داخل المكتبة خارج العالم.. قرّاء مثاليون

  • إعداد: محمد إسماعيل – موقع الإمارات اليوم.

عنوان شاعري، وقرّاء مختلفون، ونصوص وشهادات تؤكد أن القراءة ليست نشاطاً للمترفين، أو زينة يمكن التخلي عنها.. يحفل بها كتاب «داخل المكتبة خارج العالم»، للمترجم السعودي راضي النماصي، الذي ينطلق من محبة خاصة وتجربة ذاتية مع الورق، إذ إنه كقارئ جيد كان يجد صعوبة وعقدة لسان، حينما يريد التعبير عن كتاب يبجّله، بأبعد من كلمات الإعجاب؛ لذا بحث عن «قراء يملؤون هذا العالم حكمة ويقيناً بنظرتهم المختلفة، ووعيهم المتزايد تجاه النصوص النصوص الماثلة أمامهم». في حضرة الكتاب، تأتي النصوص التي تنتمي إلى تسعة مبدعين من وجهات مختلفة حول العالم، يسردون حكايا الشغف بالورق، ونعيم المكتبات الذي وجدوا أنفسهم في رحابه. وترفض معظم الشهادات الوصاية على القارئ، ويطالبه أصحابها بالتعويل على حدسه، وقطع الطريق بقليل من النصائح وكثير من المتعة، حتى ولو صادفه أحياناً بعض الهراء.


يبدأ الكتاب، الصادر عن دار «أثر» السعودية، الرحلة مع مبدعة تيار الوعي فرجينيا وولف (1882 – 1942)، التي تسعى للإجابة عن سؤال: «كيف نقرأ كتاباً كما يجب؟»، وترى أن مفتاح ذلك يأتي عبر المقارنة، فهنا السرّ من وجهة نظرها، لأن القراءة الأولى «ليست سوى نصف عملية القراءة.. انتظر دع غبار القراءة يهدأ».

وتهاجم وولف أصحاب الكتب السيئة، مشبهة إياهم بالمجرمين: «ألا يجب أن نعتبر بعض المؤلفين كالمجرمين؟ ألا يحق لنا أن نعتبر أولئك الذين يكتبون كتباً سيئة، كتباً تضيع وقتنا وتعاطفنا، كتباً مسروقة، كتباً خاطئة، كتباً تملأ هواءنا بالعفن والأمراض، ألا يحق لنا أن نعتبرهم أخبث أعداء المجتمع؟». وتختتم شهادة وولف بحلم شاعري، أشبه بقصيدة، عن متعة القراءة و«عاقبتها».

روح اللعبة

الكاتب الأميركي هنري ميللر (1891 – 1980)، صاحب المسيرة الطويلة في عالم الكتب؛ يشير إلى أنه «لا أحد في هذا العالم يستطيع الحكم على كتاب ما بكلمة جيد أو سيئ.. وأعظم فائدة يجنيها المرء من القراءة هي رغبته في التواصل مع غيره، فأن تقرأ كتاباً يعني أن تستيقظ من سباتك الروحي وتحيا، وتحتوي اهتماماً أكبر بمن يجاورك».

وفي حين يقسم الروائي الألماني هيرمان هيسه (1877 – 1962) القراء إلى أصناف، يشدد صاحب رواية «لوليتا» فلاديمير نابوكوف (1899 – 1977) على أن القارئ العظيم هو الذي يعيد ما يقرأ: «نحن نحتاج وقتاً عندما نقرأ أي كتاب لنتآلف معه.. عندما نقرأ للمرة الثانية، الثالثة، الرابعة، فإننا بشكل ما نتعامل مع الكتاب كما لو كان لوحة.. ما الذي يفعله القارئ النكد عندما يواجه كتاباً جميلاً؟ أولاً سيذهب المزاج المتجهم بعيداً، وبشكل أفضل أو أسوأ سيدخل القارئ في روح اللعبة». ويضيف نابوكوف «هناك ثلاث وجهات للنظر نستطيع أن نرى بها الكاتب: قد نراه حكاء، وقد نراه كمعلم، أو قد نراه كساحر. الكاتب العظيم يحتوي هؤلاء الثلاثة، لكن الساحر بداخله هو من يتحكم به، ويجعله كاتباً عظيماً».

