لم يعد ممكنًا – الحلقة الثانية

عقد مجلس تقدم أوموفيا اجتماعًا طارئًا في أحد أحياء لاغوس الرئيسية. أوموفيا هي قرية تقع في شرق نيجيريا وتتبع قبيلة الإيبو، وهي موطن أوبي أوكونكو. هي ليست بتلك القرية الكبيرة، ولكن سكانها يسمونها مدينة. هم فخورون بماضيهم حينما كانوا يمثلون رعبًا لمن يجاورهم، قبل أن يأتي الرجل الأبيض ويساوي بالجميع الأرض. خلع اليوموفيون (يسمون أنفسهم بذلك) ممن غادروا القرية بحثًا عن وظائف في مدن نيجيريا الكبرى على أنفسهم لقب غرباء، وهم يعودون إلى أوموفيا كل سنتين أو نحو ذلك لكي يمضون إجازاتهم. عندما يستطيعون توفير مبلغٍ معينٍ من المال فإنهم يسألون أقاربهم في المنزل لكي يبحثوا لهم عن زوجة ما، أو لكي يبنوا بيتًا من الصفيح في قريتهم. أينما كانوا في نيجيريا، سيؤسسون فرعًا محليًا لمجلس تقدم أوموفيا.

كان المجلس قد عقد عدة اجتماعات في الأسابيع الماضية بخصوص قضية أوبي أوكونكو. في الاجتماع الأول، أعرب عدد من الناس عن استغرابهم من اهتمام النادي وتسخير طاقاته من أجل ابن ضال أظهر عدم احترامه لهم منذ فترة وجيزة.

“دفعنا مايقارب ثمانمائة جنيه إسترليني لكي ندربه في إنجلترا”. قال واحد منهم. “لكن بدلًا من أن يكون ممتنًا لذلك، فهو يحط من قدرنا من أجل فتاة رخيصة، وها نحن اليوم نجتمع من أجل أن نجد مالًا له. ماالذي يفعله براتبه الكبير؟ رأيي الشخصي هو أننا فعلنا الكثير من أجله.”

لم تؤخذ وجهة النظر هذه بجدية، رغم أنها لاقت قبولًا مضمرًا. لأنه، وكما أوضح رئيس المجلس، حينما يقع أخٌ لنا في ورطة، فعلينا أن ننقذه لا أن نلومه؛ وأن الألم الذي يتسبب به لنا، فهو لن يضر مهما بلغ. وعليه، فيجب على المجلس أن يدفع مايلزم من المال لكي يغطي أتعاب المحامي.

لكن القضية قد انتهت صباح اليوم بالخسارة، ولذلك عُقد هذا الاجتماع الطارئ. وصل العديد من الأشخاص إلى منزل الرئيس في شارع مالوني، وكانوا يتحدثون بحماس عن الحكم.

“علمت بأنها قضية خاسرة.”، قال ذلك الرجل الذي تكلم في أول اجتماع. “نحن نهدر مالنا هباءًا. ماالذي سيقوله الناس عنا؟ هم الذين يقاتلون مقابل لاشيء، إلا إهانتهم برغم رؤوسهم في التراب والسخام”.

لكنه لم يحز أي أتباعٍ في صفه. كان رجال أوموفيا جاهزين ليقاتلوا حتى آخر رمق. لم يكن لديهم شكوك بخصوص أوبي. هو لم يكن سوى شاب أحمق ومعتد بنفسه، ولكن هذا ليس وقت الخوض في ذلك. يجب أن نطارد الثعلب أولًا ونخرجه بعيدًا، ثم نستطيع بعد ذلك أن نحذر الدجاجة من التوغل داخل الغابة.

حينما يأتي وقت الخطر، يستطيع أحدهم أن يثق برجال أوموفيا أن يتنبهوا بالقدر المطلوب، أو بشكل أقل أو أعلى. قال الرئيس بأنه من المخزي لرجل بمثل تلك الرتبة العالية أن يذهب إلى السجن من أجل عشرين جنيهًا فقط. كرر ذلك المبلغ، وفي كل مرة يقوله كان يبصق حنقًا. “أنا ضد أن يحصد الشخص مالم يزرعه. ولكن لدينا مثلًا يقول: إن كنت تريد أن تأكل علجومًا، فابحث عن علجوم سمين وشهي.”

