهر أدباء العدمية في الأدب الأوروبي. أشهر مؤلفاته “في انتظار غودو”.

[3]  وردت كمصطلح واحد nunc dimittis ولم أستطع العثور على مقابل معجمي باللغة العربية. لكن المقصود هو صلاة سمعان الواردة في الآيات 29 إلى 32 من الإصحاح الثاني في إنجيل لوقا («الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، ** لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، ** الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. ** نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ».)

[4]  كاتب إنجليزي (1709-1784)، وأحد أهم رمز الأدب الإنجليزي.

[5]  محامي وكاتب سير ومؤرخ إنجليزي (1740-1795)، وكان صديقًا عزيزًا لدى سامويل جونسون وكتب سيرة حياته، التي تعد أحد أهم كتب الأدب باللغة الإنجليزية.

[6]  فيلسوف اسكتلندي (1711-1766).

[7]  شاعر إنجليزي أمريكي كبير (1907-1973)

[8]  باحث كيمياء حيوية بريطاني (1916-2004)

سر الكتابة – أورهان باموق

سر الكتابة

أورهان باموق (تركيا / نوبل 2006)

ترجمة: راضي النماصي

      يمكن للآخرين أن يتعلموا أشياء عديدة من حياة الكاتب لأنها مختلفة للغاية، فبعض الكتّاب مهووس بما يأتي من الخارج والبعض الآخر مهووس برؤاه، أما أنا وأمثالي فمختلفون؛ فأنا أعمل كموظف وبهذا تغدو رواياتي كاللوحات الجصية والملاحم. بذلك فأنا أبدأ من زاوية وأستمر حتى دون أن أعلم ما ستكون عليه الصورة الختامية في النهاية.

      علمتني أربعون سنة من التفاني تجاه فن الرواية أمرًا واحدًا، وهو أن ننتبه إلى حيوات البشر وما نسمعه عنها. فهذه الرواية، أي «غرابة في عقلي»، مبنية على مقابلاتٍ أجريتها مع العديد من الناس، والتي تعلمت منها أن أكون متواضعًا تجاه حياتهم وألعب بتفاصيلها إلى أن تغدو حقيقية أكثر من الواقع.

       في غالب حياتي لم أحظ بمحررٍ كما ينبغي منذ كنت أكتب في إسطنبول. أنا هو محرري الوحيد. لكن أسرار الكتابة تكمن في إعادتها وتحريرها بنفسك وإعادة تعديلها وقراءتها على من تحب – على زوجتك أو ابنتك أو صديقك وسماع القصة من منظور الآخرين دون أن تترك معاييرك الخاصة عن الكتابة الجيدة – ومن ثَمّ تستمر بالتعديل والحذف هكذا دون أن تهتم بالوقت الذي منحته لتلك الصفحة الجميلة، والتي من الممكن أن تحذفها أيضًا.

