الزِّبابات – خوان بونيا

خوان بونيا (1966-الآن)، كاتب إسباني.
ترجمة: راضي النماصي

juan-bonilla-10

رن الهاتف في الثالثة صباحًا. سألني صوت خشن بهدوء عمّا إذا كنت مستيقظًا فسألته: “من يتحدث؟”. مضت على ذلك ثلاث ليال متوالية ولم أستطع النوم منذ ذلك الحين. أنتظر الهاتف ليرن مجددَا في منتصف الليل وشخصًا ما على الخط كي يتحدث. أخبرني أنه قد اتصل لأنه لم يستطع النوم. لم يقدر على النوم منذ ستة أشهر، ولم يحاول. النوم ليس مما لا غنى عنه، فعلى الأقل وُجد كي لا نشعر بالسأم، والمرء يغدو سئمًا للغاية بينما تمضي الليالي دون أن يتحدث لأحد. هذا ما أخبرني به، لذا خطر بباله أن يتصل بأحد. وعبر الأسابيع القليلة الماضية كان يستمر بفعل ذلك، ويُمضي لياليه بينما يتحدث مع أناس مجهولين، فيتصل بهم ويوقظهم. رد العديد بشكل سيء وأقفلوا السماعة بعد أن شتموه، فيما سايره آخرون بصبر كما لو أنهم يستمعون إلى برنامج متأخر في الإذاعة. كان يفتح دليل الهاتف على أي صفحة ليختار من يتصل عليه ومن ثم يحدّد رقم الهاتف الذي يَحِطُّ عليه اصبعه. ولاحقًا، بعد أن يتحدث مع الطرف الآخر المجهول، يشطب الاسم، أو يبقيه في حال كان ذاك الآخر منفتحًا، كي لا يمنع احتمال العثور عليه مجددًا. زار طبيبًا في البداية كي يعرف سبب عدم نومه، واستمر إلى أن أدرك أن الطبيب قد حاول أن يغير الموضوع ويحيل علاجه إلى الطب النفسي، فغادر الرجل، إذ لم يكن موسوسًا، بل كان هنالك الكثير جدًا من الوقت بين يديه، وهذا كل ما في الأمر، أي وقتٌ أكثر مما استطاع شَغله. قرأ، استمع للموسيقى، شاهد التلفاز، ومع ذلك كان لديه العديد من الساعات كي يخطط لشغلها بمكالمات ليلية؛ بمعدل ثماني مكالمات كل يوم لـ 365 يومًا لنحو كذا وخمسين سنة، مثلًا. خمنت أن ذلك العدد يقترب من عمره. نسب إليّ أيضًا فكرة لا أعلم ماهيتها حول تشكيل فرقة من المصابين بالأرق، بمعنى أنها مجموعة أناس أرِقُون يأخذون على عاتقهم حماية المدينة عبر البقاء مستيقظين باستخدام المكالمات الهاتفية. قال لي: “إن النوم أمر رجعي”، فالعالم مستمر بالدوران ويخضع لمن لا ينام، وهنالك أشياء يجب العراك بها برفقة أسلحتهم الخاصة، أما اسم الفرقة فسيكون الزِّبابات. سألته عن السبب فقال أن الزبابات هي الحيوانات الوحيدة التي لا تنام، فلم يكن النوم هبة لها؛ ثم استبدل كلمة “هبة” لاحقًا بـ”عيب”. وعلاوة على ذلك، فإن الإصابة الوحيدة التي يصاب بها الأَرِقُون مثله هي الوحيدة التي يمكن رؤيتها تحديدًا لدى الزبابات، ألا وهي القابلية لفقد ذواتهم مقابل أي وعي بنجاح ما يحدث، أي نقل ذواتهم إلى نقطة غير محددة يصير إدراك الوقت بها منعدمًا، فيموت لفترة نستعيد بعدها إحساسنا بوعينا حين عُلّق أول مرة إلى أن عاد، وبعدها نرجع عبيدًا للتعرق. صار ذلك الشخص مغرمًا بالحديث مع المجهولين عبر الهاتف لدرجة أنه قد يجسر على تجربة ذلك مع بلدان يكون وقتها ليلًا حين يكون هنا نهارًا، لأن الأمر لم يكن مجرد ثرثرة، بل كانت حقيقة إيقاظ أحدهم – في الواقع – تعد تحريرًا له من قيود أحلامه. أخبرني أن بإمكان دراجة آلية منفلتة إيقاظ 150 ألف نسمة ما لم يوقفها أحد، وكان ذلك أحد المشاريع التي خطط لها فريق الزبابات الأَرِقة، فأخبرته بأنها تبدو لي فكرة جيدة. لا أعلم كم أمضينا ونحن نستمر بالحديث. لكن في النهاية، طلبت منه أن يشطب اسمي من دليل الهاتف، وذلك على أمل ألّا يختارني اصبعه كفرد جديد إن لم يكن لديه مانع؛ وقد قبل ذلك بكرم. حين أغلق الهاتف لم أستطع النوم. جلبت دليل الهاتف وفتحته عشوائيًا ثم اتصلت بأحد الأرقام. في البدء، لم أستطع نزع فكرة أنه قد يكون نفس الرجل الذي اتصل بي من بالي، لذا وضعت السماعة أرضًا، ثم أعدت التجربة رغم ذلك. أيقظت هذه المرة أحدًا، وكان امرأة. لم أجرؤ على قول شيء وأغلقتُ السماعة حين ألحتْ بالسؤال عمن يتصل. لا أعلم ما حدث. لم أستطع النوم منذ حينها. ولم أكن منزعجًا من عجزي عن بلوغ قدر معين من الإعياء، لولا أنه لم يكن فقط لأجل ظل السأم الذي يغمرني برذاذه. قرأت، استمعت للموسيقى، وشاهدت التلفاز، لكن ما زالت هناك عدة ساعات حتى تجلو الشمس الظلام من السماء بشكل كامل. أعلم أن الهاتف سيرن مجددًا في أي لحظة، وسيكون المتصل هو نفس الرجل الذي خاطبته، ومن سأقول له: “نعم، أريد أن أكوِّن كتيبة من الزبابات”؛ وسأبدأ بإيقاظ بعض البشر المجهولين كي أقول لهم: “العالم مستمر بالدوران. استيقظوا! لا تناموا!”.

————–

* جمع زِبابة (بكسر الزاي)، نوع من الحيوانات يشبه الفئران.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s