«شطيرة صدر» – ستِوَرت دايبك

ترجمة: راضي النماصي

يعد ستورت دايبك (1942 – الآن) أحد سادة القصة القصيرة الأمريكية المعاصرة، وهو أحد الوجوه الأدبية لولاية شيكاغو.
من أعماله: «ساحل شيكاغو»، والتي حازت إحدى قصصها بعنوان “ثلج حار” على جائزة أو. هنري المرموقة عام 1985، «طفولة وأحياء أخرى» الحائزة على جائزة نقابة كتّاب ولاية مدلاند عام 1981، «أبحرت مع ماجلّان»، «مصباح ورقي: قصص حب» وعدة مجموعات شعرية. اختيرت قصصه في العديد من المجموعات المكرسة والمتميزة على المستوى الأمريكي والدولي، كما قام بتحرير العديد من المجموعات القصصية المختارة.

 

imageedit_2_7314598765

 

     احتاجت النقانق الثورنجية[1] إلى ضمادٍ من الخردل البني، وذلك لأن سطحها اللدن الشاحب قد شِيط إلى الحرق تقريبًا.

     كانت البسطرمة معروضة بألوان الخمسينات الصارخة على هيأة لحم وردي مغطّى بالفلفل الأسود.

     وكان هناك لحم مملح ونقانق مقدّمة حسب الكوشر وقطع سلامي متدلية ولحم أرداف ونوعان من المحاشي – بالقاشة وبمكعبات البطاطا الذهبية -، بالإضافة إلى الملفوف بنوعيه وسلطة البطاطا بالبابريكا والطماطم الخضراء وخبز الكيزر والخبز الفرنسي وخبز الجودار. كنت أتجول طوال اليوم في الجو البارد وبدت جميعها شهيّة، لكن حين حلّ دوري أخيرًا قررت أن أستثمر آخر أربعة دولارات معي في شطيرة لحم الصدر بخبز الجودار.

     كان الخادم العجوز الأصلع بمريلته البيضاء الوسخة يهمس بصوت خافت: “سأعد لك شطيرة لذيذة للغاية أيها الشاب.”

     قالها بنبرة تآمرية، إذ كانت شفتاه تتحركان بالكاد ويريدني أن أقترب منه لأستمع وكأن ما يقوله شيء لا يريد من ملّاك المؤسسة الاشتباه به، كأنه سر بيننا الاثنان وليس لآذان الآخرين خلفي في الطابور أن تسمعه.

     رمش باتجاهي وحدق في عينيّ بثبات كما لو أنه يبدي اهتمامًا خاصًا بي، اهتمامًا كان أكثر مما قد أحكي عنه حيال ما واجهته من السكرتارية والمسؤولين الذين أمضيت الأسابيع الستة الأخيرة وأنا أملأ استمارات التقديم على الوظائف لديهم بينما انقضى مالي وبتّ أتنقل من صديق إلى آخر منهارًا من التعب إما على الأرض أو الأرائك. كان وجهه أشيبًا ومتغضنًا بالتجاعيد. لا بد من أنه كان يعد الشطائر منذ زمن طويل، وقد رأى العديد من الوجوه الجائعة تحدق فيه خلف الحاجز الزجاجي في الجهة الأخرى.

     ربما تعلم قراءة الوجوه بلمحة وقد رأى في وجهي يأسًا لم أشعر به قبل مجيئي وأني احتجت للمساعدة، وقد شاهد فيّ بلمحة ما يكفي عما يعنيه كون المرء متشردًا بلا مأوى أو وظيفة ويهيم في الشوارع جائعًا لمدة طويلة.

     ولربما كي يمضي يومه يسمح لنفسه كل فترة بأن يستلطف وجه شخص لا يعرفه على الإطلاق. وجه قد ذكره بنفسه حين كان شابًا، أو ذكّره بشخص ما من ماضيه، بنفس الطريقة التي يرتاد أحدكم فيها قطار الأنفاق ويشاهد الناس وهم يهمّون إلى وظائفهم. فقد أرى امرأة تذكرني بخليلة قديمة في مدينة أخرى، مدينة كان يجب علي البقاء فيها، وامرأة كان يجب على البقاء معها، هي نفس الفتاة التي قالت لي: “لك وجه يليق بالطبقة العاملة”. ربما ظنّ ذلك أيضًا.

     “أنظر”، قال لي بينما يزيل الشحم بطرف السكين بحرفنة، ثم قطع الأطراف على طول لوح التقطيع لتترك أثرًا من الدُّهن. كان ذلك حين لاحظت الأرقام الموشومة على ذراعه، وقد رأيت علامات مخيمات الموت المَمْحية على أذرع الخياطين في نفس الحي من قبل. تصدمني كل مرة أرى فيها تلك الأرقام الموشومة محيلة إياي إلى إحساس منفّر بالانفصام بينما يزاحم واقع التاريخ الوحشي حاضرنا المُعاش. تساءلت عمّا يفكر به حين ينظر إلى ذراعه كل يوم، وأي ذكريات مرعبة عليه أن يتجاوزها كل صباح. شعرت بالعار حين رأيت تلك الأرقام. يا لهوان أزمتي “الكبيرة” حين كنت أصرف آخر أربعة دولارات معي. كنت سأنجو على كل حال.

    سألني وهو يشير بسكينه إلى كومة الأطراف الباقية التي قصها من شطائر أخرى: “ماذا عن بعض البقايا اللذيذة لكلبك؟”، كانت هناك بعض الشرائط المُشْبعة الملتصقة بالشحم من لحم الصدر وتشكل وجبة أخرى على الأقل.

     “بالتأكيد.”

     “حسنًا”، قالها بذات النبرة السرية وكأن هناك بعض التفضيل الشخصي بيننا.

    جمع الأطراف معًا في ورق مشمع، ثم وضع الورق المشمع في كيس جزارين بني ومن ثم وضع الكيس بخبرة في علبة نظيفة، وذلك قبل أن يلصق أطرافها ويمدها لي بترتيب منطقي مجترف فائلًا: “بدولارين فقط.”

    “دولاران؟”

“لأجل كلبك.”

    ظننت أنه سيوفرها مجانًا وفجأة أحسست بأنني مغفل تمامًا. كان كل ما صدمني أنه أيًا ما جعلني ساذجًا بما يكفي لأحسب أن تلك القطع مجانًا هو نفس التفكير الذي جعلني على هذا الحال: عاطل عن العمل وأعيش على صديق بعد آخر، بالإضافة لافتقادي امرأة هجرتني سلفًا.

    قلتُ له: “لا أملك كلبًا.”

    “قلتَ للتو أن لديك واحد.”

    “كان لدي.”

    لم يستطع أن يتجاوز كون شخص يقوم بمثل ذلك الخطأ، فسأل: “هل نسيت أنك لم تعد تملك كلبًا؟”

    “كان لدي كلب لكنه مات. ما زلت أقول “نعم” بحكم العادة.”

    “آسف بشأن ما سمعت عن كلبك.”

    “أشكرك. كان من فصيلة الشنوزر واسمه يابي. من المؤكد أنه كان سيحب تلك القطع.”

    “ربما لديك قطة.”

    “ولا قطة”.

    “هل أنت متأكد الآن؟”

    “نعم”

    “أتريد مخللًا بالثوم؟”

    سألت وقد تعلمت درسي: “بكم؟”

    “إنه يأتي مع الشطيرة”.

brisket-on-rye1

[1] نسبة إلى منطقة ثورنجيا Thuringia الألمانية.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s