حول الكتابة، والإلهام، والرفض – كارلوس رويز زافون

بين فترة وأخرى، تقوم جريدة “ذي غارديان” البريطانية المرموقة باستقطاب كتاب مشاهير حول العالم عبر دردشة مباشرة على الانترنت مع العديد من المعجبين في ما يخص كتبهم وحياتهم. وفي يونيو 2012، قامت باستضافة الكاتب الإسباني الشهير كارلوس رويز زافون، وقد صدرت له بالعربية حتى الآن روايتان هما “ظل الريح” و”لعبة الملاك” بترجمة الكبير معاوية عبد المجيد.

أترككم مع الحوار، مع ملاحظة أنني قمت بمحاكاة أسلوب الدردشة قدر ما يمكن دون الإخلال بترابط الجملة السليم باللغة العربية.

قراءة ممتعة!

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

كل كتبك عن قوة القصص. أين تكمن الجاذبية في تأليف كتب عن… الكتب؟

لا أظن جازمًا أنني أكتب عن الكتب، بل عن الناس والقصص واللغة والأفكار. صحيح أن الكتب في رباعية “مقبرة الكتب المنسية” مرتبطة بعالم القراء والكتاب وبائعي الكتب والناشرين وجميع الناس في فلك الأدب، لكنها تحاول الخوض في ثيمات الأدب الكلاسيكية، فهي تطمح لأن تكون عن الحياة. والكتب والأدب، أو الحكي، ليسوا سوى جزءٍ منها.

هل “مقبرة الكتب المنسية” مستلهمة من مبنى واقعي في برشلونة؟
كم تطلب الوقت منك كي تكتب “ظل الريح” منذ الفكرة الأولى وحتى “المخطوط” النهائي؟
علاقة الأب والابن في هذا الكتاب مميزة، هل لديك علاقة حميمية مع أبيك؟

ليس كذلك. فقد راودتني فكرة المقبرة أثناء عيشي في لوس أنجلوس. وقد كان إلهام كبير مستنبطًا من مكتبة كتب مستعملة في لونغ بيتش بولاية كاليفورنيا، وتدعى “أيكرز أوف بوكس – فدانات من الكتب”. لا أعتبر “مقبرة الكتب المنسية” بالنسبة لي استعارة للكتب فقط، بل للأفكار والجمال والمعرفة بالنسبة للناس ولعالم العقل وللذاكرة.. ولكل الأشياء التي تجعلنا بشرًا وتضفي المعنى؛ والكتب، بطريقة ما، رمز لكل ذلك في القصة.

يتطلب مني الأمر عادة سنتين لتأليف كتاب من هذا النوع، ولا يعد الـ”ظل” استثناء.

علاقتي بأبي ليست كعلاقة دانيال في الـ”ظل”. صحيح أن بعض آفاقها مشابهة، لكن أبي شخص مختلف تمامًا عن أبي دانيال، وأنا أميل لكاراكس من دانيال فعليًا. C’est la vie. (بالفرنسية: هذه هي الحياة. (المترجم))

ما هو الفرق بين كتابة روايات اليافعين والبالغين؟ أو، هل ثمّت فرق بينها أصلًا؟ وأيهما تفضل ولماذا؟
واضح أن في “مقبرة الكتب المنسية” رسالة رثاء في ما يخص الكتب. ما موقفك في نقاش الكتب ضد الكتب الإلكترونية؟
لماذا تكتب بالإسبانية عوضًا عن الإنجليزية؟ هل تمنحك تلك اللغة شيئًا لا تقدر الإنجليزية عليه؟ وإن كان ذلك صحيحًا، فما هو ذلك الأمر؟

لا أعتقد أن عملية الكتابة مختلفة جدًا بين كتب اليافعين والبالغين. فأنا أحاول الكتابة للناس الذي يحبون القراءة، ولا أقلق كثيرًا تجاه أعمارهم. فالعمر بالنسبة لقارئ خاصية نسبية للغاية. أحب كتابة الكتب للقراء الذين يحبون الأدب واللغة والحكي… ولا أطلب منهم بطاقة هوية كي أتفقد أعمارهم. وأود الاعتقاد بأنني، بطريقة ما، أكتب للقراء بجميع الأعمار.

ليس لدي نقاش أو أطروحة بشأن الكتب ضد الكتب الإلكترونية. فالكتب كتب، وليست المنصة التي توَزَّع من خلالها. أي سيمفونية لموزارت هي الموسيقى، ليست القرص المدمج أو الشريط أو ملف MP3  أو FLAC. بل الموسيقى. والأدب نفس الشيء تمامًا بالنسبة إلي. فهو مرتبط بالعمل الفني، باللغة، بالإبداع.

أكتب بالإسبانية لأنني إسباني. فقد ولدت في برشلونة، والإسبانية والكتالانية لغتيَّ الأم. أعتقد أن على كاتب السرد القصصي محاولة الكتابة باللغة التي تعلم القراءة والكتابة عبرها.  لأن هناك أمرًا مهمًا للغابة بشأن تلك الرابطة ولن ترغب بالعبث به. كل اللغات تمنح شيئًا وتأخذ آخر. فاللغات الرومانية كالإسبانية والإيطالية والفرنسية والكاتالانية والبرتغالية تملك – فيما أظن – مدى هائلًا من الدهاء والتفاصيل، بينما توفر الإنجليزية – مثلًا – الترابط والدقة. وآمل فقط أن أصير طليقًا في كل لغاتي.

أذكر لنا بعض ما تستلهمه دومًا ككاتب؟

أستلهم الحياة وتجربتي الشخصية وذكرياتي وما أراه بداخلي ومن حولي.. كما أني ملهم بالأدب، وبالموسيقى والجمال بشكل عام. أنا مغرم بالجمال، والكافيين يقوم بعمل جيد.

ما هي مكتبتك المفضلة حول العالم؟
هل هناك إلهام من الحياة الواقعية لـ“مقبرة الكتب المنسية”، مثل مكتبة مهجورة أو غرفة قراءة صغيرة مجهولة؟
إن استطعت إنقاذ كتاب واحد، فماذا سيكون؟

أحب مكتبات عديدة، وأحدها تدعى “أتينيو برشلونة”، نادٍ أدبي بعمر قرن في منطقة القرية القديمة. لكن أعطني مكتبة وستجدني منحازًا لها.

إن استطعت انقاذ كتاب… مممممممم. أظن أن الإجابة الصائبة سياسيًا هي كتاب كلاسيكي أو كتاب رائع نحبة جمعًا. وبما أن هذا العالم كبير وشرير بلا قلب والرب يحب الأشرار، سأدع توأمي الشرير يختار، وسيختار إنقاذ كتابٍ لي، بقدر ما لا يستحق ذلك الكتاب كما يبدو. الكتاب مثل ذلك، مواطنون محزنون.

هل هناك نصيحة لمؤلف جديد؟
هل تستمع إلى الموسيقى حين تكتب؟
أهناك هواية يمكنك الاعتراف بها؟

اكتب واكتب واكتب، ثم أعد الكتابة حتى الموت. اعمل بجد. تعلم حرفتك. لا تستسلم. ثابر. لا تكن متكبرًا أو حسودًا أو كارهًا بغل. اعمل بجد لأجل أهدافك، واكتب من قلبك، لكن تأكد أن تلك الكتابة مرت بدماغك قبل أن تصل إلى أصابعك. هل ذكرت عدم الاستسلام؟

الموسيقى أكثر ما أقدره في العالم، لذا علي أن أكون حذرًا إذا ما كتبت أثناء الاستماع، لأن عقلي يتجول في موسيقى الجوقات وأي موسيقى ذات وتر خفيض.  صحيح أنني أقوم بالاستماع إلى الموسيقى في بعض الأحيان، لكن بطريقة منضبطة بعمق.

