«الدرب الطويل إلى الخارج» – ف. سكوت فيتزجيرالد

«الدرب الطويل إلى الخارج» – ف. سكوت فيتزجيرالد (1896-1940)

ترجمة: راضي النماصي

 fitzreading

     كنا نتحدث حول بعض أقدم القلاع في تورين[1] وانتقلنا في الكلام إلى السجن الحديدي الذي وضع لويس الحادي عشر فيه الكاردينال لا بلو مدة ست سنوات، ثم تحدثنا عن الدياميس[2] وفظاعات أخرى مشابهة لها؛ وقد رأيت العديد من تلك الأخيرة، كانت محض آبار جافة بعمق ثلاثين أو أربعين قدمًا يرمى بها الإنسان لينتظر العدم. وبما أن بي رهاب الأماكن المغلقة إلى حد اعتبار سرير اليخت ذي الطابقين كابوسًا بلا شك، فقد خلّفت فيّ الدياميس انطباعًا لا يزول. لذا حين حكى طبيب هذه القصة كنا في تفريج بالأحرى – وكانت كذلك فعلًا حين بدأها لأنها بدت بلا علاقة مع العذابات الماضية منذ زمن بعيد.

     كانت هناك امرأة شابة تدعى السيدة كنغ وسعيدة للغاية مع زوجها، وكانا ميسوري الحال وعاشقين لبعضهما، لكن مع ميلاد طفلها الثاني دخلت في غيبوبة طويلة ثم انتابتها حالة خطيرة من الشيزوفرينيا أو “انفصام الشخصية”. كان توهمها، والذي ارتبط بشكل ما بإعلان استقلال البلاد، يشكل عبئًا خفيفا على الحالة، وبدأ يزول ما إن استعادت عافيتها. بنهاية الشعر العاشر كانت في النقاهة وتتذكر بصعوبة ما حدث لها، وتوّاقة جدًا للعودة إلى العالم.

     كانت في الحادية والعشرين فقط من عمرها وصبيانية الطباع بشكل محبب، وإحدى المفضلات لدى طاقم المصحة. حين صارت سليمة بما يكفي لتقوم برحلة تجريبية مع زوجها كان هناك اهتمام يعم المبنى. فقد ذهبت ممرضة مع زوجها إلى فيلادلفيا لتشتري فستانًا لها، أما الأخرى فعلمت بأمر صبابتها الرومانسية في المكسيك، وقد رأى الجميع طفليها خلال زيارات إلى المستشفى. كانت الرحلة إلى شاطئ ولاية فرجينيا لمدة خمسة أيام.

     كان من المفرح مشاهدتها وهي تتجهز وتلبس وتعد حقيبتها بدقة متناهية وتعيش التفاهات الغريبة كتموجات الشعر وغيرها. جهزت قبل نصف ساعة من موعد الرحيل وقد قامت ببعض الزيارات في الطابق الأرضي بثوبها المنقّط بالأزرق وقبعتها في مظهرٍ يشي بأنّها جلست دقيقة تحت مطر أبريل. أما وجهها الهزيل الرائع، فقد اعتراه شيء فقط من ذلك الحزن المفاجئ الذي يبطء بعد المرض ويزول بالترقب.

     قالت: “لن نفعل شيئًا، وهذا ما أوده؛ مجرد الاستيقاظ حينما أريد لثلاث صباحات متتالية والسهر في لياليها، وشراء رداء حمّام لي وطلب وجبة.”

     حين حل الوقت قررت السيدة كنغ الانتظار في الأسفل بدلًا عن غرفتها، وبينما تمر في الردهات مع خادمٍ يحمل حقيبتها لوحت للمرضى الآخرين وهي تشعر بالأسف لأنهم لن يذهبوا أيضًا في عطلة رائعة. تمنى لها المشرف خيرًا، ووجدت ممرضتان أعذارًا كي تبقيا وتشاركاها فرحتها المعدية.

  • “يا للاسمرار الجميل الذي ستحظين به يا سيدة كنغ.”
  • “استقري وأرسلي بطاقة بريدية.”

     في الوقت الذي غادرت به الغرفة، صدمت شاحنةٌ سيارةَ زوجها وهو في طريقه من المدينة، فأصيب بنزيف باطني ولم يتوَقَّع أن يعيش أكثر من بضع ساعات. وصل الخبر إلى المستشفى في غرفة زجاجية قرب القاعة التي كانت السيدة كنغ تنتظر فيها، وطلب المشغّل بينما يرى السيدة كنغ وهو يعلم أن الزجاج ليس كاتمًا للصوت أن تأتي رئيسة الممرضات بسرعة، فأسرعت مرتاعة إلى طبيب وقرر الطبيب ما عليهم فعله، ما دام بقي الزوج حيًا فمن الأفضل ألا نخبرها بشيء، لكن يجب أن تعلم بالتأكيد أن زوجها لن يأتي اليوم.

