أصدقاء – لوسيا برلين

أصدقاء، لوسيا برلين (1936 – 2004)

ترجمة: راضي النماصي

من مجموعة «دليل لعاملات التنظيف: قصص مختارة» والحائزة على ميدالية كاليفورنيا الذهبية للنثر القصصي 2015.

t-lucia-berlin-death-dave-cullen

      قابلتْ لوريتّا كلًا من آنّا وسام في اليوم الذي أنقذت به حياة سام.

      كان كل من آنّا وسام مسنّين، هي في الثمانين من العمر وهو في التاسعة والثمانين؛ وكانت لوريتا ترى آنّا من حين لآخر حين تذهب للسباحة في حوض جارتهما إيلَين. وقفت ذات يوم بالقرب من المرأتين وهما يقنعان ذلك العجوز كي يسبح، وقد فعل ذلك، في النهاية، بطريقة تشبه الكلاب وبتكشيرة على وجهه إثر نوبة صرع انتابته، بينما الأخريات على سطح الجهة المقابلة ولم يلاحظْنَ ذلك، فقفزت لوريتا بملابسها وسحبته إلى سلم المسبح ومنه إلى الخارج. لم يحتج إلى إنعاش لكنه كان حائرًا ومرعوبًا، تناول مما لديه من بعض الأدوية التي يأخذها لأجل الصرع وساعدوه ليتجفف ويلبس بعد ذلك. جلسوا كلهم لفترة حتى تأكدوا أنه بخير ويستطيع المشي إلى بيتهما.. هناك على آخر الناصية. واصلت آنّا مع سام شكر لوريتا لإنقاذ حياته، وأصرا أن تأتي إلى الغداء في اليوم التالي.

      تصادف أنها لن تعمل خلال الأيام المقبلة، فقد أخذت إجازة بدون راتب لثلاثة أيام لأن هناك العديد من الأمور التي يجب أن تقوم بها. كان الغداء معهم يعني العودة من المدينة إلى بيركلي على طول الطريق، وأن كل شيء لن ينتهي خلال يوم واحد.. كما خططت مسبقًا.

      غالبًا ما شعرت بعجزها في مواقف كهذه، من تلك التي تجعلك تحدث نفسك بأشياء من نوع “يا ربي، هذا أهون شيء أقدر عليه، إنهم لطفاء للغاية” وما لم تقم بذلك شعرت بالذنب وإن قمت بذلك تحس بأنك ضعيف الشخصية.

      نزعت عن نفسها ذلك المزاج السيئ في اللحظة التي دخلت شقتهما. إذ كانت مشمسة ومفتوحة مثل بيت في المكسيك حيث عاشا معظم حياتهما هناك. كانت آنّا عالمة آثار وسام مهندسًا، وقد عملًا سويًا في تيوتيهواكان ومواقع أخرى، مما ملأ شقتهما بالخزف الفاخر والصور لتشكّل مكتبةً رائعة. في الأسفل حيث الباحة توجد حديقة خضار كبيرة وعدة أشجار فواكه وعناقيد توت. ودهشت لوريتا أن هذا الثنائي الهش والأشبه بزوج عصافير فعلا بكل ذلك وحدهما، لأنهما يستعينان بالعصا ويمشيان بصعوبة شديدة.

      كان الغداء عبارة عن شطائر جبن محمصة وحساء جايوت وسلطة من خضار الحديقة. قامت آنّا وسام بتجهيزه مع بعضهما وأعدا الطاولة وقدما الغداء كليهما أيضًا.

      لقد قاما بكل شيء معًا طوال خمسين عامًا، وكان أحدهما بمثابة صدىً للآخر أو يقوم بإكمال الجملة التي بدأها مثل التوائم. مر العشاء ببهجة بينما يخبرانها، بمكبر صوت، عن بعض تجارب العمل في الهرم بالمكسيك وعن شيء من الاكتشافات التي عملا بها. كانت لوريتا مندهشة بهذين العجوزين وبحبها المشترك للموسيقى والاعتناء بالحدائق وبمرحهما تجاه بعضهما، وكانت مذهولة من مقدار انخراطهما في الأنشطة المحلية والوطنية، وبذهابهما إلى المسيرات والمظاهرات وبمراسلاتهما لرجال مجلس الشيوخ ورؤساء التحرير وكيف يجريان المكالمات الهاتفية. إنهما يقرآن ثلاث أو أربع أوراق بحثية كل نهار، وفي الليل يقرآن الروايات أو كتب التاريخ لبعضهما.

      بينما كان سام يخلي الطاولة بيدين مرتجفتين، قالت لوريتا لآنّا عن كونها محسودة على رفيق بهذا القرب طوال العمر، فقالت آنّا: “نعم، لكن قريبًا سيرحل أحدنا..”

      كانت لوريتا لتتذكر هذه الجملة بقدر أكبر لاحقًا وتتساءل عما إذا كانت آنّا قد صادقتها كبوليصة تأمين حياة حين يموت أحدهما. لكنها حدثت نفسها نافية: “لا. الأمر أبسط من ذلك”. إذ أن الاثنين كانا مكتفيين بذاتهما وتجاه بعضهما طوال حياتهما، لكن سام بدأ يصير الآن شارد الذهن ومشوشًا في بعض الأحيان.

      كان يكرر نفس القصص مرارًا وتكرارًا. وعلى الرغم من أن آنّا كانت صبورة عليه دومًا، إلا أن لوريتا شعرت بأن آنّا سعيدة لوجود شخص آخر تحادثه.