هوايات يمكن الاعتراف بها؟ عزف الموسيقى وكتابتها، ومشاهدة سيرورة العالم، ومطاردة الجمال والمعرفة والتبطل المطلق.

ما هو الكتاب الذي ألهمك حين كنت شابًا؟
هل هناك كتاب بعينهم قد ألهموك كي تصير كاتبًا بنفسك؟
ما هو مشروعك القادم؟

لا أستطيع الإشارة الى كتاب ألهمني بعينه. أقول أنها كانت كل الكتب، وعالم القراءة، والأدب والحكي بشكل مجمل. والأمر ينطبق بذاته تجاه الكتاب، فهناك ما لا يحصى منهم.

أعمل الآن على الكتاب الرابع والنهائي في “مقبرة الكتب المنسية”. تمنّ لي الحظ!

هل لديك روتين للكتابة؟
كيف تعمل مع مترجمي رواياتك؟ هل هناك تصرفات تحريرية في الإصدارات المترجمة من كتبك؟

أعمل في مكتبي/استديوهي ساعات طوال، بمعدل خمسة أيام في الأسبوع، وستة أو سعبة في بعض الأحيان. أعيد الكتابة بقدر ما أكتبه وباستمرار. أتجول حول الغرفة، وأحدث نفسي. أتحرك من طاولة الكتاب إلى بيانو أملكه في المكتب. ألعن معوقاتي. أشرب الكافيين بكثرة. أفكر بمشوار مهني تجاه الرسم على الجدران… بعدها أعيد الكتابة مرارًا، فأعمل لمدة أشهر على النهاية حتى يقترب ما أملكه بأكثر قدر ممكن إلى ما حددت فعله.

أعمل مع بعض مترجمي بقرب، وفي بعض الأحيان أقوم بعدة تصرفات تجاه الترجمات عبر إعادة كتابة بعض الأجزاء والتأكد أن ما ستقرؤونه قريب بقدر المستطاع إلى النسخة الأصل. وفي أحيان أخرى أتركهم كي يذودوا عن أنفسهم ولتفترسهم الوحوش. هكذا أعمل.

كمؤلف أدب يافعين شاب ذي ملف مليء برسائل رفض المخطوطات، كنت أتساءل عن عدد ما تلقيتَ منها قبل أن تصل إلى كل من الوكيل المهم وصفقة النشر، وهل أحسست بالهزيمة؟

نشرت كتابي الأول قبل أكثر من عشرين عامًا، لكن صحيح أن أعمالي قد رُفضت كثيرًا، وكل الكتاب يتلقون ذلك. فلا تكن منهزمًا منهم، وواصل العمل. أكمل التعلم ولا تستسلم أبدًا، فالكتاب يكتبون مهما حدث. وصحيح أنك تشعر بالهزيمة، لكن ليس إذا كنت كاتبًا، لأن الكتاب يكتبون، أما النشر فمسألة مختلفة. ابق قويًا، وكن صريحًا تجاه نفسك واعمل بجد، وسيعثر عليك العالم فيما بعد.

كيف ترى انتقالك إلى لوس أنجلوس؟ هل يوفر ذلك منظورًا آخر تجاه كتابتك؟

انتقلت إلى لوس أنجلوس في عام 1994، وعشت هناك لحوالي عشر سنوات. أظن أن مغادرة الموطن والذهاب إلى بلد آخر تعلمك الكثير، وليس أقل ما تعلمك عن نفسك. أرى أن ذلك كان أمرًا جيدًا قمت به. والآن أمضي وقتًا مساويًا في لوس أنجلوس بقدره في برشلونة أو حول أوروبا. وأنا متأكد من أن لوس أنجلوس قد منحتني منظورًا مختلفًا تجاه كتابتي، وذلك يتطور رغمًا عن أي شيء مع الوقت بغض النظر عن المكان على ما أعتقد. لربما غيرني العيش بها كإنسان بشكل عام، مما يعني تغيري ككاتب حتمًا. لكني الآن أتساءل عن مصيري لو بقيت في برشلونة أو انتقلت إلى طوكيو أو باريس… إنها أكوان مختلفة.

Advertisements

«متعة المشيب (بلا مزاح)»  – أوليفر ساكس

dsc0788-2-low-res

6 يوليو 2013

ترجمة: راضي النماصي

 

حلمتُ البارحة بالزئبق على هيئة قطرات هائلة تصعد وتهبط. الزئبق هو العنصر الثمانون <في الجدول الدوري>، وقد كان حلمي مجرد تذكيرٍ بأنني سأبلغ الثمانين يوم الثلاثاء.

لطالما اختلطت العناصر وأعياد الميلاد بالنسبة لي منذ الصبا، ففي الحادية عشر من عمري كنت أقول “أنا صوديوم” (الصوديوم هو العنصر 11)، والآن أنا ذهبٌ في التاسعة والسبعين. قبل بضع سنوات، حين أعطيت أحد الأصدقاء قنينة من الزئبق في عيد ميلاده الثمانين – وكانت قنينة مميزة بحيث لا تسرّب أو تتكسر –، رمقني بنظرة غريبة، لكنه أرسل رسالة ساحرة فيما بعد، وقد كتب فيها نكتة “آخذ قليلًا منها كل صباح لأجل صحتي”.

إنها ثمانون عامًا! أكاد لا أصدق ذلك. أحس أحسانًا أن الحياة تتعلق بابتداءها، ثم الإحساس بها قرب النهاية فقط. كانت أمي الطفلة السادسة عشر من ثمانية عشر ابنًا وابنة، وأنا كنت أصغر أبناءها الأربعة وأكاد أكون الأصغر بين أبناء الخؤولة الكثر من جهتها، كما كنت أصغر ولد في صفي خلال المرحلة الثانوية. وقد استعدت هذا الشعور بكوني الأصغر عمرًا، حتى وإن كنت أشيب من أعرف الآن.

ظننت أنني سأموت في الحادية والأربعين حين مررت بفصل خريفٍ سيء وكسرت أحد ساقي أثناء تسلق الجبال وحيدًا. ضمدت تلك الساق بأفضل ما يمكن ثم بدأت أدفع نفسي بحمق باستخدام ذراعيّ نحو أسفل الجبل. في الساعات التي تلت ذلك، ساورتني الذكريات بخيرها وشرها، وكان أغلبها مشوبًا بالامتنان تحديدًا لما منحني الآخرون، وكذلك لأني صرت قادرًا على منح شيء بالمقابل؛ فقد نُشِرَ كتاب «يقظات»[1] قبل ذلك بعام.

أشعر وأنا في الثمانين تقريبًا – مع قليل من الاعتلالات الطبية والجراحية دون أن تعيقني أي منها – بالسعادة لأني حي، حتى أن جملة من نوع “أنا سعيد لأنني لست ميتًا” تخرج عفويًا حين يكون الجو مثاليًا. (وهذا ما يناقض قصة سمعتها من صديق حين كان يتمشى مع سامويل بيكيت[2] في باريس خلال صباح ربيعي مثالي، فقال له “ألا يجعلك نهار كهذا سعيدًا لأنك حي؟” فأجابه بيكيت “لن أذهب بأحاسيسي بعيدًا إلى حيث تقول”). أنا ممتن لكوني خضت عدة تجارب – بعضها رائع والآخر فظيع – وقدرت على كتابة دزينة من الكتب، واستقبال رسائل بلا عدّ من أصدقاء وزملاء وقراء، والاستمتاع بما سمّاه ناثانيال هاوثورن “معاشرة العالم”.