 

وصية

في ختام كتاب «داخل المكتبة خارج العالم»، للمترجم راضي النماصي، وتقديم الدكتور سعد البازعي، والذي يقع في 160 صفحة، نصّ مختصر لمبدع أبصر العالم مكتبة، وتخيّل الفردوس كذلك، وهو لويس بورخيس الذي ينصح: «لا تقرأوا أي كتاب لأنه مشهور أو حديث أو قديم، إذا كان الكتاب الذي تقرأونه مملاً فاتركوه، حتى ولو كان الفردوس المفقود أو دون كيخوته.. إذا شعرتم بالملل من أي كتاب فاتركوه.. فهذا الكتاب لم يؤلف من أجلكم. يجب أن تكون القراءة أحد أشكال السعادة الخالصة، ولذا فإني ألقي بوصيتي الأخيرة إلى جميع قرائي الحاليين والمستقبليين، بأن يقرأوا كثيراً، ولا يغتروا بسمعة كاتب ما.. اقرأوا من أجل متعتكم، ولأجل أن تسعدوا فهذه هي الطريقة الوحيدة».

 

 

 

 

 

 

وماذا عنك؟

أما الروائي البيروفي ماريو بارغاس يوسا؛ فبسخرية يبدأ الإجابة عن سؤال: لماذا نقرأ الأدب؟ قائلاً: «دائماً ما يأتيني شخص حينما أكون في معرض كتاب أو مكتبة، ويسألني توقيعاً، إما لزوجته أو ابنته أو أمه أو غيرهن، ويتعذر بالقول بأنها قارئة رائعة ومحبة للأدب. وعلى الفور أسأله: وماذا عنك؟ ألا تحب القراءة؟ وغالباً تكون الإجابة: بالطبع أحب القراءة، لكني مشغول طوال الوقت. سمعت هذا التعبير العديد من المرات.. أنا سعيد من أجل أولئك النسوة، لكني أشعر بالأسف للرجال، وللملايين ممن يستطيعون القراءة لكنهم اختاروا تركها.. مقتنع بأن مجتمعاً بلا أدب أو يرمي بالأدب – كخطيئة خفية – إلى حدود الحياة الشخصية والاجتماعية، هو مجتمع همجي الروح، بل ويخاطر بحريته».

وكما الحال في رواياته؛ لا يتخلى يوسا هنا في نصه بالكتاب عن المشاغبات، والاشتباك مع أحد مؤسسي شركة «مايكروسوفت» بيل غيتس، الذي يحلم بـ«وضع حد للورق، ومن ثم الكتب» لتكون شاشات الكمبيوتر بديلاً. واستهجن يوسا، صاحب «حفلة التيس» و«شيطنات الطفلة الخبيثة» و«حلم السلتي»، حلم غيتس، مؤكداً أنه ليس ثمة متعة أكبر من قراءة الكتب، وأن تحيّزه ليس فقط لطول عِشرته الشخصية مع الكتب والورق، ولكن لصعوبة الذهاب إلى الشاشة لقراءة شعر أو رواية أو حتى مقال. ويذهب يوسا إلى أبعد من ذلك، محذراً من كابوس المجتمع الممتلئ بالشاشات والسماعات: «مجتمع يعتبر الكتب فضولاً قديماً مجتمع من شأنه أن يكون غير متحضر بعمق وسيكون خالي الروح. ستكون إنسانية آلية تركت حريتها بمجرد أن تخلت عن الأدب». ويضيف: «ليس من المرجح أن هذه اليوتوبيا المروعة سوف تأتي.. نهاية قصتنا ونهاية التاريخ لم تكتب بعد.. ولكن إن أردنا أن نتجنب فقر خيالنا، ونتجنب اختفاء ذلك الاستياء الثمين الذي يهذب حساسيتنا ويعلمنا التحدث ببلاغة ودقة، وأن نقاوم أي مساهمة لإضعاف حريتنا، فيجب أن نتصرف. وبعبارة أدق، يجب أن نقرأ»، معتبراً أن «الأدب قوت الحياة المتمردة، هو إعلان عدم الانقياد».