      ومهما كان السبب، فقد وجدت لوريتا نفسها منخرطة في حياة سام وآنّا أكثر فأكثر. فلم يستطيعا قيادة السيارة مجددًا. في بعض الأحيان كانت آنّا تتصل على لوريتا كي تطلب منها أن تأخذ نبتة إسفغنون حين تغادر أو لتأخذ سام إلى طبيب العيون. وفي البعض الآخر كانا يعجزان حتى عن الذهاب للمتجر، فتتبضع لوريتا الأغراض لهما. لقد أحبتهما وشعرت بالتقدير تجاههما. وبما أنهما يبدوان متلهفين جدًا للقاء أصحاب، فقد ذهبت للعشاء عندهما مرة في الأسبوع أو كل أسبوعين كحد أقصى. طلبت منهما في مرات قليلة أن يأتيا عندها للعشاء، لكن كانت هناك العديد من الدرجات للصعود وقد انتهيا العجوزان منهما مرهقين لدرجة أوقفتها عن فعل ذلك مجددًا. ولذلك كانت تجلب سمكًا أو دجاجًا أو طبق معكرونة إلى بيتهما وهما يعدان سلطة ويقدمان توتًا من الحديقة للتحلية.

      بعد العشاء يجلسون على الطاولة أمام أكواب من الشاي بالنعناع أو الشاي الجامايكي بينما يحدثهما سام بقصص جرت حين أصيبت آنّا بشلل الأطفال، وذلك في حفرة عميقة بغابة يوكاتان، وكيف نقلوها إلى المستشفى وعن لطف الناس فيه؛ وكذلك عن المنزل الذي بنياه في تشالابا؛ وعن زوجة العمدة حين كسرت رجلها بسبب خروجها من النافذة لتتجنب أحد الزوار. كانت قصص سام دائمًا ما تبدأ بجملة: “هذا يذكرني بالمرة التي…”

      عرفت لوريتا تفاصيل حياتهما شيئًا فشيئًا. عن بداية الغزل بينهما على قمة جبل تام[1]، وعن غرامهما في نيويورك حين كانا شيوعيين، وعن انغماسهما في الخطيئة. فهما لم يتزوجا أبدًا، لكن ما زالا يشعران بالارتياح في هذا التحرر، وقد أنجبا صبيين وهما يعيشان الآن في مدن بعيدة. كانت هنالك أيضًا قصص عن المزرعة الكبيرة قرب بيغ سور حين كان الأطفال صغارًا. وبينما تصل القصة إلى النهاية كانت لوريتا تقول: “أكره المغادرة، لكن عليَّ النهوض للعمل باكرًا.” ثم تغادر في حينها. وبالرغم من ذلك كان سام غالبًا يقول: “فقط دعيني أخبرك ما جرى للفونوغراف الآلي.” لتقود سيارتها مرهقة بعد ذلك بساعات إلى منزلها في أوكلاند وهي تحدث نفسها بأنها لن تستمر بفعل ذلك، أو أنها ستذهب مجددًا لكن لوقت معلوم ومحدد.

      ليس الأمر أنهما كانا مملين أو غير مثيرين للاهتمام. على النقيض، لقد عاش هذا الثنائي حياة غنية وممتلئة وهما ينخرطان فيها بانتباه كامل. كانا مهتمين للغاية بهذا العالم، بماضيهما. أمضيا وقتًا طيبًا بالفعل وكل منهما يضيف إلى ما يتحدث به الآخر ويتجادلان حول التفاصيل والتواريخ.. لدرجة أن لوريتا لم تملك أن تقاطعهما وتغادر، وقد جعلها الذهاب إلى هناك سعيدة لأنهما كانا فرحين للغاية برؤيتها. لكنها شعرت في بعض الأحيان أنها لا ترغب بالذهاب مجددًا، وذلك حين تكون متعبة جدًا أو لديها شيء آخر لتفعله. قالت آنّا ذات مرة: “تعالي يوم الأحد خلال الفطور أو الغداء.”

      لما صار الجو صحوًا أكلوا على طاولة في شرفة منزلهما وهم محاطون بالزهور والنباتات، بينما أتت مئات الطيور إلى أحواض الطعام قربهم مباشرة. وحين صار أبرد أكلوا في الداخل بالقرب من فرن حديدي ومحشو بحطبات قطعها سام بنفسه بينما توجد قطع وافل أو أومليت سام المميز، وفي بعض الأحيان تحضر لوريتا بعض البيغل والسمك المدخن. مضت ساعات – بل اليوم بأكمله – عندما انتهى سام من حكي قصصه وآنّا تصححها وتضيف التعليقات عليها. في بعض الأوقات، كان من الصعب البقاء مستيقظًا تحت ضوء الشمس في الشرفة أو قرب نار الفرن.

      كان بيتهما في المكسيك مصنوعًا من الطابوق الخرساني، لكن الأعمدة والواجهة والشرفات من خشب الأرْز. في البدء بُنيت المساحة الكبيرة بما فيها من مطبخ وغرفة معيشة، وقد زرعا الأشجار – بالطبع – حتى قبل بناء المنزل من موز وخوخ وجاكاراندا. في العام التالي أضافا غرفة نوم، وبعد ذلك بعدة أعوام غرفة أخرى باستوديو لآنّا، وقد صُنعت الأسرة والمكاتب وطاولات العمل من خشب الأرْز. كانا يأويان إلى بيتهما الصغير بعد العمل في الحقل الذي يقع في.. ولاية أخرى بالمكسيك، أما البيت فبارد دومًا ويعبق برائحة الأرز كما لو أنه صندوق كبير.

      أصيبت آنّا بالتهاب رئوي ووجب أن تذهب للمستشفى، وعلى المرض الذي ألم بها ما كانت تفكر إلا بسام وكيف سيعيش بدونها. فوعدتها لوريتا أنها ستمر عليه قبل العمل وترى ما إذا تعاطى أدويته وفطوره، كما أنها ستطبخ له العشاء بعد العمل وتأخذه للمستشفى كي يزورها.