وأنا نادم على أنني ضيعت (وما زلت أضيع) الكثير من الوقت، وعلى أنني ما زلت خجولًا بقدر ممض في الثمانين مثلما كنت في العشرين، وأنني لا أتحدث أي لغة أخرى سوى لغتي الأم، ولم أرتحل أو أجرب الانخراط بوسع في ثقافات أخرى بقدر ما كان عليّ ذلك.

أشعر بأن علي محاولة إتمام حياتي، مهما كان يعني “إتمام الحياة”. فبعض مرضاي ممن تخطوا التسعينات من أعمارهم ومن تعدى المئة يقولون ما يشبه صلاة سمعان في إنجيل لوقا[3] عبر جمل من نوع “لقد عشت حياة كاملة، والآن أنا مستعد للرحيل”. بالنسبة لبعضهم، ذلك يعني الرحيل إلى الجنة – ولطالما كانت ]الوجهة[ الجنة بدلًا عن الجحيم، رغم أن سامويل جونسون[4] وجيمس بوزويل[5] ارتجفا حين التفكير في الذهاب إلى الجحيم وغضبا من ديفيد هيوم[6] الذي عاش هانئًا بلا معتقدات كهذه؛ فأنا لا أؤمن بوجودٍ لما بعد الموت إلا في ذكريات الأصدقاء، وأمل بأن بعض كتبي ستبقى “ناطقة” للناس بعد مماتي.

غالبًا ما كان يحدثني و. هـ. أودن[7] عن ظنه أنه سيعيش إلى الثمانين ثم “يرحل” (وقد عاش حتى السابعة والستين فقط). وعلى الرغم من أنه مات منذ أربعين سنة، إلا أنني أحلم به كل فترة، وبوالديّ ومرضى قدامى قد ذهبوا كلهم، لكنهم ما زالوا محبوبين ومهمين في حياتي.

في الثمانين، يلوح طيف الجلطة أو الخرف، كما أن ثلث من يعرفهم المرء قد ماتوا – وغيرهم الكثير – إثر إصابة جسدية أو عقلية عميقة، ليحاصروا <بعد ذلك> في حيز مأساوي وضيق. كما تصبح أمارات الرحيل بيّنة للغاية، وانفعالات المرء أبطأ بقليل، والأسماء في الغالب أكثر تملصًا، وعلى طاقاته أن تصير مقتصَدة أكثر. لكن برغم ذلك، قد يحس المرء أحيانًا بأنه ممتلئ بالنشاط والحياة وليس “عجوزًا” بالمرة. لربما أكمل بالحظ سنوات أكثر – بحال سليمة أكثر أو أقل – وسأوهب حرية استمرار المحبة والعمل، أهم شيئين في الحياة، كما يصر <سيغموند> فرويد.

وحين يزف أجلي، أرجو أن أموت أثناء عملي كما فعل فرانسيس كريك[8]. فحين قيل له أن سرطان القولون عاد، رد على ذلك بصمت مطبق، فقد نظر ببساطة إلى المدى لمدة دقيقة ثم استمر بقطار أفكاره. ولما ضُغِطَ بسبب التشخيص عقب أسابيع، قال “ما كان لشيءٍ بداية إلا وله نهاية”. وحين مات في الثامنة والثمانين من عمره، كان ما يزال مندمجًا بالكامل في أقصى أعماله إبداعًا.

كان أبي – الذي عمّر حتى الرابعة والتسعين – يقول على الدوام إن الثمانينات كانت أحد أكثر عقود عمره متعة، إذ لم يشعر بضيق حياته العقلية وتصوراته، بل بتوسعها؛ مثلما بدأت أحس تجاه نفسي. فالمرء لا يخوض تجربة الحياة الطويلة عبر معيشته فقط، لكن مع حيوات الآخرين أيضًا. وقد رأى أفراحًا ومآسي، وانفجارات وعدة إعلانات إفلاس، وثورات وحروب، وإنجازات عظيمة وشكوكًا عميقة كذلك. كما شهد صعود نظريات كبرى حتى انهيارها بفعل حقائق لا تتزحزح، وصار أكثر وعيًا بسرعة زوال الأشياء وربما بالجمال أيضًا. في الثمانين، يمكن للمرء أن يتّخذ مطلًا عاليًا فيمتلك حسًا حيًا وأبهج بالتاريخ لم يقدر على امتلاكه في عمر أقل. أستطيع أن أتخيل ما يبدو عليه قرن من الزمان شاعرًا به في عظامي، وهذا ما لم أقدر عليه حين كان عمري 40 و60 عامًا. لا أفكر بالمشيب على أنه مرحلة أمر وتتطلب من المرء أن يتحملها بشكل ما ويجني أفضل ما بها، بل كمرحلة من الدعة والاستقلال، متحررًا من صدوف الأيام الأُوَل، وأيضًا لأجل استكشاف ما أود، ولربط أفكار ومشاعر حياة كاملة معًا.

أتطلع قدمًا لبلوغ الثمانين.

[1]  أحد أشهر كتب أوليفر ساكس. جمع فيه بين المذكرات والطب النفسي، وقد تحول إلى فيلم شهير من بطولة روبن ويليامز وروبرت دي نيرو.

[2]  كاتب إيرلندي (1906-1989)، وأحد أشهر أدباء العدمية في الأدب الأوروبي. أشهر مؤلفاته “في انتظار غودو”.

[3]  وردت كمصطلح واحد nunc dimittis ولم أستطع العثور على مقابل معجمي باللغة العربية. لكن المقصود هو صلاة سمعان الواردة في الآيات 29 إلى 32 من الإصحاح الثاني في إنجيل لوقا («الآنَ تُطْلِقُ عَبْدَكَ يَا سَيِّدُ حَسَبَ قَوْلِكَ بِسَلاَمٍ، ** لأَنَّ عَيْنَيَّ قَدْ أَبْصَرَتَا خَلاَصَكَ، ** الَّذِي أَعْدَدْتَهُ قُدَّامَ وَجْهِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. ** نُورَ إِعْلاَنٍ لِلأُمَمِ، وَمَجْدًا لِشَعْبِكَ إِسْرَائِيلَ».)

[4]  كاتب إنجليزي (1709-1784)، وأحد أهم رمز الأدب الإنجليزي.

[5]  محامي وكاتب سير ومؤرخ إنجليزي (1740-1795)، وكان صديقًا عزيزًا لدى سامويل جونسون وكتب سيرة حياته، التي تعد أحد أهم كتب الأدب باللغة الإنجليزية.

[6]  فيلسوف اسكتلندي (1711-1766).

[7]  شاعر إنجليزي أمريكي كبير (1907-1973)

[8]  باحث كيمياء حيوية بريطاني (1916-2004)

«طين» – جيفري فورسيث

من مجموعة «في أرض الأحرار» (2008)

ترجمة: راضي النماصي

وجدت جدتي هذا الصباح جالسةً قرب طاولة المطبخ. كانت ميّتة منذ حوالي خمس سنوات، لكن ها هي الآن تجلس في مقعد زوجتي القديم مغطّاة بالطين. كدت ألّا أتعرف عليها لأن الطين قد ملّس شعرها وغمّق لون بشرتها الشاحبة كما ألفناه. قالت أنه لم يكن من السهل حفر طريقها إلى خارج القبر وقد تطلب ذلك أغلب الليل، وهل سأقوم بعرض كأس من عصير الطماطم عليها – على الأقل –؟

قلتُ: ” لا أفهم. أأنتِ هنا؟”

  • “هل سأضطر إلى طلب ذلك العصير مرتين؟”

كان أكثر ما يكدر جدتي حين كانت حية هو اضطرارها لطلب أي شيء مرتين، فسكبت لها مقدارًا من العصير.

