نوعا الأحياء – نيل كوني

يقتتل السيد سييراكاوسكي والسيد إدواردز في الشارع، والغلبة لصالح السيد إدواردز الآن، إذ يمكنني رؤية الدم ينزف من أنف السيد سييراكاوسكي، إضافة إلى دم آخر على وجهه ولا أدري ما مصدره. السيد إدواردز أكبر سنًا وأسمن قليلًا، فلذا من المفاجئ رؤيته يقاتل بهذه البراعة. لا أدري إذا كان المتفرجون الآخرون (بمقدوري رؤية القليل منهم) متفاجئين مثلي بذلك أو بالقتال كله من الأساس.

لا أظن أن قتالًا قد نشب من قبل في حينا (إنهما يعانيان الآن، إذ لا توجد العديد من اللكمات، بل كثير من المناورات وشد الأذرعة واللكمات الطائشة التي لا تقترب من الآخر أصلًا، وكأن كل واحد منهما يحس أن يد الآخر مكسوة بما هو أخطر من الجلد.)، ولدي افتراض بأن الأحياء نوعان: أحياء يشيع فيها القتال وأخرى لا يشيع فيها. حينا من النوع الثاني.

ما عدا – من المضحك رؤية الفئات وتأثيرها (يتلقى السيد إدوارد العجوز لكمة جيدة في الفك ويسقط أرضًا على مؤخرته) لأن بإمكان المرء القول إن الأحياء نوعان: أحياء تُستدعى فيها الشرطة حين نشوب قتال، وأخرى لا تُستدعى فيها. هل يُحسَب الاتصال بالشرطة محاولةً لإيقاف القتال؟ أفترض أن الأحياء نوعان -.

ينهض السيد سييراكاوسكي ويضطجع إلى جانب السيد إدواردز على الأرض، ولعل مرد ذلك إلى أنه سمع صفارات الإنذار أو أنه رأى ما فعله به حين توقف عن الدفاع عن نفسه أو التحرك بالكلية. ها قد وصلت الشرطة: ثلاث سيارات.

الموجود ثلاثة سيارات وستة عناصر شرطة. يخرجون جميعًا من السيارات، لكن اثنين فقط يقتربان من المتعاركَين. يبدو أن عناصر الشرطة متعَبون مثل مدرسي الحضانة، إذ يقبلون بما يكاد يستحيل تغييره ويتحلون بذات قلة صبرهم مع البراءة.

يمشي أحد عناصر الشرطة إلى الآنسة سميثسون التي تخاطبهم بغضب منذ خروجهم من السيارات. تعيش الآنسة سميثسون بين الرجلين، وعمرها في بداية الثلاثينات وتعمل في العقار – على ما أظن –. لا أدري ما علاقتها بالقتال، لكنها حزينة للغاية. لا يمكنني سماع ما تقوله من النافذة، إذ لا يصل عبر الزجاج إلا همهمات، فأفتحه.

“لا أعرف!”، تقول بينما يواصل الشرطي حديثه أثناء الاستجواب، “لا أعرف! لا أعرف!”

يضع الشرطي يده على ذراعها ويتحدث معها بهدوء، فيتمعّر وجهها بما يشبه القرف وتسحب ذراعها من يده، فيعتريني شعور بالخوف جرّاء فعلها ذلك، إذ أخشى أن يعتبره اتهامًا بكونه يلمسها بطريقة ليست ملائمة للمس أي أحد، فيغضب بسبب ذلك لأنه يحاول تهدئتها فقط. لكن لا يمكن لأحد لومها على رفضها لمسة من غريب مسلح. ينظر إليها الشرطي للحظة بينما يقرر أمرًا فيرجع ويذهب إلى زميله الذي ما زال يراقب الرجلين المضطجعين في الشارع.

تصرخ الآنسة سميثسون على الشرطي الذي مشى سلفًا “لا تلمسني! لا تلمسني!”

يتلفت الشرطي. يمكنني سماعه الآن، إذ يقول “أنا آسف، الخطأ خطإي. لكن أرجو منك أن تهدئي.”

“أهدأ؟ لا تضع يديك علي ثم تطلب مني الهدوء!”

لا يرد الشرطي بكلمة، بل يعين السيد سييراكاوسكي على النهوض. لربما أن السيد سييراكاوسكي سعيد بالدم على وجهه الآن نظرًا للحالة التي يبدو عليها السيد إدواردز، أما السيد إدواردز فراقد على الشارع مثل النائم وأطرافه ممتدة بما يكاد يشي بالأبهة.

يسأل زميل الشرطي “ما مقدار معرفتك الرجلين؟” مشيرًا إلى الآخرين طلبًا للمساعدة بينما يومئ برأسه تجاهها على أنه سيتولى أمرها. أسمع صفارات الأسعاف بسرعة أكاد لا أصدقها.

أما الآنسة سميثسون فلا تجيب، بل تجلس على المرج – ويا لها من حركة، حيث فيها نوع من اليوغا، إذ أن رجليها متقاطعَين بينما مؤخرتها تلمس الأرض. – فتشرع بالبكاء، وبصوت عال ومطلق العنان، فيقترب الشرطي منها.

يقول بصوتٍ يسمعه الجميع “سيدتي؟ هل يمكنني الجلوس معك؟”

تومئ باكيةً ثم تقول “لا يمكنه فعل ذلك. لا يمكن له فعل ذلك كما يريد.”

ثم يحدث أمر ما. إذ يجلس الزميل بجانبها على المرج وتبدأ الحديث، فيخرج دفترًا صغيرًا من جيب معطفه. إنها تبكي مصرحة بأمر فظيع، ويمكنني رؤيتها بينما تخبره بكل شيء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s