قراءة في رواية ” مقهى الشباب الضائع ” – باتريك موديانو

“مقهى الشباب الضائع” – باتريك موديانو: الهمس حينما يخبر بالكثير.

قراءة: راضي النماصي

هل تحققت أمنية أبي العتاهية بفضل إشارة من نيتشه وكتاب لموديانو، عريس نوبل الجديد؟ أم أن الشباب، والذي من المفترض أن يختار العود الأبدي باقتناع، قد اختار العدم بنفسه؟

اصطدمت بمفهوم “العود الأبدي” لأول مرة في رائعة ميلان كونديرا (خفة الكائن التي لاتحتمل)، وأثارت تلك الفكرة الغريبة اهتمامي. فمن نيتشه، مرورًا بالهندوسية، وأخيرًا بميرتشيا إلياده، تتمثل تلك الفكرة في صورة إشارات متوالية تدعي إمكانية تكرار الحدث بلا نهاية.

بحسب لجنة جائزة نوبل للأداب، فقد ذكرت عن الفائز لهذا العام مايلي: “بسبب تمكنه من فن الذاكرة الذي أنتج أعمالا تعالج المصائر والهوية والفقدان والأمل”. وهنا أشهد له بذلك. فموديانو يكتب عن الفقدان والذاكرة باحتراف، وإن لم تكن المعالم المحسوسة واضحة كالزمان والمكان، كما في هذه الرواية. هنا لايحدث شيء مميز: تدور القصة حول شابة غامضة تتشكل صورتها من خلال عدة رجال يسردون قصصهم معها، وكيف يرونها طوال سير خط الرواية الزمني. ولكن مع موديانو، مايهم هو الذي لم يُروَ، وماالذي يحس به القارئ بين السطور: عالم من الشباب الضائع، ذوي الماضي المظلم، تمر من خلالهم ظلال لزمان مضى، وأحاسيسًا تذوي، ومشاعر فياضة تتمثل في صورة فتاة وحكايتها. يتظاهر كل من الرواة الأربعة بالمسؤولية عن إيضاح تلك المعالم الزمنية، والتي لاتعد غامضة كثيرًا.

كما أسلفت، ينطلق موديانو بصوتٍ أقرب للهمس من خلال أربعة فصول لرسم صورة لفتاة غامضة تدعى جاكلين ديلانك. كل فصل ترويه شخصية من الرواية، ومن خلالها يكتشَّف جانب من شخصيتها الرئيسية، والتي تحمل اسمًا مستعارًا هو “لوكي”.

يبرز لنا في الفصل الأول طالب في مدرسة المعادن يروي أحداثًا تظهر فيها شخصيات قليلة في مقهى “كوندي”؛ صنعت تلك الأحداث نوستالجيا ضخمة تجاه فتاة غامضة لايعرف اسمها، بل الاسم المستعار الذي كانوا ينادونها به في مقهى “كوندي”، والذي كان يتردد عليه في شبابه. كانت تعتبر تلك الفتاة الأنثى الكاملة، والحب الذي لايوصف بالنسبة له. وفي محاولة لكشف المزيد من معالم شخصيتها، تقع له العديد من المواقف دون أن ينسى في ثناياها شبابه الذي يعتز به.

المحقق كيزلي هو الراوي الثاني، وهو الصوت الذي يحكي حكايته الخاصة مع “لوكي” في الفصل الثاني. يُعد المحقق صوتًا جامدًا يحتوي الحقيقة بأكملها. فهو يعطينا اسم “لوكي/جاكلين” الحقيقي، وكذلك معلومات عن ماضيها. ولكن، بينما نعتقد أن هذا المحقق يقوم بإنهاء الرواية عبر كشف بعض أقنعة ماضيها، يقوم، وبما يشبه السحر، بتركها تفلت من يديه، هاربة دون أية تفاصيل خلفها.

تنطلق “لوكي/جاكلين” متحدثة عن نفسها في الفصل الثالث، كاشفة عن أجزاءٍ من ماضيها. تتيح لنا تلك المقاطع من ماضيها فهم جنوحها الدائم للهروب، سواء مما رواه طالب مدرسة المعادن أو المحقق.

في الفصل الأخير، تقوم شخصية رولاند بكشف ختامي عن الأدوار التي لعبتها الشخصيات طوال الرواية، دون أن يزيح غموض الرواية الكلي. يساعدنا رولاند لكي نرسم خريطة لباريس؛ باريس الأحلام والآمال، باريس ذات “المناطق المحايدة” حيث يتيه العاشقون، حيث الحنين المستمر والمشاعر الفياضة للأشخاص الذين نلتقيهم باستمرار، وليست تلك الجديدة حيث نقابل وجوهًا لأول مرة عن طريق المصادفة كل يوم.

مايميز هذه الرواية بشكل فعلي هو الغموض، والصوت الهامس المشترك بين كل الرواة. ليس وقت وقوع الأحداث وحده مبهمًا، بل أيضًا جغرافية باريس. فالقارئ هنا يحتاج حتمًا لخارطة حينما يقرأ الرواية، أو أن يكون باريسيًا ليستمتع بالرواية. أيضًا نجد العواطف تغير منظور الشخصيات باستمرار حول الشباب الضائع، والمتمثل في صورة الشخصية الرئيسية “لوكي/جاكلين”. بقي أن أقول أن الترجمة مزعجة للغاية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s