أصدقاء – لوسيا برلين

أصدقاء، لوسيا برلين (1936 – 2004)

ترجمة: راضي النماصي

من مجموعة «دليل لعاملات التنظيف: قصص مختارة» والحائزة على ميدالية كاليفورنيا الذهبية للنثر القصصي 2015.

t-lucia-berlin-death-dave-cullen

      قابلتْ لوريتّا كلًا من آنّا وسام في اليوم الذي أنقذت به حياة سام.

      كان كل من آنّا وسام مسنّين، هي في الثمانين من العمر وهو في التاسعة والثمانين؛ وكانت لوريتا ترى آنّا من حين لآخر حين تذهب للسباحة في حوض جارتهما إيلَين. وقفت ذات يوم بالقرب من المرأتين وهما يقنعان ذلك العجوز كي يسبح، وقد فعل ذلك، في النهاية، بطريقة تشبه الكلاب وبتكشيرة على وجهه إثر نوبة صرع انتابته، بينما الأخريات على سطح الجهة المقابلة ولم يلاحظْنَ ذلك، فقفزت لوريتا بملابسها وسحبته إلى سلم المسبح ومنه إلى الخارج. لم يحتج إلى إنعاش لكنه كان حائرًا ومرعوبًا، تناول مما لديه من بعض الأدوية التي يأخذها لأجل الصرع وساعدوه ليتجفف ويلبس بعد ذلك. جلسوا كلهم لفترة حتى تأكدوا أنه بخير ويستطيع المشي إلى بيتهما.. هناك على آخر الناصية. واصلت آنّا مع سام شكر لوريتا لإنقاذ حياته، وأصرا أن تأتي إلى الغداء في اليوم التالي.

      تصادف أنها لن تعمل خلال الأيام المقبلة، فقد أخذت إجازة بدون راتب لثلاثة أيام لأن هناك العديد من الأمور التي يجب أن تقوم بها. كان الغداء معهم يعني العودة من المدينة إلى بيركلي على طول الطريق، وأن كل شيء لن ينتهي خلال يوم واحد.. كما خططت مسبقًا.

      غالبًا ما شعرت بعجزها في مواقف كهذه، من تلك التي تجعلك تحدث نفسك بأشياء من نوع “يا ربي، هذا أهون شيء أقدر عليه، إنهم لطفاء للغاية” وما لم تقم بذلك شعرت بالذنب وإن قمت بذلك تحس بأنك ضعيف الشخصية.

      نزعت عن نفسها ذلك المزاج السيئ في اللحظة التي دخلت شقتهما. إذ كانت مشمسة ومفتوحة مثل بيت في المكسيك حيث عاشا معظم حياتهما هناك. كانت آنّا عالمة آثار وسام مهندسًا، وقد عملًا سويًا في تيوتيهواكان ومواقع أخرى، مما ملأ شقتهما بالخزف الفاخر والصور لتشكّل مكتبةً رائعة. في الأسفل حيث الباحة توجد حديقة خضار كبيرة وعدة أشجار فواكه وعناقيد توت. ودهشت لوريتا أن هذا الثنائي الهش والأشبه بزوج عصافير فعلا بكل ذلك وحدهما، لأنهما يستعينان بالعصا ويمشيان بصعوبة شديدة.

      كان الغداء عبارة عن شطائر جبن محمصة وحساء جايوت وسلطة من خضار الحديقة. قامت آنّا وسام بتجهيزه مع بعضهما وأعدا الطاولة وقدما الغداء كليهما أيضًا.

