عن ذلك اليوم – ألڤارو بارغاس يوسا

آمل أن تعذروا هذا النص الشخصي.

تلقيت مكالمة قبل عشر سنوات من والدي، ماريو بارغاس يوسا، يخبرني فيها أنه حاز جائزة نوبل للآداب. وقد فرحت لكوني تحررت أخيرًا من السؤال اللعين “لماذا لم يمنحوه جائزة نوبل حتى الآن؟” قدر فرحتي بالخبر.

سعدت مؤخرًا بإجراء حوار معه أمام الملأ لإحياء الذكرى العاشرة لحصوله على الجائزة، وقد دفعني ذلك الحوار إلى التفكير مرة أخرة حول شيء تأملت فيه. ففي عام 2019، وبمناسبة مسلسل وثائقي عن حياته وعمله والتزامه السياسي، ارتحلت معه في أمكنة وأزمنة سيرته. وقد كان في عمره البالغ ثلاثة وثمانين سنة ذا صحة كافية لزيارة دزينة من البلدان على جانبي الأطلسي والحديث معي لمدة ساعات في النهاية. ألفيت نفسي مهووسًا بأمرين. أردت أولًا أن فهم جوهر حياة المرء من خلال حكايته، وأي العناصر التي توجه مسارها وأيها الثانوية، وكيف تجتمع كل تلك العناصر لتشكل شخصية امرئ ما وإنجازاته وإخفاقاته. كما أردت أيضًا أن أعرف مدى أهمية معرفة حياة كاتب ما عن كثب وغرامياته وأحزانه إضافة إلى الصدف [في حياته]، وظروف أفعاله التي قام بها، والقرارات التي اتخذها إضافة إلى ما أُجبِر عليها من أجل فهم أعماله.

كتب الناقد الفرنسي الشهير في القرن التاسع عشر، شارل سانت بوف، أن من المهم بشدة معرفة تفاصيل حياة الكاتب لكي تفهم أعماله. لكن مارسيل بروست، الروائي الفرنسي المؤسطر، ينحاز إلى الفكرة المضادة في كتابه “ضد سانت بوف”: فبالنسبة لبروست، الكتاب منتج على يد شخص مختلف كل الاختلاف عن الذي يظهر في العادات والحياة الاجتماعية وخطايا الكاتب. وإن على المرء أن ينبش في خفايا روحه إضافة إلى الأسرار الدفينة الحميمية المضمنة بداخل أعمال مؤلف ما، بدلًا من أخذ عالمه الخارجي بعين الاعتبار.

لم أصل إلى خلاصة نهائية خلال رحلتنا الطويلة، لكن حدسي ينبئني إلى أمر ما بخصوص ذلك. أظن – بالنظر إلى مسار حياة أبي – أن الحظ أدى دورًا أكبر مما يبدو. إذ أن هناك أمرًا مخادعًا ما في تعريف شخصيته عبر محطات حياته الكبرى: صدمة معرفته في عمر العاشرة أن أباه لم يمت وحلوله في ليلة وضحاها تحت حكمه السلطوي، وحشية المدرسة العسكرية الداخلية، ميوله اليساري المتطرف إلى الحروب في الجامعة، منفاه الطوعي من البيرو، تطوره الإيديولوجي من الاشتراكية إلى الليبرالية الكلاسيكية، حياته الزوجية والعائلية، عودته إلى البيرو، ترشيحه الرئاسي الفاشل في بلد يخيفه “الدرب الساطع” [الحزب الشيوعي البيروفي]، التنظيم الماوي، منفاه التالي الدائم في أوروبا، وحجم العمل [الأدبي/الفكري] الضخم المنسوج عامًا إثر عام بخيوط تلك الحياة الطويلة العاصفة. ولدى حياته المحكية بتلك الطريقة منظر التقدم المنطقي منذ نقطة البدء حتى الذروة، لكنها [على هيئة] معراج. فالإرادة والموهبة تشرحان الكثير، لكن ليس السلسلة الطويلة العصية على التوقع لكل من الأسباب والآثار في حياته، ولا حياة أي أحد.

حدسي تجاه الأمر الآخر هو أن سانت-بوف كان مصيبًا أكثر من بروست (الصلة بين أعمال والدي وسيرته ظاهرة)، لكن هناك شيء من الحقيقة المزعجة في ما قاله بروست. لعل أفضل من شرحه ف. س. نايبول في خطاب حيازته جائزة نوبل، إذ قال “ليس لأي قدر من التوثيق، مهما كان ساحرًا، أن يأخذنا [نحو حل لغز الكتاب]. وسيكون لدى سيرة أي كاتب… عجزها على الدوام.”

لطالما كانت سيرة والدي مفتوحة أمام العامة (وأحيانًا فضائحية)، ويعرفها المقربون بتفاصيل أدق، لكن أعماله – حتى لمن عرف منّا مصادرها وشهد تكوينها – تحتوي على ألغاز لا تشرحها أحداث حياته. وهذه السؤال تحية مني له بعد أن خلصني من السؤال اللعين قبل عشر سنوات.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s