      الأمر المريع هو أن سام لم ينطق. كان يجلس مرتعشا على حافة السرير بينما كانت لوريتا تساعده على اللباس. أخذ أدويته وشرب عصير الآنّاناس بشكل آلي، ومسح ذقنه باهتمام بعدما أكل فطوره. وحين تصل في المساء كان يقف في الشرفة وهو ينتظرها. أراد أن يذهب لرؤية آنّا أولًا ثم يتناول العشاء. وعندما وصلوا إلى المستشفى، كانت آنّا ترقد شاحبة بينما شعرها الطويل الأبيض منسدل للأسفل كفتاة صغيرة، وعليها المغذي وتحتها المبولة وقربها أسطوانة أوكسجين. لم تنطق بشيء، لكنها تبسمت وأمسكت رأس سام بينما حدّثها عن غسيله لملابس كثيره وسقْيه للطماطم وتغطيته للفول وغسيله للأطباق وصناعته الليموناضة. استمر في حديثه لها – دون انقطاع – وهو يخبر عن كل ساعة في يومه. وحين غادرا كان على لوريتا أن تمسكه بشدة، فقد كان يميل ويتعثر بينما يمشي. في السيارة بكى بينما قفلا عائدين، فقد كان قلقًا، لكن آنّا عادت إلى المنزل وهي على أتم حال عدا الكثير مما يجب فعله في الحديقة. في يوم الخميس بعد الفطور المتأخر، ساعدت لوريتا في الغرس بالحديقة وقطع عذوق التوت الأسود، وكانت قلقة في ذلك الوقت، فماذا لو أن آنّا قد مرضت بشدة؟ وما الذي كانت تمثله هي بهذه الصداقة؟ لقد أثر اعتماد هذين الزوجين على بعضهما وضعفهما في لوريتا وأحزنها. خطرت تلك الأفكار في رأسها بينما تعمل. بيد أن الوضع برمته كان جميلًا، بتلك التربة السوداء الباردة وأشعة الشمس وبِسَام وهو يقول قصصه حين زرع في صف الحُفَر الموازي.

      في الأحد التالي ذهبت لوريتا إلى منزلهما متأخرة، فقد نهضت مبكرة ولديها الكثير من الأعمال لتقوم بها. أرادت حقًا أن تبقى في المنزل، لكن قلبها لم يطاوعها على الاتصال وإلغاء الموعد.

      الباب الأول لم يكن موصدًا – كالعادة –، لذا فقد ذهبت إلى الحديقة ومنها لتصعد في السلالم الخلفية. مشت في الحديقة كي تنظر حولها، وقد كانت زاخرة بالطماطم والكوسا والفاصولياء والنحل الذي يطوف وَسِنًا بها. كان كلٌ من آنّا وسام في الشرفة بالأعلى. وأرادت لوريتا أن تناديهما لولا أنهما كانا يتحدثان بانشغال تام.

      “لم تتأخر من قبل إلى هذا الحد. ربما لن تأتي.”

“آه، ستأتي… فهذه الصباحات تعني لها الكثير.”

“يا للسوء، إنها وحيدة للغاية وتحتاجنا. نحن حقًا عائلتها الوحيدة.”

“إنها تستمتع بقصصي حتمًا. تبًا. لا أستطيع التفكير بقصة واحدة كي أحكيها لها اليوم.”

“ستَرِدُ إحداها لك..”

      “مرحبًا”، هتفت لوريتا، “هل من أحد في المنزل؟”

[1] Mount Tam جبل تام يقع في ولاية كاليفورنيا – المترجم.

9781250094735

 

سر الكتابة – أورهان باموق

سر الكتابة

أورهان باموق (تركيا / نوبل 2006)

ترجمة: راضي النماصي

      يمكن للآخرين أن يتعلموا أشياء عديدة من حياة الكاتب لأنها مختلفة للغاية، فبعض الكتّاب مهووس بما يأتي من الخارج والبعض الآخر مهووس برؤاه، أما أنا وأمثالي فمختلفون؛ فأنا أعمل كموظف وبهذا تغدو رواياتي كاللوحات الجصية والملاحم. بذلك فأنا أبدأ من زاوية وأستمر حتى دون أن أعلم ما ستكون عليه الصورة الختامية في النهاية.

      علمتني أربعون سنة من التفاني تجاه فن الرواية أمرًا واحدًا، وهو أن ننتبه إلى حيوات البشر وما نسمعه عنها. فهذه الرواية، أي «غرابة في عقلي»، مبنية على مقابلاتٍ أجريتها مع العديد من الناس، والتي تعلمت منها أن أكون متواضعًا تجاه حياتهم وألعب بتفاصيلها إلى أن تغدو حقيقية أكثر من الواقع.

       في غالب حياتي لم أحظ بمحررٍ كما ينبغي منذ كنت أكتب في إسطنبول. أنا هو محرري الوحيد. لكن أسرار الكتابة تكمن في إعادتها وتحريرها بنفسك وإعادة تعديلها وقراءتها على من تحب – على زوجتك أو ابنتك أو صديقك وسماع القصة من منظور الآخرين دون أن تترك معاييرك الخاصة عن الكتابة الجيدة – ومن ثَمّ تستمر بالتعديل والحذف هكذا دون أن تهتم بالوقت الذي منحته لتلك الصفحة الجميلة، والتي من الممكن أن تحذفها أيضًا.

orhanpamuk_image

حامل الكتب – لنه دنه

حامل الكتب

قصة من مجموعة «دم وصابون» – لنه دنه (فيتنام)

ترجمة: راضي النماصي

      من الواقعي أن ينال أي شخص يحمل الكتب قدرًا معينًا من الإحترام في أي مجتمع دومًا – وإن كان لا يستحقه –، سواء كان هذا المجتمع متخلفًا أو متقدمًا. ولمعرفته بهذه الحقيقة، قام بيير بوي، وهو فني دراجاتٍ أمّي من قرية فات دات التي تقع في عمق دلتا نهر ميكونغ، بحمل كتابٍ معه أينما ذهب.

      بان سحر ذلك على الفور، إذ صار المتسولون والعاهرات يترددون حيال الاقتراب منه، ولم يجرؤ النشالون على سرقته، وحتى الأطفال كانوا يلزمون الصمت في حضرته.

      حمل بيير بوي كتابًا واحدًا في البدء، ثم أدرك أن أثر مظهره سيكون أفضل إن حمل كتبًا أكثر. لذا بدأ بالتجول وهو يحمل ثلاثة كتب دفعة واحدة. وفي أيام المهرجانات، حين تكثر الحشود في الشوارع، كان بيير بوي يتجول بينما يحمل دزينة من الكتب.