      لقد قاما بكل شيء معًا طوال خمسين عامًا، وكان أحدهما بمثابة صدىً للآخر أو يقوم بإكمال الجملة التي بدأها مثل التوائم. مر العشاء ببهجة بينما يخبرانها، بمكبر صوت، عن بعض تجارب العمل في الهرم بالمكسيك وعن شيء من الاكتشافات التي عملا بها. كانت لوريتا مندهشة بهذين العجوزين وبحبها المشترك للموسيقى والاعتناء بالحدائق وبمرحهما تجاه بعضهما، وكانت مذهولة من مقدار انخراطهما في الأنشطة المحلية والوطنية، وبذهابهما إلى المسيرات والمظاهرات وبمراسلاتهما لرجال مجلس الشيوخ ورؤساء التحرير وكيف يجريان المكالمات الهاتفية. إنهما يقرآن ثلاث أو أربع أوراق بحثية كل نهار، وفي الليل يقرآن الروايات أو كتب التاريخ لبعضهما.

      بينما كان سام يخلي الطاولة بيدين مرتجفتين، قالت لوريتا لآنّا عن كونها محسودة على رفيق بهذا القرب طوال العمر، فقالت آنّا: “نعم، لكن قريبًا سيرحل أحدنا..”

      كانت لوريتا لتتذكر هذه الجملة بقدر أكبر لاحقًا وتتساءل عما إذا كانت آنّا قد صادقتها كبوليصة تأمين حياة حين يموت أحدهما. لكنها حدثت نفسها نافية: “لا. الأمر أبسط من ذلك”. إذ أن الاثنين كانا مكتفيين بذاتهما وتجاه بعضهما طوال حياتهما، لكن سام بدأ يصير الآن شارد الذهن ومشوشًا في بعض الأحيان.

      كان يكرر نفس القصص مرارًا وتكرارًا. وعلى الرغم من أن آنّا كانت صبورة عليه دومًا، إلا أن لوريتا شعرت بأن آنّا سعيدة لوجود شخص آخر تحادثه.

      ومهما كان السبب، فقد وجدت لوريتا نفسها منخرطة في حياة سام وآنّا أكثر فأكثر. فلم يستطيعا قيادة السيارة مجددًا. في بعض الأحيان كانت آنّا تتصل على لوريتا كي تطلب منها أن تأخذ نبتة إسفغنون حين تغادر أو لتأخذ سام إلى طبيب العيون. وفي البعض الآخر كانا يعجزان حتى عن الذهاب للمتجر، فتتبضع لوريتا الأغراض لهما. لقد أحبتهما وشعرت بالتقدير تجاههما. وبما أنهما يبدوان متلهفين جدًا للقاء أصحاب، فقد ذهبت للعشاء عندهما مرة في الأسبوع أو كل أسبوعين كحد أقصى. طلبت منهما في مرات قليلة أن يأتيا عندها للعشاء، لكن كانت هناك العديد من الدرجات للصعود وقد انتهيا العجوزان منهما مرهقين لدرجة أوقفتها عن فعل ذلك مجددًا. ولذلك كانت تجلب سمكًا أو دجاجًا أو طبق معكرونة إلى بيتهما وهما يعدان سلطة ويقدمان توتًا من الحديقة للتحلية.

      بعد العشاء يجلسون على الطاولة أمام أكواب من الشاي بالنعناع أو الشاي الجامايكي بينما يحدثهما سام بقصص جرت حين أصيبت آنّا بشلل الأطفال، وذلك في حفرة عميقة بغابة يوكاتان، وكيف نقلوها إلى المستشفى وعن لطف الناس فيه؛ وكذلك عن المنزل الذي بنياه في تشالابا؛ وعن زوجة العمدة حين كسرت رجلها بسبب خروجها من النافذة لتتجنب أحد الزوار. كانت قصص سام دائمًا ما تبدأ بجملة: “هذا يذكرني بالمرة التي…”