     خاب ظن السيدة كنغ كثيرًا، بيد أنها قالت:

  • “أظن أن من السخيف أن أشعر هكذا، فما الذي يعنيه مجرد يوم واحد بعد كل هذه الشهور؟ قال أنه سيأتي غدًا، أليس كذلك؟”

     كانت الممرضة تخوض وقتًا شاقًا لكنها تدبرت أمرها حتى عادت المريضة إلى غرفتها، ثم عينوا ممرضة أخرى أكثر خبرة وبرودًا كي تبعد السيدة كنغ عن المرضى الآخرين والجرائد، ففي اليوم التالي سيُقرر ما بشأن هذا الأمر.

     لكن زوجها بقي مغمى عليه فاستمروا بالمراوغة في كلامهم. عند ظهيرة اليوم التالي كانت إحدى الممرضات تعبر الردهة حين قابلت السيدة كنغ مرتديةً ملابسها مثل البارحة، لكنها تحمل حقيبتها هذه المرة، فشرحت لها قائلة:

  • “سأقابل زوجي. لم يستطع القدوم البارحة، لكنه سيأتي اليوم في نفس الساعة.”

     مشت الممرضة معها. كانت السيدة كنغ حرة ضمن حدود المبنى وكان من الصعب أن تُعاد ببساطة إلى غرفتها، ولم ترِدِ الممرضة حكي قصة تتعارض مع ما أخبرتها به الإدارة. حين وصلوا إلى قاعة الاستقبال أشارت الممرضة إلى عامل الهاتف الذي فهمها لحسن الحظ. تأملت السيدة كنغ شكلها آخر مرة وقالت:

  • “أود لو أن لي ست قبعات مثل هذه كي تذكرني بأن أكون سعيدة هكذا دومًا.”

     حين قدمت مشرفة التمريض عابسة بعد دقيقة، سألت:

  • “لا تقولي لي أن جورج قد أجل القدوم مرة أخرى؟”
  • “أخشى أنه قد فعل. ليس هناك شيء لنفعله، لكن تحلّي بالصبر.”

     ضحكت بحسرة ثم أردفت: “أردت منه رؤية ملبسي حين كان جديدًا بالتمام.”

  • “لماذا تقولين ذلك؟ فلا توجد تجعيدة واحدة فيه.”
  • “أظن أنه سيبقى هكذا حتى الغد. يجب ألا أكون حزينة إذا ما انتظررررت يومًا إضافيًا حينما أكون سعيدة للغاية.”
  • “بالتأكيد كلا.”

     في تلك الليلة توفي زوجها وفي اجتماع الأطباء صباح اليوم التالي كان هنالك نقاش حول ما يجب فعله، فقد كان إعلامها مخاطرة وكتم الخبر عنها مخاطرة أيضًا. تَقَرَّر القول بأن السيد كنغ قد استدعى إلى مكان ما بعيد وبهذا ينقضي أي أمل لها بلقاء قريب، وحين ترضى بذلك سيقدرون على إخبارها بالحقيقة.

     وبينما خرج الأطباء من الاجتماع توقف أحدهم وأشار بيده، إذ كانت السيدة كنغ في آخر الردهة متجهة إلى القاعة الخارجية.

     حبس الدكتور بيري أنفاسه، وكان المكلف خصيصًا بالعناية بالسيدة كنغ. ثم قال:

  • “هذا أمر فظيع. أظن أن من الأفضل إخبارها الآن. ما من فائدة في قول أنه بعيد في حين أنها تسمع محادثة منه كل أسبوعين، وإن قلنا أنه مريض فسترغب بزيارته. هل من أحد آخر يحب هذه الوظيفة؟”

 

II

     في مساء ذلك الاجتماع، ذهب أحد الأطباء المشاركين في إجازة تمتد أسبوعين. وفي يوم عودته خلال نفس الساعة في نفس الممر توقف أمام مشهد حشد صغير متجه نحوه، وكان يتألف من خادم يحمل حقيبة وممرضة بالإضافة إلى السيدة كنغ وهي مرتدية فستانها المنقط بالأزرق وقبعتها الربيعية.

     قالت: “صباح الخير يا دكتور. سأقابل زوجي وسنذهب إلى شاطئ فرجينيا. أنا ذاهبة إلى القاعة لأني لا أريد أن أبقيه منتظرًا.”