      لم يكن نوع الكتاب مهمًا – سواءً كان «كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر في الناس» أو «أجسادنا»، «أنفسنا»، «تحت شمس توسكانا»… إلخ – طالما أنه مجرد كتاب. على كل حال، بدا بيير بوي مهتمًا أكثر بالكتب الثخينة للغاية وذات الخط الضئيل، ولربما ظن أنها تحمل قدرًا علميًا أكبر. كان من الممكن أن يجد الشخص في مكتبته التي تنمو بسرعة العديد من المجلدات حول المحاسبة وصفحات بيضاء عن أعظم مدن العالم.

      في نفس الوقت، لم تكن تكلفة حيازة العديد من الكتب سهلة على مكسبه الضئيل كفني دراجات، فتوجب عليه قطع كل مصاريفه الأخرى ما عدا الأكل، ومرت عليه أيام لم يأكل فيها سوى الخبز والسكر؛ بالرغم من ذلك لم يقم بييع مجلدٍ واحد من مجلداته الثمينة، إذ كان احترام القرويين الآخرين له يعوضه عن قرقرة بطنه المستمرة.

      آتى إيمان بيير بوي المطلق بالكتب أُكُلَه في عام 1972، وذلك خلال إحدى أشرس معارك الحرب حين دمرت كل بيوت قريته ما عدا كوخه العشبي المائل، حيث كان بيير بوي يقعي خائفًا ولم يصب بأذى، ومحاطًا – في نفس الوقت – بعشرة آلاف كتاب.

linh20dinh20reading

لم الشمل – إدوارد مولاني

كنت وجاك في متجر الملابس. وكالمعتاد، لم يرد جاك أن يكون هناك، لكنه أتى هذه المرة لأنه برفقة شخصٍ آخر.

جلست معه على حافة أحد تلك الأسرّة ذات المظهر الجيد. كنت أتسوق طوال اليوم، لذا بدا لي فعل ذلك منطقيًا.

أتى صوت امرأة من غرفة قياس قريبة، وكان صوتها يوحي كما لو أنها متأكدة بأن جاك الوحيد الذي يسمعها. نظرنا إلى بعضنا بحواجب مرتفعة. عرفتُ صاحبة الصوت، لكني تطلقت منذ جاك لمدة طويلة بما يكفي لمعرفة أن الحديث عن شريك الآخر دون أن يكون حاضرًا للدفاع عن نفسه يُعَدُّ حتمًا نوعًا من الغيرة، حتى وإن كان ذلك مقصودًا كمزاح. لذا اتفقنا على أن نبقي أفواهنا مقفلة.

قلت بينما أرفع أحد الأكياس بإتجاه الصوت: “من الأفضل أن تذهب وترى ما تريد”.

لم ينهض جاك حتى نظر ما بداخل الكيس. جرى كل ذلك أثناء موسم الكريسماس، والطبع يغلب التطبع.

“ما الذي يحدث؟” قالت المرأة التي بداخل غرفة القياس. خرجت بثوب نوم حريري، وكان يبدو عليها أفضل مما لو كان عليّ، لكنها توقفت حين رأتنا كما لو أن مظهرنا سويًا أنساها سبب وجودها هنا.

قال جاك: “الأمور بخير. تبدين رائعة يا عزيزتي، هل هذا الذي تريدينه؟”

نظرت المرأة إلي. كانت يد جاك لا تزال في الكيس، فسحب يده ببطء كطفل قد كشف أمره. لم أقل شيئًا، لكني فعلت ما أعلم أنه سيفهمها الذي أريد إخبارها به، شيئًا – وإن كنت أعلم أني سأمقت نفسي لاحقًا – لم أستطع التوقف عنه. ابتسمت بطريقة مريبة أكثر منها ودودة ورفعت أحد حاجبي. ذهبت المرأة إلى جهةٍ أخرى وهي تبكي.

حين قابلت زوجي لاحقًا في نفس المجمع التجاري، حاول أن يختلس النظر إلى كيس التسوق بنفس طريقة جاك، لكنها لم تكن مثل تلك النظرة؛ فقمت بقرصه.

0-l8abff3rwym9obhk

جريمة شرف – يونغ-ها كيم

التعريف بالكاتب
يعد يونغ-ها كيم (1968-الآن) أحد ألمع مؤلفي كوريا الجنوبية في الوقت الحالي، وقد حصل على جميع جوائز الأدب هناك. ترجمت له أكثر من رواية ومجموعة قصصية إلى اللغة الإنجليزية، وأشهرها «لدي الحق بتدمير ذاتي» و«جمهوريتك تناديك» و«زهرة سوداء».

جريمة شرف – يونغ-ها كيم (قصة)
ترجمة: راضي النماصي

     كان عمرها إحدى وعشرين عامًا وذات بشرة ناعمة وصافية، وكان وجهها مشرقًا ونديًا حتى بدون مساحيق التجميل. ولذلك السبب تحديدًا عيَّنها طبيب الجلدية كموظفة استقبال في المكتب. كانت وظيفتها سهلة، فكل ما عليها عمله هو كتابة أسماء المرضى ثم تقول للواحد منهم بصوت ودود: “اجلس حتى نناديك باسمك”، بعدها تبحث عن بياناتهم وتسلمها للممرضين. منحت بشرتها آمالًا عالية للمراجعين مما شجعهم على منح ثقتهم الكاملة في المكتب، وسبَّب ذلك زيادة مفاجئة في المبيعات.

     لكن في يومٍ ما أخذ وجهها بالتداعي. بدأت المشكلة بظهور بثرة صغيرة، ثم تكاثرت بشكلٍ أسوأ حتى غطت الوجه بالكامل. لم يعرف أحد السبب. في البدء، قام الطبيب الشاب – الذي لم يستطع بدء مشروعه دون قرض بنكي – بمساعدتها بكل طيبة، لكنه توقف عن ذلك مدفوعًا باليأس، وكلما ركز على علاجها ازدادت حالتها سوءً. غطت البقعات الحمراء كامل الوجه حتى غدت كقطعة بيتزا مرمية من مكان بعيد. جن جنون الطبيب وكرهتها الممرضات بعد ذلك. في يوم ربيعي، تركت رسالة خلفها تقول “أعتذر للجميع، أنا آسفة” وقامت بالانتحار. عين المكتب موظفة جديدة، وكان وجهها مشعًا لدرجة أغمضت أعين الجميع.

