«طين» – جيفري فورسيث

من مجموعة «في أرض الأحرار» (2008)

ترجمة: راضي النماصي

وجدت جدتي هذا الصباح جالسةً قرب طاولة المطبخ. كانت ميّتة منذ حوالي خمس سنوات، لكن ها هي الآن تجلس في مقعد زوجتي القديم مغطّاة بالطين. كدت ألّا أتعرف عليها لأن الطين قد ملّس شعرها وغمّق لون بشرتها الشاحبة كما ألفناه. قالت أنه لم يكن من السهل حفر طريقها إلى خارج القبر وقد تطلب ذلك أغلب الليل، وهل سأقوم بعرض كأس من عصير الطماطم عليها – على الأقل –؟

قلتُ: ” لا أفهم. أأنتِ هنا؟”

  • “هل سأضطر إلى طلب ذلك العصير مرتين؟”

كان أكثر ما يكدر جدتي حين كانت حية هو اضطرارها لطلب أي شيء مرتين، فسكبت لها مقدارًا من العصير.

  • “جدتي، أكره أن أقول هذا، لكن اليوم ليس يومًا مناسبًا. فعلي أن أكون في المكتب مبكرًا لاجتماع، أي في الثامنة تمامًا. فالناس هناك يعتمدون علي.”

حدقت فيّ كما لو أن ربطة العنق التي أرتديها سيئة كليًا.

  • “عليّ التزامات ومسؤوليات لا أستطيع التنصّل منها. إنه يوم مهم، ويحتاجونني هناك.”

ثم كانت تلك اللحظة التي سمعت فيها صوت التلفزيون في الصالة. فسألت:

  • “من الذي يشاهد التلفاز؟”
  • “أبوك.”
  • “هل هو هنا أيضًا؟”، ثم خرجت إلى الصالة ووجدته جالسًا على الأريكة وقد غمر الطين وجهه وذراعيه وشعره بالكامل.
  • “أبي؟ ماذا تفعل هنا؟”
  • “أهناك طريقة ما لتحية أبيك؟”، ثم التفت إلى جدتي وقال: “لم يرني منذ سبعة أعوام، وهكذا يحييني؟”
  • “إنك تغطي جهاز التحكم الخاص به بالطين يا عزيزي.”

حدق تجاه أمه ونظر إلى الأعلى تبرمًا.

  • “اعذرني يا أبي، لكن المفروض أنك ميت.”

أعطاني جهاز التحكم الخاص بي والطين فوق كل أزراره. أخذته بعيدًا عن بذلتي لئلّا أتسخ. فقال:

  • “لا شيء في التلفاز للمشاهدة.”

حين كان أبي حيًا، كان يحب مشاهدة التلفزيون. كان يشاهده لساعتين قبل أن يذهب إلى عمله في شركة الهاتف، ثم خمس ساعات حين يعود إلى المنزل؛ وكان برنامجه المفضل هو ” All In The Family “، كان يحب ذلك البرنامج جدًا. وقد أصابتني رؤيته هناك أمام التلفاز منكفئًا ويداه مرتخيتان مبسوطتان على بطنه بأمضى ما يمكن.

قلت لأبي: “أريد أن أعانقك، لكن لدي اجتماع وعليّ الوصول إليه. لا أستطيع التأخر.”

فردّ: “تبدو أنيقًا يا صبي.”. أنستني الطريقة التي قال بها “صبي” العمل لوهلة، فقد نسيت تلك الكلمة. ثم أكمل: “فعلًا يا صبي، تبدو وكأنك من أصحاب الملايين.”

  • “أتظن ذلك؟”

أومأ كل منهما بالإيجاب.

  • “كنت سأعانقكما يا جماعة، لكن لا أريد توسيخ سترتي كما تعلمان..؟”

قالت جدتي: “لا تنشغل بشأن ذلك.”

  • “أنا منشغل بذلك. فلم أعانقك مودعًا من قبل يا جَدة.”
  • “لقد كنت في كليفلاند.”
  • “وإن يكن، أتمنى لو أني ودعتك وداعًا لائقًا.”
  • “لا بأس.”
  • “لا، ليس كذلك.”

ثم مددت ذراعيّ ومشيت نحوها، لكنها تراجعت فورًا. فقال أبي:

  • “من الأفضل ألّا تفعل يا صبي؛ ستتسخ.”
  • “لا أهتم.”

التفت نحوه وحاولت أن أرتمي بذراعيّ حول عنقه الطيني، لكنه تراجع عني أيضًا وقال:

  • “لديك يوم مهم أمامك، يوم مهم حقًا.”

رن الهاتف. كان المتصل مديري ويذكرني بألّا أنسى التقارير. بدا صوته متوترًا. سألته إذا كان علي جلب أي شيء غير التقارير، فرد أن علي تحضير رأيي السديد وحدسي ومزاجي المناسب ثم أقفل السماعة.

بينما كنت على الهاتف، انتقل أبي وجدتي إلى الأريكة تاركيم أثرًا من الطين على كل السجادة والأثاث. وقد أضناني النظر إليه وهو يتكوم عند قدميهما.