      عرفت لوريتا تفاصيل حياتهما شيئًا فشيئًا. عن بداية الغزل بينهما على قمة جبل تام[1]، وعن غرامهما في نيويورك حين كانا شيوعيين، وعن انغماسهما في الخطيئة. فهما لم يتزوجا أبدًا، لكن ما زالا يشعران بالارتياح في هذا التحرر، وقد أنجبا صبيين وهما يعيشان الآن في مدن بعيدة. كانت هنالك أيضًا قصص عن المزرعة الكبيرة قرب بيغ سور حين كان الأطفال صغارًا. وبينما تصل القصة إلى النهاية كانت لوريتا تقول: “أكره المغادرة، لكن عليَّ النهوض للعمل باكرًا.” ثم تغادر في حينها. وبالرغم من ذلك كان سام غالبًا يقول: “فقط دعيني أخبرك ما جرى للفونوغراف الآلي.” لتقود سيارتها مرهقة بعد ذلك بساعات إلى منزلها في أوكلاند وهي تحدث نفسها بأنها لن تستمر بفعل ذلك، أو أنها ستذهب مجددًا لكن لوقت معلوم ومحدد.

      ليس الأمر أنهما كانا مملين أو غير مثيرين للاهتمام. على النقيض، لقد عاش هذا الثنائي حياة غنية وممتلئة وهما ينخرطان فيها بانتباه كامل. كانا مهتمين للغاية بهذا العالم، بماضيهما. أمضيا وقتًا طيبًا بالفعل وكل منهما يضيف إلى ما يتحدث به الآخر ويتجادلان حول التفاصيل والتواريخ.. لدرجة أن لوريتا لم تملك أن تقاطعهما وتغادر، وقد جعلها الذهاب إلى هناك سعيدة لأنهما كانا فرحين للغاية برؤيتها. لكنها شعرت في بعض الأحيان أنها لا ترغب بالذهاب مجددًا، وذلك حين تكون متعبة جدًا أو لديها شيء آخر لتفعله. قالت آنّا ذات مرة: “تعالي يوم الأحد خلال الفطور أو الغداء.”

      لما صار الجو صحوًا أكلوا على طاولة في شرفة منزلهما وهم محاطون بالزهور والنباتات، بينما أتت مئات الطيور إلى أحواض الطعام قربهم مباشرة. وحين صار أبرد أكلوا في الداخل بالقرب من فرن حديدي ومحشو بحطبات قطعها سام بنفسه بينما توجد قطع وافل أو أومليت سام المميز، وفي بعض الأحيان تحضر لوريتا بعض البيغل والسمك المدخن. مضت ساعات – بل اليوم بأكمله – عندما انتهى سام من حكي قصصه وآنّا تصححها وتضيف التعليقات عليها. في بعض الأوقات، كان من الصعب البقاء مستيقظًا تحت ضوء الشمس في الشرفة أو قرب نار الفرن.

      كان بيتهما في المكسيك مصنوعًا من الطابوق الخرساني، لكن الأعمدة والواجهة والشرفات من خشب الأرْز. في البدء بُنيت المساحة الكبيرة بما فيها من مطبخ وغرفة معيشة، وقد زرعا الأشجار – بالطبع – حتى قبل بناء المنزل من موز وخوخ وجاكاراندا. في العام التالي أضافا غرفة نوم، وبعد ذلك بعدة أعوام غرفة أخرى باستوديو لآنّا، وقد صُنعت الأسرة والمكاتب وطاولات العمل من خشب الأرْز. كانا يأويان إلى بيتهما الصغير بعد العمل في الحقل الذي يقع في.. ولاية أخرى بالمكسيك، أما البيت فبارد دومًا ويعبق برائحة الأرز كما لو أنه صندوق كبير.

      أصيبت آنّا بالتهاب رئوي ووجب أن تذهب للمستشفى، وعلى المرض الذي ألم بها ما كانت تفكر إلا بسام وكيف سيعيش بدونها. فوعدتها لوريتا أنها ستمر عليه قبل العمل وترى ما إذا تعاطى أدويته وفطوره، كما أنها ستطبخ له العشاء بعد العمل وتأخذه للمستشفى كي يزورها.