¼Ò¼³ '»ìÀÎÀÚÀÇ ±â¾ï¹ý' Ãâ°£ÇÑ ±è¿µÇÏ ÀÛ°¡

وريث تشينوا أتشيبي صيادًا للسمك

    ليس ذلك رأيي لوحدي، بل هذا ما تلهج به أوساط الأدب العالمية مؤخرًا عن الكاتب والأكاديمي النيجيري الشاب تشيغوزيي أوبيوما، الذي بلغ ثلاثين عامًا منذ فترة بسيطة ويتصدر مشهد الأدب الأفريقي حاليًا بجانب مواطنته تشيماماندا نغوزيي أديتشي. يمكن تلمس ذلك منذ الشروع في قراءة روايته الأولى «صيادو السمك» الحائزة على جائزة منحة «فاينانشال تايمز/أوبنهايمر» العالمية وجائزة معرض إدنبره للكتاب – فئة الإصدار الأول، كما وصلت كذلك للائحة القصيرة لجائزة «بوكر» البريطانية سنة 2015 والتي اختطفها الجامايكي مارلون جيمس عن رواية «تاريخ مقتضب لسبع جرائم قتل»، بالإضافة إلى القائمة القصيرة لجائزة «الغارديان» في فئة الإصدار الأول. أشاد به أحد أعلام الأدب الأفريقي الكبار، وهو الصومالي المرشح باستمرار لجائزة نوبل للآداب نور الدين فرح عبر تصريحٍ ظهر مؤخرًا بأنه “ذو أسلوب فصيح بشكل هائل في الكتابة بجانب موهبته العظيمة، وأن لديه ما يجعله في مصاف أفضل أفراد الجيل القادم من المؤلفين الأفارقة الشباب”، بالإضافة إلى العديد من الإطراءات من كبرى الصحف والمجلات والملاحق الأدبية حول العالم.
تحكي «صيادو السمك» حكاية أربعة أشقاء في نيجيريا خلال منتصف التسعينات – وذلك إيان الحكم العسكري للجنرال ساني أباتشا – على لسان أصغرهم المدعو بينجامين، ويتداخل فيها عنصر الإثارة والتأمل في الذات وفترة الصبا والرشد والعلاقات الأسرية – بين الإخوة على وجه الخصوص – عبر نبوءة عجوز مجنون يقابلونه حين يتهربون من الدراسة لصيد السمك في نهر قريب أثناء غياب أبيهم. كتب أوبيوما رواية ذات مهارة قوية في سرد القصص والتلاعب باللغة عبر مستويين، كما أنها قادرة على شد انتباه القارئ مع الإبقاء على هوية الأجواء الأفريقية بإشكالاتها الاجتماعية والدينية والسياسية والجمال الثقافي الهائل التي تتسم به القارة السمراء.
لأوبيوما حتى الآن هذه الرواية فقط بالإضافة لبعض النصوص على شبكة الإنترنت، كما أنه يعكف على كتابة رواية أخرى هذه الأيام بعنوان «الصقَّار»؛ وهو أستاذ مساعد في مجال الكتابة الإبداعية بجامعة نبراسكا الأمريكية. ستصدر ترجمة هذه الرواية إلى اللغة العربية قريبًا عن دار جامعة حمد بن خليفة للنشر في دولة قطر، وندعو دور النشر العربية لالتقاط النتاج القادم لهذا الكاتب الواعد وترجمته في خضم غرقنا بنتاج القارة العجوز والأمريكيتين خلال الأعوام الماضية.
فيما يلي ترجمة شخصيّة لمقطع من الفصل الأول للرواية:
“كنا صيادي سمك.
    أصبحنا أنا وأخوتي صيادي سمك في يناير عام 1996 حين انتقل والدي إلى خارج أكور، وهي قرية تقع غربي نيجيريا وقد عشنا فيها طوال عمرنا. نقله عمله في البنك المركزي النيجيري إلى فرع يقع في يولا – قرية تبعد عنا أكثر من ألف كيلومتر شمال البلاد – منذ الأسبوع الأول في نوفمبر الفائت. أتذكر الليلة التي عاد بها أبي حاملًا رسالة النقل. كان ذلك يوم الجمعة، ومنذ الجمعة مرورًا بالسبت كان والداي يتبادلان الاستشارات همسًا كما لو أنهما راهبين شرقيين. في صباح الأحد صارت أمي مخلوقًا آخر، إذ كانت تتحرك كفأر مبتل وتجول بعينيها في أرجاء المنزل. لم تذهب إلى الكنيسة، بقيت في المنزل وغسلت مجموعة من ملابس أبي وكوتها بينما يعتري الحزن وجهها. لم يقل أيٌّ منهما كلمة لنا ولم نطلب منهما ذلك في المقابل. فهمنا فيما بعد أنا وأخوتي – إكينا وبوجا وأوبيمبي – أننا قد نغرق المنزل حزنًا إذا ما سألنا بطيني البيت – أي أمي وأبي –، إذ كانا يكتمان الأمر مثلما يحبس بطينا القلب الدم. لذلك فقد تركنا التلفزيون في دولابه ذا شكل الرقم ثمانية في غرفة الجلوس خلال أوقات كهذه وذهبنا لغرفنا كي ندرس أو نتظاهر بالدراسة، ولم نسألهما عن أي شيء بينما كان القلق يغمرنا. حاولنا بما نستطيع لاحقًا أن نجمع أي معلومة عما يحدث.
    مع غسق السبت بانت بعض المعلومات من همهمات أمي كما يظهر زغب الفرخ: “أي عملٍ يحمل رجلًا على الابتعاد عن أبناءه بينما يشبون؟ حتى لو ولدت بسبع أيدي، فكيف سيمكنني الاعتناء بهؤلاء الأطفال لوحدي؟”
    على الرغم من أن تلك الأسئلة المحمومة لم تكن موجهة لأحد، فقد كان من الواضح أن أبي هو المعني بها. كان جالسًا على أريكة كبيرة في الصالة بينما تغطي صحيفته المفضلة «الغارديان» وجهه وهو يقرؤها ويستمع لأمي في نفس الوقت. ومع أنه قد سمع ما تقوله، إلا أن أبي كان يصم أذنيه عن أي كلام لا يوجه له مباشرة، أو ما كان يسميه بـ”الكلمات الجبانة”. كان سيكمل قراءته، وربما سيتوقف كي يحتفي أو يشجب شيئًا مما ورد في الصحيفة بجمل من نوع “واو، فيلا رجل عظيم! يا إلهي!” أو “يجب أن يُطرَد روبين أباتي”؛ كل ذلك لأجل أن يعطي انطباعًا بأن ندب أمي يتطاير في الهواء، وأن لا أحد يعير انتباهًا لنشيجها.”