قلت: “لا أستطيع فعل ذلك، ليس الآن.”، ولم أعرف ما الذي لا أستطيع فعله. فردّ أبي:

  • “بلى تستطيع، تقدر على فعل ذلك.”

رفع ذراعه وكأنه يقصد أن يحييني بكفّه، لكنه تذكر الطين حينها وطوى ذراعه عند خصره.

جمعت كل التقارير التي كانت متراكمة على طاولة غرفة الطعام ووضعتها بأناقة في شنطتي ثم أغلقتها بإحكام، وخاطبتهما مناديًا:

“أنا آسف للغاية، إذ عليَّ المغادرة. أتمنى لو أنني لست مضطرًا. لكن يجب الذهاب الآن.”

ردت جدتي: “نحن نتفهم ذلك، لا تقلق يا عزيزي.”

  • “لا أستطيع التوقف عن ذلك. إني أقلق دائمًا. دائمًا. دائمًا.”

ظهر صوت جديد من غرفة المطالعة: “خذ نفسًا عميقًا.”

وكانت زوجتي. ماتت قبل عامين بسبب السرطان، لكنّي سمعت صوتها الآن من غرفة المطالعة، فتجمدت، ثم وضعت حقيبتي على صدري ضامًّا ذراعي حولها.

قلت: “عزيزتي، هل هذا أنتِ؟”

ردت: ” بكل تأكيد.”

  • “لا أعلم كيف أقول لك ذلك، لكن علي أن أغادر.”
  • “أعلم ذلك، فلديك يوم مهم.”

حظيت اللحظة التالية بصمت ثقيل.

قلت أخيرًا: “لن آتي عندك إلى هناك.”

قالت: “أعلم.”

ضاق صدري. أردت أن أركض إلى غرفة المطالعة وأرتمي بذراعي حولها وأقبل فمها وأخبرها عن قدر ما لم أتحمله جراء غيابها، لكني تأكدت من أنني إذا ذهبت هناك فستكون مغطاة بالطين أيضًا وكانت لدي حياتي لأفكر بها، تلك الحياة التي كانت ستبدأ في أي دقيقة بدوني.

عدت إلى الصالة ووقفت أمام أبي الميت وجدتي بينما لا تزال الحقيبة مضمومة إلى صدري، فصارت مثل تلك الوسائد المربعة التي يمكن استخدامها أيضًا كوسيلة طفو. وعلى الرغم من أني ما زلت واقفًا، إلا أنني شعرت بأن رجلاي تهتزان. قلت:

  • “أروني طريق الخروج من هنا.”

قام أبي واقترب إلى ما دون إنشات مني متأكدًا ألا يلمس طينه أكمام معطفي، ثم مال بأنفاسه ذات رائحة الأرض الندية وقال: “أعتذر لأننا أحضرناها هنا، فلم يكن من المفترض أن تقول أي شيء. كان هذا الاتفاق. كان عليها أن تستمع ولا تقول شيئًا.”

رددت قائلًا: “لا بأس. أنا سعيد لأنها أتت. أكره الخروج هكذا فقط.”

فأومأ وقال: “اتبعني.”

تبعته إلى الباب الأمامي منحنيًا حذر الطين كي لا أتسخ. فقد استعملت الليلة الماضية نصف علبة من مسحوق “كيوي” الأسود على حذائيّ بعد إنهاء آخر تقاريري، ولمعتهما حتى خلت أنني أستطيع رؤية نفسي في الجلد.  لا أعلم لماذا حدث ذلك، ولكن فكرة استعمال خردة سوداء على حذائيّ ليبدو أفضل قد ضايقتني. فقد جعلتني أفكر: هل ينظف أي شيء فعلًا؟

فتح أبي الباب. لا بد أن هناك كِسَرَ ميكا في الطين، لأن ساقيه لمعتا ما إن دخل شعاع الشمس الغرفة. فكرت للحظة أنه بوقوفه هناك محاطًا بالباب قد قصد منه أن يستخدم جسده ليمنعني من الذهاب إلى الخارج حيث سمعت الطيور والسيارات العابرة وصوت مطرقة ما كل عدة ثواني وهي تتردد في جوف مرأب أحدهم الفارغ، لكنه تنحى في تلك اللحظة جانبًا؛ ونظرت إلى الخلف باتجاه غرفة المطالعة متسائلًا عمّا إذا كان عليّ الذهاب هناك، إذا ما كنت حكيمًا بالذهاب هناك في أهم يوم بحياتي. أصخيت السمع تجاهها لكن كل ما سمعته هو صمتها، وقد وهبني أشد صداع وكأن شخصًا ما يطرق مسمارًا في مؤخرة رأسي. كنت سأذهب إليها إذا ما تكلمت مرة أخرى، لكن من حسن حظي – على ما أعتقد – أنها لم تفعل، وما سمعته بدلًا عنها هو مطرقة جاري وهي تدعوني للخروج.

 

geoffreyforsyth-250x324

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s