     نظر الطبيب إلى وجهها الصافي والسعيد مثل وجه طفلة، وأشارت له الممرضة إن ما يجري قد طُلب منها، لذا فقد انحنى فقط وتحدث معها عن الجو البديع. فقالت السيدة كنغ:

  • “إنه يوم جميل. لكن حتى ولو كان ماطرًا فسيبقى جميلًا في نظري.”

     نظر الطبيب إلى ما وراءها حائرًا ومنزعجًا، وخطر في باله “لم يتركون ذلك مستمرًا، أي خير يرجى منه؟

     وحين قابل الدكتور بيري رمى ما في باله قولًا، فأجاب:

  • “حاولنا أن نخبرها، لكنها ضحكت وقالت أننا كنا نحاول التأكد مما إذا لا زالت مريضة. يمكنك أن تستخدم كلمة “لا يطرأ” هنا، فموته لا يطرأ على بالها إطلاقًا.”
  • “لكن لا تستطيعون الاستمرار هكذا.”
  • “كلامك صحيح نظريًا. لكن قبل عدة أيام حاولت الممرضة أن تمنعها من الذهاب وقد حزمت حقيبتها، ومن خارج الغرفة في القاعة استطعت رؤية وجهها بينما تتداعى لأول مرة – ولتتذكر ذلك -، كانت عضلاتها مشدودة وعيناها تبرقان وصوتها مجلجلًا حين سمّت الممرضة “كاذبة” بكل أدب. كان الأمر غير مضمون لدقيقة فيما لو كانت لدينا مريضة طيّعة أو حالة مستعصية، فتقدمْتُ وأمرت الممرضة بأن تأخذها إلى الأسفل نحو غرفة الاستقبال.

     توقف الطبيب عن الحديث ما إن ظهر الحشد العابر مرة أخرى وهو يتوجه عائدًا إلى العنبر. وقفت السيدة كنغ وتحدثت للدكتور بيري:

  • “لقد تأخر زوجي ثانية، وأنا بالطبع خائبة الظن، لكنهم يقولون لي بأنه سيأتي غدًا وبعد الانتظار ليوم طويل كامل لا يبدو بذات الأهمية. ألا تتفق معي أيها الطبيب؟”
  • “بالتأكيد يا سيدة كنغ.”

     نزعت القبعة وأردفت:

  • “عليّ أن أضع هذه الملابس جانبًا، فأنا أريدها أن تكون جديدة في الغد كما هي اليوم.”، ثم نظرت إلى القبعة بتمعن وقالت: “هناك بقعة غبار عليها، لكني أظن أنني أستطيع إزالتها، وربما لن يلاحظها.”
  • “أنا متأكد بأنه لن يفعل.”
  • “لا أمانع صدقًا الانتظار ليوم آخر. سيكون الموعد غدًا في نفس هذا الوقت، أليس كذلك؟”

     وحين غادرت بما يكفي، قال الطبيب الشاب:

  • “ما زال هناك الطفلان.”
  • “لا أظن أن الطفلين سيهمّانها، فحين “انتكست” ربطت هذه الرحلة بفكرة التشافي. إن نزعناها فستنهار حالتها إلى الأسوأ ونبدأ العلاج من جديد.”
  • “هل يمكن أن يحدث ذلك؟”
  • “ما من علامة منذرة، فأنا أشرح ببساطة لمَ سُمِحَ لها بالذهاب إلى القاعة هذا الصباح.”
  • “لكن سيكون هناك صباح الغد والصباح الذي بعده.”
  • “سيبقى هناك احتمال.. بأن يكون الزوج هناك يومًا ما.”

     أنهى الطبيب حواره على عجل. وحين ضغطنا عليه كي يقول ما حدث ادعى أن الباقي كان انهيارًا للحالة، وأن كل التعاطف انقضى بمرور الوقت وقد انتهى طاقم المصحة إلى تقبل الحقيقة ببساطة.

  • “لكن هل لا زالت تذهب لتقابل زوجها؟”
  • “آه نعم، ما زالت كما هي. لكن المرضى الآخرين – ما عدا الجدد – قلما ينظرون إليها حين تعبر القاعة، والممرضات تخططن لاستبدال قبّعة جديدة كل عامٍ أو ما شابه؛ أما الملابس فهي نفسها التي تلبسها. ما زالت خائبة الظن لكنها تتخطى ذلك وبعذوبة فائقة أبضًا. ليست حياة سعيدة بقدر ما نعلم، لكن يبدو أنها – وبشكل مضحك – تُعَدُّ مثالًا لليقين بالنسبة للمرضى الآخرين. فلنتحدث حبًا بالرب عن أمرٍ آخر. لنعد إلى الدياميس.”

[1] منطقة في فرنسا

[2] جمع ديماس

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s