«سيرة ج. غ. ب. الذاتية» – ج. غ. بالارد

jgb_typing376

«سيرة ج. غ. ب. الذاتية» – قصة قصيرة

جيمس غراهَم بالارد (1930-2009)، روائي وقاص بريطاني

ترجمة: راضي النماصي

    أثناء مشيه ذات صباح، تفاجأ ب من رؤيته شيبرتون مقفرة. فقد دخل المطبخ في التاسعة تمامًا وهو منزعج لأن البريد والجريدة اليومية لم يوصلا بعد، وأن عطلًا كهربائيًا منعه من تحضير فطوره. أمضى ساعة محدقًا في الثلج الذائب يقطر من مجمّده، ثم ذهب إلى الباب المجاور كي يشتكي إلى جاره.

    وبشكل مفاجئ، كان بيت جاره خاليًا. كانت سيارته متوقفة في المدخل، لكن العائلة بأكملها – زوجًا وزوجة وأطفالًا وكلبًا – قد اختفت، والأغرب من ذلك أن الشارع قد مُلئ صمتًا لم يكسر بعد. ما من حركة مرور طول الطريق، ولا طائرة واحدة حلقت من فوق متجهة إلى مطار لندن. عبَر ب الطريق وطرق عدة أبواب. وعبْر النوافذ، كان يستطيع رؤية البيوت فارغة من الداخل. لا شيء في هذه الضاحية الهادئة كان شاذًا عن مكانه، ما خلا سكانها المختفين.

    عاد ب إلى المنزل وشغّل المذياع ظانًا أنه قد تكون هناك مصيبة فظيعة وشيكة الحدوث – إما كارثة نووية، أو موجة مفاجئة عقب حادث بحثي في مختبر – وأنه لصدفة تعيسة لم يُحذّر منها. فاشتغل الجهاز، لكن جميع محطاته كانت صامتة، من المحطات القارية حتى محطات المملكة المتحدة. عاد ب مرتبكًا إلى الشارع وحدّق في السماء الخالية. كانت هادئة بنهار يملؤه نور الشمس وقد قطعته عدة غيوم هادئة لم تمنح إشارة بخصوص كارثة طبيعية.

    أخذ ب سيارة وقادها إلى مركز شيبرتون. كانت القرية خالية، وما من سوق مفتوح؛ وثبت قطار في المحطة خاليًا دون أي من الركاب الذي يذهبون بشكل معتاد إلى لندن. ثم عبر ب التيمز مغادرًا شيبرتون إلى قرية وولتون القريبة، وقد وجد الشوارع هناك فارغة أيضًا. توقف عند المنزل الذي تملكه صديقته ﭖ، التي تركن سيارتها في مكانها. فتح الباب الأمامي مستخدمًا المفتاح الاحتياطي الذي يحمله ودخل المنزل. لكنه رأى أن ما من أثر للشابة برغم أنه ناداها؛ فلم تكن في سريرها. وفي المطبخ، شكل الثلج الذائب من المجمد بركة كبيرة على الأرضية. كما لم تكن هناك طاقة كهربائية، وكان الهاتف مقطوعًا.

   استكشف ب القرى المجاورة مكملًا رحلته وهو يجول فيها كلها حتى وصل إلى وسط لندن. ولم يتفاجأ من عثوره على مسرح ميتروبولس الضخم مقفرًا بالكامل. عبر ميدان بيكاديلي المهجور ثم ساحة ترافلغار بصمت وتوقف بسيارته خارج قصر باكنغهام الخالي من الخراس. وعند حلول الغسق، قرر العودة إلى شيبرتون. كاد الوقود أن ينتهي ولذا أجبر على الدخول نحو محطة تعبئة. لم يكن  هناك رجال شرطة في دورياتهم أو مخافرهم. ترك خلفه مدينة هائلة يلفها الظلام، حيث كانت الأضواء الوحيدة مصباحا سيارته الأماميين.

    أمضى ب ليلة مزعجة بمذياع صامت قرب سريره، لكن حين استيقظ في صباح مشرق عادت إليه ثقته. بعد شك مبدئي، ارتاح لرؤية شيبرتون وقد بقيت خالية. بدأ الطعام في ثلاجته يتعفن، واحتاج إلى منتجات جديدة وأغراض كي يطبخ لنفسه، فقاد إلى وسط شيبرتون وكسر أحد نوافذ السوبر ماركت وجمع عدة صناديق من اللحم المعلب والخضروات والأرز والسكر. وفي متجر الأدوات، وجد فرنًا يعمل بالبارافين، وأخذه مع صفيحة من الوقود. لم تعد المياه جارية في شبكات التمديد الرئيسية، لكنه قدّر أن الكمية بداخل الخزان في السطح تكفي لبقائه أسبوعًا أو يزيد، كما زودته اقتحامات أخرى للأسواق المحلية بمخزون من الشمع والمصابيح والبطاريات.

    في الأسبوع التالي، قام ب بعدة زيارات إلى لندن. عاد إلى بيوت وشقق أصدقائه، لكنه وجدها فارغة. اقتحم سكوتلانديارد ومكاتب الصحف في شارع فليت على أمل العثور على شرح لاختفاء السكان. وأخيرًا، دخل قاعات البرلمان ووقف في منطقة المناظرات بمجلس العموم متنفسًا هواءها المغبر، ولم يكن هناك شرح لآخر ما جرى. وفي شوارع المدينة، لم ير قطة واحدة أو كلبًا، بل فقط بعض الطيور حين زار حديقة الحيوانات، وبدت سعيدة برؤية ب، لكنها طارت بأصوات جائعة لما فتح الأقفاص.

    إذن، فقد حصل على رفقةٍ ما على الأقل. خلال الشهر التالي، وعبر الصيف، استمر ب في تحضيراته للنجاة. قاد سيارته إلى برمنغهام في أقصى الشمال دون رؤية مخلوق، ثم إلى الساحل الجنوبي من برايتون حتى دوفر، وحدق في ساحل فرنسا النائي أثناء وقوفه على الجُرُف. في الميناء، اختار قاربًا بمحرك وخزان مليء بالوقود وانطلق عابرًا البحر الهادئ الذي صار خاليًا من قوارب النزهة المعتادة وناقلات النفط والعبارات بين ضفتي القنال [الإنجليزي]. وفي كالاي، تجول لمدة ساعة في الشوارع المقفرة، واستمع بإنصات إلى هواتف لا ترن في الأسواق الصامتة، ثم أعاد تعقب خطاه إلى الميناء وعاد إلى إنجلترا.

    وحين أعقب الصيفَ خريفٌ هادئ، أنشأ ب منطقة مريحة ومرضية بالنسبة له، فقد كانت لديه أكوام من الطعام المعلب والوقود والمياه كي ينجو بها من الشتاء. وكان النهر بالقرب صافيًا وخاليًا من شتى أنواع التلوث، أما الوقود فصار سهل المنال بكميات لا حصر لها من محطات التعبئة والسيارات المتوقفة. وفي مخفر الشرطة المحلي، جمع ذخيرة صغيرة من المسدسات والبنادق الصغيرة للتعامل مع أي خطر مفاجئ قد يظهر.

    لكن ما كان له زائرون سوى الطيور، وقد نثر كميات من الرز والبذور في باحته وباحات جيرانه السابقين وقد شرع بنسيانها، فصارت شيبرتون مطارًا غير عادي ومملوءً بالطيور من كل نوع.

    وهكذا انتهت السنة بسلام، وصار ب جاهزًا للبدء بعمله الحقيقي.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s