  • “جدتي، أكره أن أقول هذا، لكن اليوم ليس يومًا مناسبًا. فعلي أن أكون في المكتب مبكرًا لاجتماع، أي في الثامنة تمامًا. فالناس هناك يعتمدون علي.”

حدقت فيّ كما لو أن ربطة العنق التي أرتديها سيئة كليًا.

  • “عليّ التزامات ومسؤوليات لا أستطيع التنصّل منها. إنه يوم مهم، ويحتاجونني هناك.”

ثم كانت تلك اللحظة التي سمعت فيها صوت التلفزيون في الصالة. فسألت:

  • “من الذي يشاهد التلفاز؟”
  • “أبوك.”
  • “هل هو هنا أيضًا؟”، ثم خرجت إلى الصالة ووجدته جالسًا على الأريكة وقد غمر الطين وجهه وذراعيه وشعره بالكامل.
  • “أبي؟ ماذا تفعل هنا؟”
  • “أهناك طريقة ما لتحية أبيك؟”، ثم التفت إلى جدتي وقال: “لم يرني منذ سبعة أعوام، وهكذا يحييني؟”
  • “إنك تغطي جهاز التحكم الخاص به بالطين يا عزيزي.”

حدق تجاه أمه ونظر إلى الأعلى تبرمًا.

  • “اعذرني يا أبي، لكن المفروض أنك ميت.”

أعطاني جهاز التحكم الخاص بي والطين فوق كل أزراره. أخذته بعيدًا عن بذلتي لئلّا أتسخ. فقال:

  • “لا شيء في التلفاز للمشاهدة.”

حين كان أبي حيًا، كان يحب مشاهدة التلفزيون. كان يشاهده لساعتين قبل أن يذهب إلى عمله في شركة الهاتف، ثم خمس ساعات حين يعود إلى المنزل؛ وكان برنامجه المفضل هو ” All In The Family “، كان يحب ذلك البرنامج جدًا. وقد أصابتني رؤيته هناك أمام التلفاز منكفئًا ويداه مرتخيتان مبسوطتان على بطنه بأمضى ما يمكن.

قلت لأبي: “أريد أن أعانقك، لكن لدي اجتماع وعليّ الوصول إليه. لا أستطيع التأخر.”

فردّ: “تبدو أنيقًا يا صبي.”. أنستني الطريقة التي قال بها “صبي” العمل لوهلة، فقد نسيت تلك الكلمة. ثم أكمل: “فعلًا يا صبي، تبدو وكأنك من أصحاب الملايين.”

  • “أتظن ذلك؟”

أومأ كل منهما بالإيجاب.

  • “كنت سأعانقكما يا جماعة، لكن لا أريد توسيخ سترتي كما تعلمان..؟”

قالت جدتي: “لا تنشغل بشأن ذلك.”

  • “أنا منشغل بذلك. فلم أعانقك مودعًا من قبل يا جَدة.”
  • “لقد كنت في كليفلاند.”
  • “وإن يكن، أتمنى لو أني ودعتك وداعًا لائقًا.”
  • “لا بأس.”
  • “لا، ليس كذلك.”

ثم مددت ذراعيّ ومشيت نحوها، لكنها تراجعت فورًا. فقال أبي:

  • “من الأفضل ألّا تفعل يا صبي؛ ستتسخ.”
  • “لا أهتم.”

التفت نحوه وحاولت أن أرتمي بذراعيّ حول عنقه الطيني، لكنه تراجع عني أيضًا وقال:

  • “لديك يوم مهم أمامك، يوم مهم حقًا.”

رن الهاتف. كان المتصل مديري ويذكرني بألّا أنسى التقارير. بدا صوته متوترًا. سألته إذا كان علي جلب أي شيء غير التقارير، فرد أن علي تحضير رأيي السديد وحدسي ومزاجي المناسب ثم أقفل السماعة.

بينما كنت على الهاتف، انتقل أبي وجدتي إلى الأريكة تاركيم أثرًا من الطين على كل السجادة والأثاث. وقد أضناني النظر إليه وهو يتكوم عند قدميهما.

قلت: “لا أستطيع فعل ذلك، ليس الآن.”، ولم أعرف ما الذي لا أستطيع فعله. فردّ أبي:

  • “بلى تستطيع، تقدر على فعل ذلك.”

رفع ذراعه وكأنه يقصد أن يحييني بكفّه، لكنه تذكر الطين حينها وطوى ذراعه عند خصره.

جمعت كل التقارير التي كانت متراكمة على طاولة غرفة الطعام ووضعتها بأناقة في شنطتي ثم أغلقتها بإحكام، وخاطبتهما مناديًا:

“أنا آسف للغاية، إذ عليَّ المغادرة. أتمنى لو أنني لست مضطرًا. لكن يجب الذهاب الآن.”

ردت جدتي: “نحن نتفهم ذلك، لا تقلق يا عزيزي.”

  • “لا أستطيع التوقف عن ذلك. إني أقلق دائمًا. دائمًا. دائمًا.”

ظهر صوت جديد من غرفة المطالعة: “خذ نفسًا عميقًا.”

وكانت زوجتي. ماتت قبل عامين بسبب السرطان، لكنّي سمعت صوتها الآن من غرفة المطالعة، فتجمدت، ثم وضعت حقيبتي على صدري ضامًّا ذراعي حولها.

قلت: “عزيزتي، هل هذا أنتِ؟”

ردت: ” بكل تأكيد.”

  • “لا أعلم كيف أقول لك ذلك، لكن علي أن أغادر.”
  • “أعلم ذلك، فلديك يوم مهم.”

حظيت اللحظة التالية بصمت ثقيل.

قلت أخيرًا: “لن آتي عندك إلى هناك.”

قالت: “أعلم.”

ضاق صدري. أردت أن أركض إلى غرفة المطالعة وأرتمي بذراعي حولها وأقبل فمها وأخبرها عن قدر ما لم أتحمله جراء غيابها، لكني تأكدت من أنني إذا ذهبت هناك فستكون مغطاة بالطين أيضًا وكانت لدي حياتي لأفكر بها، تلك الحياة التي كانت ستبدأ في أي دقيقة بدوني.

عدت إلى الصالة ووقفت أمام أبي الميت وجدتي بينما لا تزال الحقيبة مضمومة إلى صدري، فصارت مثل تلك الوسائد المربعة التي يمكن استخدامها أيضًا كوسيلة طفو. وعلى الرغم من أني ما زلت واقفًا، إلا أنني شعرت بأن رجلاي تهتزان. قلت:

  • “أروني طريق الخروج من هنا.”

قام أبي واقترب إلى ما دون إنشات مني متأكدًا ألا يلمس طينه أكمام معطفي، ثم مال بأنفاسه ذات رائحة الأرض الندية وقال: “أعتذر لأننا أحضرناها هنا، فلم يكن من المفترض أن تقول أي شيء. كان هذا الاتفاق. كان عليها أن تستمع ولا تقول شيئًا.”

رددت قائلًا: “لا بأس. أنا سعيد لأنها أتت. أكره الخروج هكذا فقط.”

فأومأ وقال: “اتبعني.”