      الأمر المريع هو أن سام لم ينطق. كان يجلس مرتعشا على حافة السرير بينما كانت لوريتا تساعده على اللباس. أخذ أدويته وشرب عصير الآنّاناس بشكل آلي، ومسح ذقنه باهتمام بعدما أكل فطوره. وحين تصل في المساء كان يقف في الشرفة وهو ينتظرها. أراد أن يذهب لرؤية آنّا أولًا ثم يتناول العشاء. وعندما وصلوا إلى المستشفى، كانت آنّا ترقد شاحبة بينما شعرها الطويل الأبيض منسدل للأسفل كفتاة صغيرة، وعليها المغذي وتحتها المبولة وقربها أسطوانة أوكسجين. لم تنطق بشيء، لكنها تبسمت وأمسكت رأس سام بينما حدّثها عن غسيله لملابس كثيره وسقْيه للطماطم وتغطيته للفول وغسيله للأطباق وصناعته الليموناضة. استمر في حديثه لها – دون انقطاع – وهو يخبر عن كل ساعة في يومه. وحين غادرا كان على لوريتا أن تمسكه بشدة، فقد كان يميل ويتعثر بينما يمشي. في السيارة بكى بينما قفلا عائدين، فقد كان قلقًا، لكن آنّا عادت إلى المنزل وهي على أتم حال عدا الكثير مما يجب فعله في الحديقة. في يوم الخميس بعد الفطور المتأخر، ساعدت لوريتا في الغرس بالحديقة وقطع عذوق التوت الأسود، وكانت قلقة في ذلك الوقت، فماذا لو أن آنّا قد مرضت بشدة؟ وما الذي كانت تمثله هي بهذه الصداقة؟ لقد أثر اعتماد هذين الزوجين على بعضهما وضعفهما في لوريتا وأحزنها. خطرت تلك الأفكار في رأسها بينما تعمل. بيد أن الوضع برمته كان جميلًا، بتلك التربة السوداء الباردة وأشعة الشمس وبِسَام وهو يقول قصصه حين زرع في صف الحُفَر الموازي.

      في الأحد التالي ذهبت لوريتا إلى منزلهما متأخرة، فقد نهضت مبكرة ولديها الكثير من الأعمال لتقوم بها. أرادت حقًا أن تبقى في المنزل، لكن قلبها لم يطاوعها على الاتصال وإلغاء الموعد.

      الباب الأول لم يكن موصدًا – كالعادة –، لذا فقد ذهبت إلى الحديقة ومنها لتصعد في السلالم الخلفية. مشت في الحديقة كي تنظر حولها، وقد كانت زاخرة بالطماطم والكوسا والفاصولياء والنحل الذي يطوف وَسِنًا بها. كان كلٌ من آنّا وسام في الشرفة بالأعلى. وأرادت لوريتا أن تناديهما لولا أنهما كانا يتحدثان بانشغال تام.

      “لم تتأخر من قبل إلى هذا الحد. ربما لن تأتي.”

“آه، ستأتي… فهذه الصباحات تعني لها الكثير.”

“يا للسوء، إنها وحيدة للغاية وتحتاجنا. نحن حقًا عائلتها الوحيدة.”

“إنها تستمتع بقصصي حتمًا. تبًا. لا أستطيع التفكير بقصة واحدة كي أحكيها لها اليوم.”

“ستَرِدُ إحداها لك..”

      “مرحبًا”، هتفت لوريتا، “هل من أحد في المنزل؟”

[1] Mount Tam جبل تام يقع في ولاية كاليفورنيا – المترجم.

9781250094735

 

Advertisements

4 thoughts on “أصدقاء – لوسيا برلين”

  1. تنخرط في الحياة مثلما تنخرط حبات السبحة حول الخيط تحاول أن تنفرط أو تفرط بشيء منك أو أشياء منهم لكن العقدة أحكمت إغلاقها .. ربما تبدو سعيدا ربما تبدو حزينا ؛ لا يهم الحياة لاتفرق بين بكاء وضحكات حبات الخرز المنخرطة المتلاصقة جنبا إلى جنب ..
    كالعادة .. العبور هنا .. وهذه الترجمة المنسدلة والمسترسلة مثل ستائر بيضاء لنافذة مشمسة وحيوية تهب عليها الحياة من كل الجهات .. وشكرا دائما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s