البائع – إيميلي ديزوريك-بدران

لم يعد لدى البائع دولارات كافية كي يصل إلى البيت. مرت ثلاث أشهر على وجوده في المدينة بينما يمشي متثاقلًا على آخر رصيف في الشوارع العريضة مثل سهول الوطن، وأضواء الشوارع التي لا تهب نور الشمس. ما من تغريد طائر بري أو شجر ملتف من وعاء الأرض لأنه ما من أرض، بل اسمنت على اسمنت وعشبة هنا وهناك. كانت هناك مسافة أميال بين مركز المدينة – حيث يبيع – ومكان نومه، وكانت المشاوير على القدمين متعبة وأهل المدينة يتجنبونه حين أجواء الريح الباردة. أحيانا يتعثر الناس على الأرض ويقعون، فتجد أناسًا آخرين يقعون على الأجساد الساقطة بسبب عجلتهم. لقد مشى البائع فوق الأجساد أيضًا، إذ ما من مكان آخر كي يمشي فيه، فالحركة البشرية كثيفة وسريعة للغاية. لماذا يتحرك هؤلاء الناس بسرعة شديدة ويتحدثون بصوت عال؟ كان لدى البائع صوت هادئ، ولعل هذا سبب عدم بيعه الكثير من الحلي الرخيصة في حقيبته، على عكس الآخرين الذين باعوا الألعاب في وسط المدينة، فحلي البائع لا تضيء أو تدور أو تطير. وحين يحاول شرح كون حليه مصنوعة بأيدي أصدقائه البارعين من الوطن، يكتفي الناس برد من نوع “هل لديك أي شيء أرخص؟ شيء للأطفال؟”

فيجيب البائع بصوته الضائع في ضجيج المدينة “هذا كل ما أستطيع عرضه.”

وعلى أنه لم يكن متدينًا، إلا أنه في كل ليلة يضع يده على صورة منزل أمه ويقول بما يشبه الصلاة: أرجوك، خذني إلى الوطن مرة أخرى قريبًا. ثم يذهب إلى غرفة النوم – حيث سريره السفلي تحت بائع آخر – فينام بلا أحلام لأن المدينة سرقتها.

وما إن حل الشتاء حتى باتت طرق المدينة العامة مثلجة بشكل خطر، لأن سكان المدينة رفضوا دفع المال لأجل الملح كي يفرشوا به شوارعهم قائلين “لم علي دفع المال الذي جنيته بمشقة لأنقذ الآخرين من حماقتهم؟”، وفي كل يوم يقع الناس أكثر فأكثر على الشارع، ويمشي أهل المدينة على أكوام أكبر فأكبر من الأجساد. باع البائع في كل مرة حليًا أقل من ذي قبل، وصارت حزم الأموال التي يرسلها إلى الوطن أقل سماكة فأقل؛ بينما تكبر الثقوب في نعليه، ومعطفه قد تقطع حتى صار خيوطًا.

آخر ما حدث أن حل يوم لم يبع فيه البائع أي شيء على الإطلاق. وخلال طريقه الطويل عائدًا إلى سريره، تعثر فوقع على الشارع، وفي لحظة تعثرت امرأة فوقعت فوقه؛ فوقع أحدهم فوقها؛ وآخر على ذلك الشخص؛ وهكذا. تسبب كل الأشخاص فوق البائع بحرارة هائلة. وقبل أن يتكسر بالكامل، شعر بالدفء من أجسادهم، مثلما كان يشعر به من النسائم اللطيفة في وطنه البعيد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s