تبعته إلى الباب الأمامي منحنيًا حذر الطين كي لا أتسخ. فقد استعملت الليلة الماضية نصف علبة من مسحوق “كيوي” الأسود على حذائيّ بعد إنهاء آخر تقاريري، ولمعتهما حتى خلت أنني أستطيع رؤية نفسي في الجلد.  لا أعلم لماذا حدث ذلك، ولكن فكرة استعمال خردة سوداء على حذائيّ ليبدو أفضل قد ضايقتني. فقد جعلتني أفكر: هل ينظف أي شيء فعلًا؟

فتح أبي الباب. لا بد أن هناك كِسَرَ ميكا في الطين، لأن ساقيه لمعتا ما إن دخل شعاع الشمس الغرفة. فكرت للحظة أنه بوقوفه هناك محاطًا بالباب قد قصد منه أن يستخدم جسده ليمنعني من الذهاب إلى الخارج حيث سمعت الطيور والسيارات العابرة وصوت مطرقة ما كل عدة ثواني وهي تتردد في جوف مرأب أحدهم الفارغ، لكنه تنحى في تلك اللحظة جانبًا؛ ونظرت إلى الخلف باتجاه غرفة المطالعة متسائلًا عمّا إذا كان عليّ الذهاب هناك، إذا ما كنت حكيمًا بالذهاب هناك في أهم يوم بحياتي. أصخيت السمع تجاهها لكن كل ما سمعته هو صمتها، وقد وهبني أشد صداع وكأن شخصًا ما يطرق مسمارًا في مؤخرة رأسي. كنت سأذهب إليها إذا ما تكلمت مرة أخرى، لكن من حسن حظي – على ما أعتقد – أنها لم تفعل، وما سمعته بدلًا عنها هو مطرقة جاري وهي تدعوني للخروج.

 

geoffreyforsyth-250x324

“البرتقالة” – بنجامين روزنباوم

    حكمتْ برتقالةٌ العالمَ.

    لم يكن التنازل المؤقت عن حكم المنطقة الربانية، وإسناد الأمر برمته إلى برتقالة بسيطة أمرًا متوقعًا.

    قبلت البرتقالة القابعة في بستانٍ بفلوريدا هذا الشرف بتواضع، وبكت البرتقالات الأخرى والطيور والرجال في جرافاتهم فرحًا، أما محركات الجرافات فقد هدرت بأناشيد الثناء.

    كان الطيارون العابرون يستديرون حول البستان ويخاطبون الركاب: “هنا في الأسفل يوجد البستان حيث البرتقالة التي تحكم العالم وهي تنمو على فرع بسيط.”، فيغرق الركاب في الصمت إجلالًا.

    أعلن حاكم فلوريدا أن كل يوم عطلة، وفي أصائل الصيف كان الدالاي لاما يأتي إلى البستان ويجلس مع البرتقالة ويتحدثان حول الحياة.

    وحين أزف الوقت كي تُقطف البرتقالة، لم يجرؤ أحد من العمال على ذلك، فقاموا بإضراب؛ أما المشرف فبكى، وأقسمت بقية البرتقالات أنها ستكون مرة؛ لكن البرتقالة التي حكمت العالم قالت: “لا يا أصدقائي، إنه الوقت.”

    أُحضر في النهاية رجل من شيكاغو بقلب بارد وعاتٍ مثل بحيرة مِتشغن في الشتاء. وضع حقيبته أرضًا، وتسلق سلمًا، ثم قطف البرتقالة. كانت الطيور صامتة وانقشعت الغيوم من السماء. شكرت البرتقالةُ الرجلَ الشيكاغوي.

   يقولون أنه حين مرت البرتقالة بنظام الإنتاج والتوزيع الوطني، صارت بعض الآلات من ذهب، وحدثت تجليات لسائقي الشاحنات، ونادى مدراء المخازن القرويون بناتهم السحاقيات في وول ستريت وكلٌ قد غفر له.

    اشتريت البرتقالة التي حكمت العالم مقابل 39 سنتًا من متجر “سيفوَي” قبل ثلاثة أيام، وجلست في سلة الفواكه خاصتي لمدة ثلاثة أيام وهي تعلمني، ثم قالت لي اليوم: “لقد حل الوقت”، وأكلتها.

    ها نحن الآن وحدنا مجددًا.


ترجمة: راضي النماصي

22489683_1088283607969650_6260951430111871016_n

 

 

«الدرب الطويل إلى الخارج» – ف. سكوت فيتزجيرالد

«الدرب الطويل إلى الخارج» – ف. سكوت فيتزجيرالد (1896-1940)

ترجمة: راضي النماصي

 fitzreading

     كنا نتحدث حول بعض أقدم القلاع في تورين[1] وانتقلنا في الكلام إلى السجن الحديدي الذي وضع لويس الحادي عشر فيه الكاردينال لا بلو مدة ست سنوات، ثم تحدثنا عن الدياميس[2] وفظاعات أخرى مشابهة لها؛ وقد رأيت العديد من تلك الأخيرة، كانت محض آبار جافة بعمق ثلاثين أو أربعين قدمًا يرمى بها الإنسان لينتظر العدم. وبما أن بي رهاب الأماكن المغلقة إلى حد اعتبار سرير اليخت ذي الطابقين كابوسًا بلا شك، فقد خلّفت فيّ الدياميس انطباعًا لا يزول. لذا حين حكى طبيب هذه القصة كنا في تفريج بالأحرى – وكانت كذلك فعلًا حين بدأها لأنها بدت بلا علاقة مع العذابات الماضية منذ زمن بعيد.

     كانت هناك امرأة شابة تدعى السيدة كنغ وسعيدة للغاية مع زوجها، وكانا ميسوري الحال وعاشقين لبعضهما، لكن مع ميلاد طفلها الثاني دخلت في غيبوبة طويلة ثم انتابتها حالة خطيرة من الشيزوفرينيا أو “انفصام الشخصية”. كان توهمها، والذي ارتبط بشكل ما بإعلان استقلال البلاد، يشكل عبئًا خفيفا على الحالة، وبدأ يزول ما إن استعادت عافيتها. بنهاية الشعر العاشر كانت في النقاهة وتتذكر بصعوبة ما حدث لها، وتوّاقة جدًا للعودة إلى العالم.

     كانت في الحادية والعشرين فقط من عمرها وصبيانية الطباع بشكل محبب، وإحدى المفضلات لدى طاقم المصحة. حين صارت سليمة بما يكفي لتقوم برحلة تجريبية مع زوجها كان هناك اهتمام يعم المبنى. فقد ذهبت ممرضة مع زوجها إلى فيلادلفيا لتشتري فستانًا لها، أما الأخرى فعلمت بأمر صبابتها الرومانسية في المكسيك، وقد رأى الجميع طفليها خلال زيارات إلى المستشفى. كانت الرحلة إلى شاطئ ولاية فرجينيا لمدة خمسة أيام.

     كان من المفرح مشاهدتها وهي تتجهز وتلبس وتعد حقيبتها بدقة متناهية وتعيش التفاهات الغريبة كتموجات الشعر وغيرها. جهزت قبل نصف ساعة من موعد الرحيل وقد قامت ببعض الزيارات في الطابق الأرضي بثوبها المنقّط بالأزرق وقبعتها في مظهرٍ يشي بأنّها جلست دقيقة تحت مطر أبريل. أما وجهها الهزيل الرائع، فقد اعتراه شيء فقط من ذلك الحزن المفاجئ الذي يبطء بعد المرض ويزول بالترقب.

     قالت: “لن نفعل شيئًا، وهذا ما أوده؛ مجرد الاستيقاظ حينما أريد لثلاث صباحات متتالية والسهر في لياليها، وشراء رداء حمّام لي وطلب وجبة.”

     حين حل الوقت قررت السيدة كنغ الانتظار في الأسفل بدلًا عن غرفتها، وبينما تمر في الردهات مع خادمٍ يحمل حقيبتها لوحت للمرضى الآخرين وهي تشعر بالأسف لأنهم لن يذهبوا أيضًا في عطلة رائعة. تمنى لها المشرف خيرًا، ووجدت ممرضتان أعذارًا كي تبقيا وتشاركاها فرحتها المعدية.