orhanpamuk_image

وريث تشينوا أتشيبي صيادًا للسمك

    ليس ذلك رأيي لوحدي، بل هذا ما تلهج به أوساط الأدب العالمية مؤخرًا عن الكاتب والأكاديمي النيجيري الشاب تشيغوزيي أوبيوما، الذي بلغ ثلاثين عامًا منذ فترة بسيطة ويتصدر مشهد الأدب الأفريقي حاليًا بجانب مواطنته تشيماماندا نغوزيي أديتشي. يمكن تلمس ذلك منذ الشروع في قراءة روايته الأولى «صيادو السمك» الحائزة على جائزة منحة «فاينانشال تايمز/أوبنهايمر» العالمية وجائزة معرض إدنبره للكتاب – فئة الإصدار الأول، كما وصلت كذلك للائحة القصيرة لجائزة «بوكر» البريطانية سنة 2015 والتي اختطفها الجامايكي مارلون جيمس عن رواية «تاريخ مقتضب لسبع جرائم قتل»، بالإضافة إلى القائمة القصيرة لجائزة «الغارديان» في فئة الإصدار الأول. أشاد به أحد أعلام الأدب الأفريقي الكبار، وهو الصومالي المرشح باستمرار لجائزة نوبل للآداب نور الدين فرح عبر تصريحٍ ظهر مؤخرًا بأنه “ذو أسلوب فصيح بشكل هائل في الكتابة بجانب موهبته العظيمة، وأن لديه ما يجعله في مصاف أفضل أفراد الجيل القادم من المؤلفين الأفارقة الشباب”، بالإضافة إلى العديد من الإطراءات من كبرى الصحف والمجلات والملاحق الأدبية حول العالم.
تحكي «صيادو السمك» حكاية أربعة أشقاء في نيجيريا خلال منتصف التسعينات – وذلك إيان الحكم العسكري للجنرال ساني أباتشا – على لسان أصغرهم المدعو بينجامين، ويتداخل فيها عنصر الإثارة والتأمل في الذات وفترة الصبا والرشد والعلاقات الأسرية – بين الإخوة على وجه الخصوص – عبر نبوءة عجوز مجنون يقابلونه حين يتهربون من الدراسة لصيد السمك في نهر قريب أثناء غياب أبيهم. كتب أوبيوما رواية ذات مهارة قوية في سرد القصص والتلاعب باللغة عبر مستويين، كما أنها قادرة على شد انتباه القارئ مع الإبقاء على هوية الأجواء الأفريقية بإشكالاتها الاجتماعية والدينية والسياسية والجمال الثقافي الهائل التي تتسم به القارة السمراء.
لأوبيوما حتى الآن هذه الرواية فقط بالإضافة لبعض النصوص على شبكة الإنترنت، كما أنه يعكف على كتابة رواية أخرى هذه الأيام بعنوان «الصقَّار»؛ وهو أستاذ مساعد في مجال الكتابة الإبداعية بجامعة نبراسكا الأمريكية. ستصدر ترجمة هذه الرواية إلى اللغة العربية قريبًا عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر في دولة قطر، وندعو دور النشر العربية لالتقاط النتاج القادم لهذا الكاتب الواعد وترجمته في خضم غرقنا بنتاج القارة العجوز والأمريكيتين خلال الأعوام الماضية.
فيما يلي ترجمة شخصيّة لمقطع من الفصل الأول للرواية:
“كنا صيادي سمك.
    أصبحنا أنا وأخوتي صيادي سمك في يناير عام 1996 حين انتقل والدي إلى خارج أكور، وهي قرية تقع غربي نيجيريا وقد عشنا فيها طوال عمرنا. نقله عمله في البنك المركزي النيجيري إلى فرع يقع في يولا – قرية تبعد عنا أكثر من ألف كيلومتر شمال البلاد – منذ الأسبوع الأول في نوفمبر الفائت. أتذكر الليلة التي عاد بها أبي حاملًا رسالة النقل. كان ذلك يوم الجمعة، ومنذ الجمعة مرورًا بالسبت كان والداي يتبادلان الاستشارات همسًا كما لو أنهما راهبين شرقيين. في صباح الأحد صارت أمي مخلوقًا آخر، إذ كانت تتحرك كفأر مبتل وتجول بعينيها في أرجاء المنزل. لم تذهب إلى الكنيسة، بقيت في المنزل وغسلت مجموعة من ملابس أبي وكوتها بينما يعتري الحزن وجهها. لم يقل أيٌّ منهما كلمة لنا ولم نطلب منهما ذلك في المقابل. فهمنا فيما بعد أنا وأخوتي – إكينا وبوجا وأوبيمبي – أننا قد نغرق المنزل حزنًا إذا ما سألنا بطيني البيت – أي أمي وأبي –، إذ كانا يكتمان الأمر مثلما يحبس بطينا القلب الدم. لذلك فقد تركنا التلفزيون في دولابه ذا شكل الرقم ثمانية في غرفة الجلوس خلال أوقات كهذه وذهبنا لغرفنا كي ندرس أو نتظاهر بالدراسة، ولم نسألهما عن أي شيء بينما كان القلق يغمرنا. حاولنا بما نستطيع لاحقًا أن نجمع أي معلومة عما يحدث.
    مع غسق السبت بانت بعض المعلومات من همهمات أمي كما يظهر زغب الفرخ: “أي عملٍ يحمل رجلًا على الابتعاد عن أبناءه بينما يشبون؟ حتى لو ولدت بسبع أيدي، فكيف سيمكنني الاعتناء بهؤلاء الأطفال لوحدي؟”
    على الرغم من أن تلك الأسئلة المحمومة لم تكن موجهة لأحد، فقد كان من الواضح أن أبي هو المعني بها. كان جالسًا على أريكة كبيرة في الصالة بينما تغطي صحيفته المفضلة «الغارديان» وجهه وهو يقرؤها ويستمع لأمي في نفس الوقت. ومع أنه قد سمع ما تقوله، إلا أن أبي كان يصم أذنيه عن أي كلام لا يوجه له مباشرة، أو ما كان يسميه بـ”الكلمات الجبانة”. كان سيكمل قراءته، وربما سيتوقف كي يحتفي أو يشجب شيئًا مما ورد في الصحيفة بجمل من نوع “واو، فيلا رجل عظيم! يا إلهي!” أو “يجب أن يُطرَد روبين أباتي”؛ كل ذلك لأجل أن يعطي انطباعًا بأن ندب أمي يتطاير في الهواء، وأن لا أحد يعير انتباهًا لنشيجها.”

chigozie-obioma-and-the-fishermen