chigozie-obioma-and-the-fishermen

أغوتا كريستوف : “لم أرد تسمية أي شيء”

agota-kristof_5451ea5abda66

تعود أغوتا كريستوف إلى بودابست في زيارة مقتضبة بعد أربع سنوات منذ آخر زيارة، وذلك للمشاركة في برنامج «إكسايل/المنفى»، والذي يركز على المؤلفين المهاجرين من شرق أوروبا. وصلت أغوتا إلى مدينة نيوشاتل السويسرية كلاجئة سنة 1956 مع زوجها وطفلها الوحيد، وبقيت في نفس المدينة منذ ذلك الحين.

تغير حال أغوتا كريستوف عبر السنين من عاملة مصنع ساعات إلى روائية تنال تقديرًا عالميًا، وذلك بقصصها المكونة من الجمل القصيرة القاسية. حازت كتبها على مقروئية عالية جدًا في بلدها الأم هنغاريا. تُرجمت الرواية التي أطلقت شهرتها، وهي بعنوان «الدفتر الكبير»، إلى خمسٍ وثلاثين لغة. وعلى الرغم من كل هذا النجاح، لا تزال تتحدث عن نفسها بهدوءٍ وأحيانا بمرارة، كما لو كانت تعتبر نفسها الآن غريبة في موطنها.

 

المحاور: برنامج «المنفى» هو عبارة عن سلسلة من الأمسيات التي تستضيف الكتـّاب المهاجرين في بودابست؛ نحن الآن مقبلون على الذكرى الخمسين لثورة 1956. ما الذي تعنيه هذه الثورة للناس من منظور أجنبي؟ هل رأيت اهتمامًا من بقية أوروبا حول هذه المناسبة؟

أغوتا كريستوف: نعم، فكثيرٌ من الناس يولي اهتمامًا بتلك الثورة وذكراها الخمسين في كل مكان هذه الأيام. ولكنه يظل نشاطًا محصورًا بالهنغاريين الذين يعيشون هناك، وليس مواطني تلك البلاد.

 

المحاور: هل لا زالت إلى اليوم مجرّد شأن هنغاري فقط؟

أغوتا كريستوف: ذلك واضح في سويسرا على الأقل، وعلى الرغم من مشاركة المسؤولين السويسريين في تلك الذكرى. أعتقد بأن عام 1956 كان نقطة تحولٍ في تاريخ أوروبا بأكملها وليست هنغاريا فقط، بيد أن القليل يلاحظ هذا الأمر.

 

المحاور: هل يمكنكِ أن تصفي لنا ما يعنيه لك هذا الحدث بالذات؟ وأعني الهجرة وما تلاها؟

أغوتا كريستوف: كان كل ذلك منذ زمنٍ بعيد، وكنت شابّة جدًا إبان ذلك الوقت. لا أزال قادرة على تذكر ما حدث، فقد كانت لدينا طفلة واحدة، وتبلغ من العمر أربعة أشهر فقط. أتذكر أيضًا نزوحنا في تلك الأيام خلال غابات كوشيغ. لو لم يرد زوجي السابق المغادرة لما فعلت.

 

المحاور: ما قدر معرفتك بالعالم حينما كنتِ تعيشين في بلد منعزل وأنتِ تبلغين العشرين من العمر؟ هل كنت تعلمين ما ستقدمين عليه؟

أغوتا كريستوف: لم تكن لدي أدنى فكرة، فأنا لا أعرف أي شيء عن سويسرا في تلك الأيام، إضافة إلى أني لا أعرف أي لغة أجنبية. لكن زوجي تولى المسؤولية فيما يتعلق بكل شيء. فَهُوَ من قرر الوجهة التي سنهاجر إليها، واللغة التي سنتحدث بها لاحقًا. أما أنا، فقد كان اهتمامي منصبًا على الطفلة.

 

المحاور: لو كان الأمر عائدًا إلى رغبتك، فهل كنتِ ستفضّلين البقاء؟

أغوتا كريستوف: نعم، وأنا نادمة على رحيلي.

 

المحاور: هل هذا الجواب يعود إلى الظروف المالية التي عشتها، أم هي مجرد مشاعر انتماء؟

أغوتا كريستوف: إنه يعود لكل أمر تعتقده. كلما مرت السنين شعرْت بأن انتمائي لهذا البلد يزداد مع الوقت.

 

المحاور: ولكن كان من المحتمل ألا نرى كتبك فيما لو قررت البقاء.

أغوتا كريستوف: بدأت الكتابة بشكلٍ جيد قبل رحيلي، فقد كانت بداياتي في الرابعة عشر من العمر. كنت أكتب القصائد في ذلك الوقت. وللأسف، فكل ما كتبته في ذلك العمر قد ضاع. كنت أكتب أيضًا بالهنغارية حينما هاجرنا إلى سويسرا، وكانت كتاباتي تُطبَعُ في مجلة «الأدب الهنغاري» التي تصدر من باريس في تلك الأيام. يدور كتابي الأخير، «االأمّية»، بشكل كبير حول أيام تشردي.