  • “يا للاسمرار الجميل الذي ستحظين به يا سيدة كنغ.”
  • “استقري وأرسلي بطاقة بريدية.”

     في الوقت الذي غادرت به الغرفة، صدمت شاحنةٌ سيارةَ زوجها وهو في طريقه من المدينة، فأصيب بنزيف باطني ولم يتوَقَّع أن يعيش أكثر من بضع ساعات. وصل الخبر إلى المستشفى في غرفة زجاجية قرب القاعة التي كانت السيدة كنغ تنتظر فيها، وطلب المشغّل بينما يرى السيدة كنغ وهو يعلم أن الزجاج ليس كاتمًا للصوت أن تأتي رئيسة الممرضات بسرعة، فأسرعت مرتاعة إلى طبيب وقرر الطبيب ما عليهم فعله، ما دام بقي الزوج حيًا فمن الأفضل ألا نخبرها بشيء، لكن يجب أن تعلم بالتأكيد أن زوجها لن يأتي اليوم.

     خاب ظن السيدة كنغ كثيرًا، بيد أنها قالت:

  • “أظن أن من السخيف أن أشعر هكذا، فما الذي يعنيه مجرد يوم واحد بعد كل هذه الشهور؟ قال أنه سيأتي غدًا، أليس كذلك؟”

     كانت الممرضة تخوض وقتًا شاقًا لكنها تدبرت أمرها حتى عادت المريضة إلى غرفتها، ثم عينوا ممرضة أخرى أكثر خبرة وبرودًا كي تبعد السيدة كنغ عن المرضى الآخرين والجرائد، ففي اليوم التالي سيُقرر ما بشأن هذا الأمر.

     لكن زوجها بقي مغمى عليه فاستمروا بالمراوغة في كلامهم. عند ظهيرة اليوم التالي كانت إحدى الممرضات تعبر الردهة حين قابلت السيدة كنغ مرتديةً ملابسها مثل البارحة، لكنها تحمل حقيبتها هذه المرة، فشرحت لها قائلة:

  • “سأقابل زوجي. لم يستطع القدوم البارحة، لكنه سيأتي اليوم في نفس الساعة.”

     مشت الممرضة معها. كانت السيدة كنغ حرة ضمن حدود المبنى وكان من الصعب أن تُعاد ببساطة إلى غرفتها، ولم ترِدِ الممرضة حكي قصة تتعارض مع ما أخبرتها به الإدارة. حين وصلوا إلى قاعة الاستقبال أشارت الممرضة إلى عامل الهاتف الذي فهمها لحسن الحظ. تأملت السيدة كنغ شكلها آخر مرة وقالت:

  • “أود لو أن لي ست قبعات مثل هذه كي تذكرني بأن أكون سعيدة هكذا دومًا.”

     حين قدمت مشرفة التمريض عابسة بعد دقيقة، سألت:

  • “لا تقولي لي أن جورج قد أجل القدوم مرة أخرى؟”
  • “أخشى أنه قد فعل. ليس هناك شيء لنفعله، لكن تحلّي بالصبر.”

     ضحكت بحسرة ثم أردفت: “أردت منه رؤية ملبسي حين كان جديدًا بالتمام.”

  • “لماذا تقولين ذلك؟ فلا توجد تجعيدة واحدة فيه.”
  • “أظن أنه سيبقى هكذا حتى الغد. يجب ألا أكون حزينة إذا ما انتظررررت يومًا إضافيًا حينما أكون سعيدة للغاية.”
  • “بالتأكيد كلا.”

     في تلك الليلة توفي زوجها وفي اجتماع الأطباء صباح اليوم التالي كان هنالك نقاش حول ما يجب فعله، فقد كان إعلامها مخاطرة وكتم الخبر عنها مخاطرة أيضًا. تَقَرَّر القول بأن السيد كنغ قد استدعى إلى مكان ما بعيد وبهذا ينقضي أي أمل لها بلقاء قريب، وحين ترضى بذلك سيقدرون على إخبارها بالحقيقة.

     وبينما خرج الأطباء من الاجتماع توقف أحدهم وأشار بيده، إذ كانت السيدة كنغ في آخر الردهة متجهة إلى القاعة الخارجية.

     حبس الدكتور بيري أنفاسه، وكان المكلف خصيصًا بالعناية بالسيدة كنغ. ثم قال:

  • “هذا أمر فظيع. أظن أن من الأفضل إخبارها الآن. ما من فائدة في قول أنه بعيد في حين أنها تسمع محادثة منه كل أسبوعين، وإن قلنا أنه مريض فسترغب بزيارته. هل من أحد آخر يحب هذه الوظيفة؟”

 

II

     في مساء ذلك الاجتماع، ذهب أحد الأطباء المشاركين في إجازة تمتد أسبوعين. وفي يوم عودته خلال نفس الساعة في نفس الممر توقف أمام مشهد حشد صغير متجه نحوه، وكان يتألف من خادم يحمل حقيبة وممرضة بالإضافة إلى السيدة كنغ وهي مرتدية فستانها المنقط بالأزرق وقبعتها الربيعية.

     قالت: “صباح الخير يا دكتور. سأقابل زوجي وسنذهب إلى شاطئ فرجينيا. أنا ذاهبة إلى القاعة لأني لا أريد أن أبقيه منتظرًا.”

     نظر الطبيب إلى وجهها الصافي والسعيد مثل وجه طفلة، وأشارت له الممرضة إن ما يجري قد طُلب منها، لذا فقد انحنى فقط وتحدث معها عن الجو البديع. فقالت السيدة كنغ:

  • “إنه يوم جميل. لكن حتى ولو كان ماطرًا فسيبقى جميلًا في نظري.”

     نظر الطبيب إلى ما وراءها حائرًا ومنزعجًا، وخطر في باله “لم يتركون ذلك مستمرًا، أي خير يرجى منه؟

     وحين قابل الدكتور بيري رمى ما في باله قولًا، فأجاب:

  • “حاولنا أن نخبرها، لكنها ضحكت وقالت أننا كنا نحاول التأكد مما إذا لا زالت مريضة. يمكنك أن تستخدم كلمة “لا يطرأ” هنا، فموته لا يطرأ على بالها إطلاقًا.”
  • “لكن لا تستطيعون الاستمرار هكذا.”
  • “كلامك صحيح نظريًا. لكن قبل عدة أيام حاولت الممرضة أن تمنعها من الذهاب وقد حزمت حقيبتها، ومن خارج الغرفة في القاعة استطعت رؤية وجهها بينما تتداعى لأول مرة – ولتتذكر ذلك -، كانت عضلاتها مشدودة وعيناها تبرقان وصوتها مجلجلًا حين سمّت الممرضة “كاذبة” بكل أدب. كان الأمر غير مضمون لدقيقة فيما لو كانت لدينا مريضة طيّعة أو حالة مستعصية، فتقدمْتُ وأمرت الممرضة بأن تأخذها إلى الأسفل نحو غرفة الاستقبال.

     توقف الطبيب عن الحديث ما إن ظهر الحشد العابر مرة أخرى وهو يتوجه عائدًا إلى العنبر. وقفت السيدة كنغ وتحدثت للدكتور بيري:

  • “لقد تأخر زوجي ثانية، وأنا بالطبع خائبة الظن، لكنهم يقولون لي بأنه سيأتي غدًا وبعد الانتظار ليوم طويل كامل لا يبدو بذات الأهمية. ألا تتفق معي أيها الطبيب؟”
  • “بالتأكيد يا سيدة كنغ.”