ويواصل كتاب «داخل المكتبة» الرحلة مع الشاعر الروسي – الأميركي جوزيف برودسكي (1940 – 1996)، صاحب «نوبل» عام 1987، الذي يرى أن الكتب «بشكل عام أكثر خلوداً منا، حتى أسوأ الكتب تخلد مؤلفيها». ورغم القناعة بأن الذوق الفطري ينحاز إلى الكتب الجيدة، إلا أن على «الكاتب أن يقرأ الكثير من الهراء. وإلا فلن يستطيع تطوير الخاصية المهمة للقراءة». وينحاز برودسكي لفنه، معتبراً أنه السبيل لاختصار الطريق بالشكل الأرقى للخطاب البشري «وكلما أكثر أي شخص من قراءة القصائد، أصبح أقل تسامحاً مع أي نوع من الإسهاب.. لا يعد النثر بجانب الشعر إلا مجرد طالب كسول. أرجوكم، لا تفهموني خطأ، أنا لا أحاول أن أحتقر النثر. كل ما في الأمر هو ببساطة أن الشعر أقدم من النثر، وبالتالي فقد غطى مساحات أكبر من التاريخ.. ومع أنني عقدت مقارنة بين النثر والشعر كمن يعقدها بين سلاح الجو والمشاة، فإن اقتراحي الآن ليست له علاقة بترتيب معين أو أصول أنثروبولوجية لنوع محدد من الأدب. كل مسعاي هو أن أكون عملياً وأوفر على عقولكم وعيونكم أكواماً من الأشياء المطبوعة وغير المفيدة».

جنة على الأرض

المكتبات منابع للمعرفة.. كما يصفها الكاتب البريطاني نيل جايمان «نشعر فيها بالأمان، بل إن الواحدة منها جنة على الأرض، وأمناء تلك الجنة موجودون بيننا». ويؤكد أن الكتب ستقاوم ولن ينافسها سواها، ولن يزيحها من الأيدي شيء حتى ولو روّج البعض لذلك، فالكتب مثل «أسماك القرش حافظت على وجودها، رغم أنها أقدم من الديناصورات».

واجب الكتاب تجاه القراء، وفق جايمان أيضاً، عدم إشعار القراء بالملل «بل جعلهم يقبّلون الصفحات إثر بعضها تشوقاً. أحد أفضل العلاجات لقارئ متردد هي حكاية لا تبعثه على التوقف عن قراءتها».

«داخل المكتبة خارج العالم» ينهي الرحلة مع الكاتب – أو بالأحرى القارئ الأرجنتيني الأشهر – ألبرتو مانغويل، الذي يعتز بهذه الصفة الأخيرة، قائلاً: «هناك شيء ما بداخلي يحرض على التصحيح حينما أسمع أحدهم يناديني بذلك (الكاتب) وأقول بأني قارئ، قارئ استطاع الكتابة». ويكمل: «ننتمي كبشر إلى فصيلة القراء.. قد أقول إن الإنسان حيوان قارئ، لأننا نأتي إلى هذا العالم بقدرة على التكيف معه، وأيضاً نأتي ويرافقنا توق لقراءة القصص من كل شيء حولنا؛ فنحن نقرأها في وجوه الناس، وفي المناظر الطبيعية، وفي النجوم أثناء الليل، ونقرأها بالطبع أيضاً في ثنايا الكلمات».

ويسلط مانغويل الضوء على مسيرته مع القراءة، منذ أن كان في الثالثة أو الرابعة من العمر (من مواليد 1948)، إذ تعلم ذلك في مرحلة مبكرة، وكانت معرفة الحروف وفك الكلمات أشبه بالسحر كما يصفه، ولأن والده كان سفيراً كثير التنقل، لذا اعتبر الابن الكتب موطنه الواقعي: «التجارب مع الكتب تعني لي أن هويتي الشخصية في هذا العالم هي كوني قارئاً.. الكتب تمنحنا تجربة الحياة قبل أن نعيشها».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s