 

المحاور: عرفتِ عن طريق الهجرة علاقتك باللغة. فمن الواضح أن لغتك الجافة الوحشية، التي لا تحفل بأي كلمة زائدة، قد أنتجت نصوصًا قويّة حينما نقرأها بالهنغارية. هل تعرفين مقدار قراءة نصوصك لدى الناس باللغة الهنغارية؟

أغوتا كريستوف: لدي جميع نصوصي وقد تمّت ترجمتها، ولكني لم أقرأها مطلقًا؛ خشيت من أنها ستكون سيّئة بعد الترجمة. تُرجمت نصوصي إلى خمسٍ وثلاثين لغة، ولا أستطيع القراءة بغير الفرنسية إلا بالهنغارية، ومع ذلك لم أجرؤ على الإطلاع عليها.

 

المحاور: إذن، دعيني أؤكد لكِ بأن الكثير يقرؤون نصوصك هنا في هنغاريا.

أغوتا كريستوف: نعم، أعتقد ذلك. فهناك الكثير ممن يتواصل معي في سويسرا، وتصلني الكثير من الإنطباعات حول ما أكتب. لا يزال أخي الأصغر يعيش في هنغاريا، ويرسل هو وعائلته لي باستمرار أي شيء يُكتب عنّي هنا.

 

المحاور: هل يهمّك كل ذلك؟ أقصد النجاح والانتشار في هنغاريا؟

أغوتا كريستوف: نعم، ويهمني جدًا.

 

المحاور: هذا الجواب يفاجؤني. توقعت أنّك ممن يقيّم كتابته بناءً على الرضى الشخصي، وليس أرقام المبيعات. فما تكتبينه ينتمي لك أكثر مما ينتمي للخارج. ربما تكوَّن لدي انطباع خاطئ.

أغوتا كريستوف: هناك بعض الحقيقة فيما قلْتَ، فأنا متحفظة جدًا، ولكن لا زلت أبتهج حينما أعلم أن رواياتي لا تزال مقروءة في جميع البلدان، وأني أستطيع العيش من عائداتها. لو لم أكن كاتبة في سويسرا لما استطعت تكوين مصدرٍ ماليّ للمعيشة.

 

المحاور: ما الذي تعنيه سويسرا بالنسبة للمهاجرين؟

أغوتا كريستوف: تختلف مدن سويسرا وأماكنها كثيرًا فيما بينتها، فهم يتكلمون بثلاث لغاتٍ مختلفة. أنا أقرأ بالفرنسية السويسرية، وأكتب بالفرنسية أيضًا. هاجرنا إلى ذلك المكان، وتعلمنا اللغة فيه. كان الأمر بطيئًا. كنت أعمل في مصنع ساعات، ولم تكن هناك فرصةٌ للحديث بسبب صخب آلات التصنيع، إلا في وقت الاستراحة حينما نقوم بالتدخين خارجًا. عملت هناك لمدة خمس سنوات، ولكن كنت أتعلم الفرنسية بشكلٍ سيء، ولم أستطع تعلم القراءة بما يكفي. تطلب مني الأمر اثنا عشرة سنة لكي أبدأ الكتابة بالفرنسية. حاولْتُ ترجمة قصائدي المكتوبة بالهنغارية إلى الفرنسية. لم يكن الأمر ناجحًا بذلك القدر، ولكن استطعت استعمال بعض العناصر الموجودة في نصوصي النثرية لاحقًا.

 

المحاور: ما هي المفاهيم التي آمنت بها كنتِ حينما كنت تنظرين للحياة أثناء عملك في مصنع الساعات؟ وكيف كانت فرص الكتابة بالنسبة لك؟

أغوتا كريستوف: في البداية لم تكن هناك أي فرصة في العمل ككاتبة وترك مصنع الساعات الذي أعمل فيه. لو استمريت بالكتابة باللغة الهنغارية لما كان هناك أمل بالانتشار إطلاقًا. حولت لغة الكتابة إلى الفرنسية لكي أعرف جدوى ما أقوم به. كان كل شيء صعبًا في ذلك الوقت، لدرجة أن أربعة مهاجرين معنا في نفس المدينة قاموا بالانتحار. لم يكن هناك أي أملٍ ظاهر.

 

المحاور: هل كانوا يشعرون بالعزلة؟ هل أتوا إلى مجتمع مغلق، فَصَعُبَ عليهم الاندماج فيه؟

أغوتا كريستوف: لم يكن لديهم خيار آخر، ولم يكن عملهم لطيفًا. تم زجّ الجميع في مصانع الآلات، ولم توجد إمكانية للعودة مطلقًا. أكمل العديد من المهاجرين طريقهم إلى بلدٍ ثالث لأنهم لم يحتملوا العيش في سويسرا.

 

المحاور: كيف ينظر لك المشهد الثقافي السويسري ككاتبةٍ سويسرية اليوم؟ وهل ترين نفسك كذلك؟

أغوتا كريستوف: صحيحٌ أني أكتب بالفرنسية، إلا أنني لا زلت هنغارية، وأمتلك جواز سفر تم تجديده للتو. يحترمني الناس في سويسرا كثيرًا، وقد فزت بالعديد من الجوائز، وتمت دعوتي إلى العديد من الأماكن.

 

المحاور: هل تتابعين ما يحدث في الأدب السويسري؟

أغوتا كريستوف: كلا، فأنا أؤمن بأني خارج هذا النطاق. من الصعب على أية حال أن نتحدث عما يسمى بـ”الأدب السويسري”، وذلك لأن كتابتهم ترتبط كثيرًا بانتماءاتهم، سواء كانت لألمانيا أو فرنسا. دائمًا ما أجد السويسريين الألمان على تواصل مستمر مع ألمانيا، في حين أن السويسريين الفرنسيين يجدون صعوبة في التواصل مع فرنسا.

 

المحاور: نستطيع إذن أن نقول بأنك كنت محظوظة إذا ما نظرنا إلى ظروف سيرتك الكتابيّة، فقد وجدت طريقك إلى مرتبة مميزة ومهمة.