     نزعت القبعة وأردفت:

  • “عليّ أن أضع هذه الملابس جانبًا، فأنا أريدها أن تكون جديدة في الغد كما هي اليوم.”، ثم نظرت إلى القبعة بتمعن وقالت: “هناك بقعة غبار عليها، لكني أظن أنني أستطيع إزالتها، وربما لن يلاحظها.”
  • “أنا متأكد بأنه لن يفعل.”
  • “لا أمانع صدقًا الانتظار ليوم آخر. سيكون الموعد غدًا في نفس هذا الوقت، أليس كذلك؟”

     وحين غادرت بما يكفي، قال الطبيب الشاب:

  • “ما زال هناك الطفلان.”
  • “لا أظن أن الطفلين سيهمّانها، فحين “انتكست” ربطت هذه الرحلة بفكرة التشافي. إن نزعناها فستنهار حالتها إلى الأسوأ ونبدأ العلاج من جديد.”
  • “هل يمكن أن يحدث ذلك؟”
  • “ما من علامة منذرة، فأنا أشرح ببساطة لمَ سُمِحَ لها بالذهاب إلى القاعة هذا الصباح.”
  • “لكن سيكون هناك صباح الغد والصباح الذي بعده.”
  • “سيبقى هناك احتمال.. بأن يكون الزوج هناك يومًا ما.”

     أنهى الطبيب حواره على عجل. وحين ضغطنا عليه كي يقول ما حدث ادعى أن الباقي كان انهيارًا للحالة، وأن كل التعاطف انقضى بمرور الوقت وقد انتهى طاقم المصحة إلى تقبل الحقيقة ببساطة.

  • “لكن هل لا زالت تذهب لتقابل زوجها؟”
  • “آه نعم، ما زالت كما هي. لكن المرضى الآخرين – ما عدا الجدد – قلما ينظرون إليها حين تعبر القاعة، والممرضات تخططن لاستبدال قبّعة جديدة كل عامٍ أو ما شابه؛ أما الملابس فهي نفسها التي تلبسها. ما زالت خائبة الظن لكنها تتخطى ذلك وبعذوبة فائقة أبضًا. ليست حياة سعيدة بقدر ما نعلم، لكن يبدو أنها – وبشكل مضحك – تُعَدُّ مثالًا لليقين بالنسبة للمرضى الآخرين. فلنتحدث حبًا بالرب عن أمرٍ آخر. لنعد إلى الدياميس.”

[1] منطقة في فرنسا

[2] جمع ديماس

«شطيرة صدر» – ستِوَرت دايبك

ترجمة: راضي النماصي

يعد ستورت دايبك (1942 – الآن) أحد سادة القصة القصيرة الأمريكية المعاصرة، وهو أحد الوجوه الأدبية لولاية شيكاغو.
من أعماله: «ساحل شيكاغو»، والتي حازت إحدى قصصها بعنوان “ثلج حار” على جائزة أو. هنري المرموقة عام 1985، «طفولة وأحياء أخرى» الحائزة على جائزة نقابة كتّاب ولاية مدلاند عام 1981، «أبحرت مع ماجلّان»، «مصباح ورقي: قصص حب» وعدة مجموعات شعرية. اختيرت قصصه في العديد من المجموعات المكرسة والمتميزة على المستوى الأمريكي والدولي، كما قام بتحرير العديد من المجموعات القصصية المختارة.

 

imageedit_2_7314598765

 

     احتاجت النقانق الثورنجية[1] إلى ضمادٍ من الخردل البني، وذلك لأن سطحها اللدن الشاحب قد شِيط إلى الحرق تقريبًا.

     كانت البسطرمة معروضة بألوان الخمسينات الصارخة على هيأة لحم وردي مغطّى بالفلفل الأسود.

     وكان هناك لحم مملح ونقانق مقدّمة حسب الكوشر وقطع سلامي متدلية ولحم أرداف ونوعان من المحاشي – بالقاشة وبمكعبات البطاطا الذهبية -، بالإضافة إلى الملفوف بنوعيه وسلطة البطاطا بالبابريكا والطماطم الخضراء وخبز الكيزر والخبز الفرنسي وخبز الجودار. كنت أتجول طوال اليوم في الجو البارد وبدت جميعها شهيّة، لكن حين حلّ دوري أخيرًا قررت أن أستثمر آخر أربعة دولارات معي في شطيرة لحم الصدر بخبز الجودار.

     كان الخادم العجوز الأصلع بمريلته البيضاء الوسخة يهمس بصوت خافت: “سأعد لك شطيرة لذيذة للغاية أيها الشاب.”

     قالها بنبرة تآمرية، إذ كانت شفتاه تتحركان بالكاد ويريدني أن أقترب منه لأستمع وكأن ما يقوله شيء لا يريد من ملّاك المؤسسة الاشتباه به، كأنه سر بيننا الاثنان وليس لآذان الآخرين خلفي في الطابور أن تسمعه.

     رمش باتجاهي وحدق في عينيّ بثبات كما لو أنه يبدي اهتمامًا خاصًا بي، اهتمامًا كان أكثر مما قد أحكي عنه حيال ما واجهته من السكرتارية والمسؤولين الذين أمضيت الأسابيع الستة الأخيرة وأنا أملأ استمارات التقديم على الوظائف لديهم بينما انقضى مالي وبتّ أتنقل من صديق إلى آخر منهارًا من التعب إما على الأرض أو الأرائك. كان وجهه أشيبًا ومتغضنًا بالتجاعيد. لا بد من أنه كان يعد الشطائر منذ زمن طويل، وقد رأى العديد من الوجوه الجائعة تحدق فيه خلف الحاجز الزجاجي في الجهة الأخرى.

     ربما تعلم قراءة الوجوه بلمحة وقد رأى في وجهي يأسًا لم أشعر به قبل مجيئي وأني احتجت للمساعدة، وقد شاهد فيّ بلمحة ما يكفي عما يعنيه كون المرء متشردًا بلا مأوى أو وظيفة ويهيم في الشوارع جائعًا لمدة طويلة.

     ولربما كي يمضي يومه يسمح لنفسه كل فترة بأن يستلطف وجه شخص لا يعرفه على الإطلاق. وجه قد ذكره بنفسه حين كان شابًا، أو ذكّره بشخص ما من ماضيه، بنفس الطريقة التي يرتاد أحدكم فيها قطار الأنفاق ويشاهد الناس وهم يهمّون إلى وظائفهم. فقد أرى امرأة تذكرني بخليلة قديمة في مدينة أخرى، مدينة كان يجب علي البقاء فيها، وامرأة كان يجب على البقاء معها، هي نفس الفتاة التي قالت لي: “لك وجه يليق بالطبقة العاملة”. ربما ظنّ ذلك أيضًا.

     “أنظر”، قال لي بينما يزيل الشحم بطرف السكين بحرفنة، ثم قطع الأطراف على طول لوح التقطيع لتترك أثرًا من الدُّهن. كان ذلك حين لاحظت الأرقام الموشومة على ذراعه، وقد رأيت علامات مخيمات الموت المَمْحية على أذرع الخياطين في نفس الحي من قبل. تصدمني كل مرة أرى فيها تلك الأرقام الموشومة محيلة إياي إلى إحساس منفّر بالانفصام بينما يزاحم واقع التاريخ الوحشي حاضرنا المُعاش. تساءلت عمّا يفكر به حين ينظر إلى ذراعه كل يوم، وأي ذكريات مرعبة عليه أن يتجاوزها كل صباح. شعرت بالعار حين رأيت تلك الأرقام. يا لهوان أزمتي “الكبيرة” حين كنت أصرف آخر أربعة دولارات معي. كنت سأنجو على كل حال.