“لايعدو الأمر أن يكون نقص خبرة.”ـ قال رجل آخر. “كان يجب ألا يأخذ المال بنفسه، مايفعله الآخرون هو أن يعهدوا بالمبلغ إلى صبي المكتب الخاص بهم. حاول أوبي أن يفعل مايفعله الجميع، دون أن يعلم كيف يتم ذلك.”، ثم قال ذلك الرجل مثلًا حول فأر منزل ذهب للسباحة مع صديقه السحلية، ومات من البرد.. وذلك بسبب أن جلد السحلية أبقاه جافًا، بينما بقي الفأر رطبًا بفعل فروه.

في لحظةٍ ما، نظر الرئيس عمدًا إلى جيبه، وأعلن بداية الجلسة. وقف الجميع وتلا كل واحدٍ منهم صلاة قصيرة. قدَّم الرئيس بعدها ثلاث جوزات كولا للاجتماع. قام أكبر الحضور سنًا بكسر الجوزة الأولى، وهو يتلو صلاة أثناء ذلك. “من يجلب جوز الكولا فهو يجلب الحياة.”، قال العجوز. “نحن لانهدف إلى إيذاء أحد، ولكننا سنكسر عنق أي شخص يحاول أذيتنا.”. رددت الجماعة من بعده كلمة (آمين). “نحن غرباء في هذه الأرض. إذا أتى الخير لها فليأت لنا نصيبٌ منه.”، آمين. “وإن أتى شر لها فليذهب لأصحاب هذه الأرض، الذين يعرفون كيف يرضون الآلهة.”، آمين. “لدى العديد من القرى المجاورة أربعة أو خمسة أو عشرة من أبنائها يعملون في مباني البريد الأوروبية في هذه المدينة، وليس لأوموفيا سوى ابن واحد يعمل هناك. يقول أعداؤنا الآن بأن واحدًا هو كثير منا لكي يعمل هناك. لكن أسلافنا لن يوافقوا على مثل هذا الكلام.”، آمين. “فثمرة النخيل الوحيدة لاتضيع في النار.”، آمين.

ينطبق مثل هذا الوصف على أوبي أوكونكو، فهو بالفعل “ثمرة نخيل وحيدة”. اسمه الكامل هو أوبياجولو، والذي يعني “العقل يرتاح عند النهاية”. بالطبع، فإن العقل المعني هنا هو الأب، والذي أنجبت زوجته أربع بناتٍ قبل أوبي، كان قلقًا قبل إنجابه أوبي. كونه تحول مسيحيًا – في الواقع، هو كاثوليكي – فذلك يمنعه من الزواج بامرأة أخرى. في ذلك الحين، لم يكن الأب من الرجال الذين تظهر علائم الحزن على محياهم. بشكل أدق، فهو لن يسمح لأي وثني أن تساوره الشكوك حول حزنه من هذا الموضوع. سمى ابنته الرابعة، نوانيدينما، ويعني اسمها بأن “البنت أيضًا مخلوق جيد”، ولكن لم يحمل صوته أي نبرة اقتناع.

لم يفكر العجوز، الذي كسر جوز الكولا وسمى أوبي بـ”ثمرة النخيل الوحيدة”، بعائلة أوبي حينما قال كل ذلك الكلام. كان يفكر بقرية أوموفيا القديمة والمتهالكة بفعل الحروب. منذ ستة أو سبعة سنوات، قرر أبناء القرية ممن يسكنون خارجها جمع بعض المال، وذلك لأجل إرسال أذكى وألمع أبناءهم للدراسة في إنجلترا. إنهم يلومون أنفسهم الآن على ذلك القرار بلا رحمة. كانت منحة الدراسة الأولى من نصيب أوبي أوكونكو قبل خمس سنوات، منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا. وعلى الرغم من تسميتهم لها بالمنحة، إلا أن على الطالب أن يعيد كافة التكاليف لاحقًا. كلفت دراسة أوبي في ذلك الوقت ثمانمائة جنيه إسترليني، على أن يتم سدادها خلال أربع سنوات من عودته. أرادوا منه أن يدرس الحقوق، لكي يقوم بالمرافعة عنهم في قضاياهم المستقبلية ضد قرى أخرى، ولكنه قرر دراسة اللغة الإنكليزية بدلًا عن ذلك حينما وصل إلى إنكلترا. قراره لم يكن جديدًا، فهو أراد ذلك منذ زمن. غضب الإتحاد ولكن قرروا تركه ليكمل دراسته. فعلى الرغم من أنه لن يكون محاميًا، إلا أنه سيحصل على معاملة الأوربيين في الخدمة المدنية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s