أغوتا كريستوف: ما صنع ذلك هو أنني نشرت كتبي في باريس، ولولا ذلك لم يعرفني أحدٌ على الإطلاق. تمت ترجمتي من تلك المدينة إلى خمس وثلاثين لغة، بينما لا يحصل المؤلفون السويسريون على ترجمةٍ بهذا القدر. كتبت العديد من المسرحيات الحية ومسرحيات المذياع قبل رواياتي، وهناك الكثير ممن يتبناها الآن، حتى في اليابان! ولكن – والحق أقول – بأني لم أتوقع كل ذلك القدر من النجاح. بدأ كل ذلك سنة 1986، وقد كانت بدايةً متأخرة، وأنا لا أستثني نفسي من هذا التأخير. لكني لم أستطع التحدث بالفرنسية جيّدًا قبل ذلك.

 

المحاور: الكتابة بأسلوبك، وهو استخدام الجمل المقتضبة، نوع شائع. هناك العديد من المؤلفين الذين يستخدمون هذا النوع، حتى في أوساط المهاجرين. يبدو أن مثل هذه الكتابة تجد انتشارًا بين القراء…

أغوتا كريستوف: لم أكتب بهذا الأسلوب لهذا السبب، بل كتبت لأني كنت مدفوعة بقصائدي، والتي كانت عاطفية وناعمة جدًا. لذلك أردت الكتابة بطريقةٍ أكثر جفافًا وفائدة. كان ابني في الثانية عشر من عمره، واستفدت من واجباته المنزلية، وقد ظهر ذلك في رواياتي من خلال الجمل البسيطة والأقرب للطفولية. من يتحدث في «الدفتر الكبير» هم أطفال، وكان ابني يكتب بذات أسلوبهما. تُستخدم الرواية الآن لتدريس اللغة في العديد من الأماكن، حتى أنهم يدرّسون الأطفال بها. بعد صدور «الدفتر الكبير» تغيَّر أسلوبي قليلًا، لكنه بقي جافًا وبسيطًا.

المحاور: يقول العامل في مصنع الساعات، وهو الشخصية الرئيسية في رواية «أمس»، بأنه يكتب داخل رأسه، وذلك لأن الأمر يكون أسهل مقارنة بوضع ما نود كتابته على الورق؛ إذ أن الطريقة الأخرى ستسبب بتشتت الأفكار ولن تخرج بنتيجة جيدة بسبب الكلمات. هل كنت تترجمين أفكارك من الهنغارية عندما كنت تكتبين أولى جملك بالفرنسية؟ هل كنت كلماتك أدق في وصف ما تريدين التعبير عنه بحكم أنها كانت تمر عبر منخل الترجمة؟

أغوتا كريستوف: حسنًا، أعتقد بأن هذه مشكلة أمام كل كاتب، لأنه لا يمكن لنا أن نعبر بدقة عما نقصده. كنت أكتب وأحذف ما أكتبه في نفس الوقت، وقد حذفت الكثير وخصوصًا الصفات والأشياء غير المحسوسة التي تقبع في المشاعر. على سبيل المثال، أذكر بأني كتبت هذه العبارة التالية: “عيناها اللامعتان”، ومن ثم فكرت: هل تلمع العينان حقًا؟! ونتيجة لذلك قمت بحذف هذه الصفة.

المحاور: وعلى الرغم مما تقولين فإن هناك العديد من الأشياء غير الواقعية في رواية أمس، فقد كان الحلم والواقع يتداخلان بشكل مستمر.

أغوتا كريستوف: لكن ذاك أمر مختلف، فتلك الأحلام موجودة فقط في «أمس»؛ وقد كتبت العديد من قصائدي القديمة باللغة الهنغارية في وصف الأحلام.

 

المحاور: بجانب أسلوبك المقتضب، فأنتِ كثيرًا ما تتركين للخيال مهمة استحضار المكان عوضًا عن كتابته. لا يمكن لنا في بعض الأحيان أن نعرف أين نحن، أو من يتحدث.

أغوتا كريستوف: تعودت على ذلك حتى في مسرحياتي. أنا لا أحدد أين يحدث ذلك الشيء أو لمن يحدث. لم أرد تسمية أي شيء.

 

المحاور: كيف تكتبين؟ وإلى أي قدر تستطيعين المضيّ في كتابتك؟

أغوتا كريستوف: حينما بدأت الكتابة كان هنالك ثلاثة أطفال، ولم أستطع العمل إلا إذا ذهبوا إلى المدرسة. كنت أكتب بيدي، ولم تكن لدي آلة طابعة. عندما أكون مشغولة بكتابة رواية، فإن ذهني يبقى منشغلًا بها تمامًا، حتى وأنا أقوم بأعمال المنزل. أفكر بها ولا تبارح ذهني مطلقًا، وعندما أجلس للكتابة، تحضرني كل الجمل. لا أستطيع أن أخبرك عما يحدث ذلك في نفس اللحظة التي أجلس بها، لأني لم أعد أكتب.

 

المحاور: لماذا؟

أغوتا كريستوف: لا أعرف. فقدت اهتمامي بالأدب بشكلٍ أو آخر. المثير هو أني عندما أكون منشغلة بأمرٍ ما، كالعمل في مصنع أو العمل كبائعة، أجد أن هناك وقتًا للكتابة. والآن، بعدما صرت من دون حاجة للكتابة، وهناك خادمة تقوم بأعباء المنزل، فإني لا أقوى على الكتابة.

 

المحاور: ما الذي يفعله أطفالك الآن؟

أغوتا كريستوف: لدي ثلاثة أطفال. وُلدت الأولى في هنغاريا، وتدعى «شوشا»، وهي مديرة ثقافية في إحدى المراكز السويسرية. الثانية اسمها «كارين»، ولدت في سويسرا وتعمل ممثلة في باريس. أما الثالث فهو صبي، وكان يتاجر بالكتب، أمّا الآن فهو موسيقي. أواصر الثلاثة متينة تجاه سويسرا، ومع ذلك فهم فخورون بكون جزء منهم هنغاري. وحتى أحفادي كذلك.

 رابط المقابلة في جريدة الرياض