    سألني وهو يشير بسكينه إلى كومة الأطراف الباقية التي قصها من شطائر أخرى: “ماذا عن بعض البقايا اللذيذة لكلبك؟”، كانت هناك بعض الشرائط المُشْبعة الملتصقة بالشحم من لحم الصدر وتشكل وجبة أخرى على الأقل.

     “بالتأكيد.”

     “حسنًا”، قالها بذات النبرة السرية وكأن هناك بعض التفضيل الشخصي بيننا.

    جمع الأطراف معًا في ورق مشمع، ثم وضع الورق المشمع في كيس جزارين بني ومن ثم وضع الكيس بخبرة في علبة نظيفة، وذلك قبل أن يلصق أطرافها ويمدها لي بترتيب منطقي مجترف فائلًا: “بدولارين فقط.”

    “دولاران؟”

“لأجل كلبك.”

    ظننت أنه سيوفرها مجانًا وفجأة أحسست بأنني مغفل تمامًا. كان كل ما صدمني أنه أيًا ما جعلني ساذجًا بما يكفي لأحسب أن تلك القطع مجانًا هو نفس التفكير الذي جعلني على هذا الحال: عاطل عن العمل وأعيش على صديق بعد آخر، بالإضافة لافتقادي امرأة هجرتني سلفًا.

    قلتُ له: “لا أملك كلبًا.”

    “قلتَ للتو أن لديك واحد.”

    “كان لدي.”

    لم يستطع أن يتجاوز كون شخص يقوم بمثل ذلك الخطأ، فسأل: “هل نسيت أنك لم تعد تملك كلبًا؟”

    “كان لدي كلب لكنه مات. ما زلت أقول “نعم” بحكم العادة.”

    “آسف بشأن ما سمعت عن كلبك.”

    “أشكرك. كان من فصيلة الشنوزر واسمه يابي. من المؤكد أنه كان سيحب تلك القطع.”

    “ربما لديك قطة.”

    “ولا قطة”.

    “هل أنت متأكد الآن؟”

    “نعم”

    “أتريد مخللًا بالثوم؟”

    سألت وقد تعلمت درسي: “بكم؟”

    “إنه يأتي مع الشطيرة”.

brisket-on-rye1

[1] نسبة إلى منطقة ثورنجيا Thuringia الألمانية.

 

تطوّر أوليفر – جون أبدايك

01mcgrath.large1
جون أبدايك: كاتب أمريكي (1932 – 2009)

ترجمة: راضي النماصي

     لم يرد والداه أذيته؛ بل أرادا أن يحباه، وقد كانا كذلك. لكن أوليفر أتى متأخرًا في زواجهما، أي في وقت كان فيه تحدي تربية طفل أمرًا غير مرغوب بالمرة. وقد أثبت أنه عرضة للمصائب، إذ وُلِدَ بقدمين مشوهتين وتعلم الحبي بقالبي تقويم يصلان إلى كاحله؛ وحين نُزِعَا منه أخيرًا، بكى رعبًا لأنه ظن أن تلك الجبيرتين الضخمتين التي كانتا تضربان الأرض وتحتكان بها جزءًا منه.

     أثناء طفولته، ذات يوم، وَجَدَاه في خزانتهما مع صندوق مليء بكرات النفثالين[1]، وكانت بعضها ملطّخة بالساليفا[2]. وقياسًا على ما مضى، فقد تساءلا عما إذا كانت هناك حاجة فعلًا إلى الإسراع به إلى المستشفى وغسل معدته الصغيرة المسكينة، فصار وجهه رماديًا مخضرًا بعدها. في الصيف التالي، حين تعلم المشي، قام والداه بأخذه والسباحة جميعًا في الشاطئ بينما يبحثان عن جو رومانسي بعد صحوة أعقبت حفلة متأخرة ليلًا وشجارًا بينما كانا ثملَين، ولم يكونا بوعيهما إلى أن رأيا حارس الإنقاذ يذرع الشاطئ ركضًا تجاه أوليفر الذي كان يدرج خلفهما ثم صار يطفو على بطنه لمدة بضع دقائق مميتة بحسب المنقذ الذي لم يلمّح كثيرًا. كان وجهه أزرق هذه المرة وطالت كحَّته لعدة ساعات.

     كان أقل أطفالهما شكوى، ولم يلم والديه أو إدارة المدرسة على أنهما لم يلاحظهما عينه اليمنى “الخَدِرَة” في الوقت المناسب لعلاجها إلى أن نتج عن إغلاق تلك العين كون كل شيء معتمًا بقدر عضال. كان مرأى الصبي وهو يحمل كتابًا بزاوية غريبة تجاه الضوء فقط يجعل والده يرغب بالبكاء عجزًا.

     وحدث أنه كان في العمر الخطأ والحساس تمامًا حين انفصل والداه وشرعا بالطلاق. كان إخوته الكبار خارج المنزل في مدارس وجامعات خارجية وفي مقتبل الرجولة وأحرارًا من العائلة. أما أخته الأصغر فكانت صغيرة بما يكفي لتلاحظ التغيرات الجديدة – كالوجبات في المطعم مع أبيها ثم الرجال الودودين الذين يظهرون ويأخذون أمها إلى الخارج -. لكن أوليفر، في الثالثة عشر من عمره وقتها، قد أحَسَّ بثقل الاهتمام بالبيت وحمل شعور الهجران من أمه. ومرة أخرى، اغتمّ والده عجزًا؛ فقد كان السبب بالفعل – وليس الولد – عندما بدأ ظهور الدرجات المتدنية في المدرسة ثم الجامعة، ثم كسْر أوليفر ذراعه إثر انزلاقه من الدرج – أو إثر القفز منه، حسب مرويّة أخرى لتلك الحادثة الغريبة من نافذة فتاة -. ولم تلق سيارة واحدة من عائلته مصيرًا شنيعًا، بل العديد منها بينما كان خلف المقود، وقد خلت كلها من الإصابات ما عدا ركبتين مليئتين بالرضوض وسنّين أماميين مهتزين. نمت الأسنان مستقيمة مجددًا – حمدًا للرب – في ابتسامته البريئة التي تمتد ببطء عبر وجهه بينما بدأت تشيع الأنباء المضحكة حول مصيبته الأخيرة، إذ كانت تلك الابتسامة إحدى أجمل صفاته، لأن أسنانه كانت صغيرة ودائرية وتبتعد عن بعضها بمسافات، كأنها ابتسامة طفل.

     ثم تزوّج، وهذا ما بدا مصيبة أخرى عبر مرورها بليالٍ ملأى بالسهر ووظائف متروكة وفرص حياتيّة مهدرة بالنسبة لشخص بالغ. كانت الفتاة، واسمها أليشيا، عرضة للحوادث بقدره، وذلك للعنف المستمر وعدة حوادث حمل غير مرغوبة. خلفت اضطراباتها العاطفية الكثير من الكدمات فيها وفي غيرها. وبالمقارنة، فقد كان أوليفر حذرًا ورزينًا، وكانت تتطلع له باحترام. وهذا السر، فالآخرون يحاولون منح ما نتوقعه منهم. تمسك أوليفر بوظيفة ما، أما هي فأبقت على حملها. والآن يجب أن تروه مع طفليهما، فتاة بملامح لطيفة وصبي بشعر غامق، بينما قد كبر طولًا وعرضًا ويحملهما دفعة واحدة، وكأنهما طائران في عش وهو شجرة أو صخرة واقية. صار حاميًا آخر للضعفاء.

[1] كرات توضع لوقاية الملابس من العث.

[2] اللعاب.